القاضي: المراد جماعة النحل لا ذكورها خاصة، لكنه كنى عن الجماعة باليعسوب وهو أميرها لأنه متى طار تبعته جماعته، والله أعلم. (ج/ص: ١٨/ ٦٧) فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُ هُ جَِزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ، يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعاً كَفَّيْهِ عَلَىَ أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فَلاَ يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلاَّ مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ. قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (فَيَقْطَعُهُ جَزِلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ) بفتح الجيم على المشهور وحكى ابن دريد كسرها أي: قطعتين. ومعنى (رَمْيَةَ الْغَرَضِ) أنه يجعل بين الجزلتين مقدار رميته هذا هو الظاهر المشهور. وحكى القاضي هذا ثم قال: وعندي أن فيه تقديماً وتأخيراً، وتقديره: فيصيبه إصابة رمية الغرض فيقطعه جزلتين والصحيح الأول. قوله: (فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ) . أما (الْمَنَارَة) فبفتح الميم، وهذه المنارة موجودة اليوم شرقي دمشق. و (دِمَشْقَ) بكسر الدال وفتح الميم وهذا هو المشهور. وحكى صاحب (المطالع) كسر الميم وهذا الحديث من فضائل دمشق. وفي (عِنْدَ) ثلاث لغات كسر العين وضمها وفتحها، والمشهور الكسر. وأما المهروذتان فروي بالدال المهملة والذال المعجمة والمهملة أكثر، والوجهان مشهوران للمتقدمين والمتأخرين من أهل اللغة والغريب وغيرهم، وأكثر ما يقع في النسخ بالمهملة كما هو المشهور، ومعناه: لابس مهروذتين، أي: ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران، وقيل: هما شقتان والشقة نصف الملاءة. قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ) ، الجمان بضم الجيم وتخفيف الميم: هي حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، والمراد: يتحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفاته فسمي الماء جماناً لشبهه به في الصفاء. قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (فَلاَ يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلاَّ مَاتَ) ، هكذا الرواية: (فَلاَ يَحِلُّ) بكسر الحاء، و (نَفَسِهِ) بفتح الفاء، ومعنى لا يحل: لا يمكن ولا يقع. وقال القاضي: معناه عندي حق وواجب، قال: ورواه بعضهم بضم الحاء، وهو وهم وغلط. (ج/ص: ١٨/ ٦٨) فَيَطْلُبُهُ حَتَّىَ يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَىَ عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَاداً لِي، لاَ يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَىَ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ، مَرَّةً، مَاءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْراً مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ. قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ) هو بضم اللام وتشديد الدال مصروف، وهو: بلدة قريبة من بيت المقدس. قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْماً قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ) . قال القاضي: يحتمل أن هذا المسح حقيقة على ظاهره: فيمسح على وجوههم تبركاً وبراً، ويحتمل أنه إشارة إلى كشف ما هم فيه من الشدة والخوف. قوله تعالى: (أَخْرَجْتُ عِبَاداً لِي، لاَ يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ) . فقوله: (لاَ يَدَانِ) بكسر النون تثنية يد. قال العلماء: معناه: لا قدرة ولا طاقة، يقال: مالي بهذا الأمر يد ومالي به يدان لأن المباشرة والدفع إنما يكون باليد وكان يديه معدومتان لعجزه عن دفعه. ومعنى حرزهم إلى الطور أي: ضمهم واجعله لهم حرزاً، يقال: أحرزت الشيء أحرزه إحرازاً إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ، ووقع في بعض النسخ: "حَزِّبْ" بالحاء والزاي والباء أي: أجمعهم. قال القاضي: وروي: "حَوِّز" بالواو والزاي ومعناه: نحهم وأزلهم عن طريقهم إلى الطور. قوله: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} [الأنبياء: ٩٦] ، الحدب النشز وينسلون يمشون مسرعين. (ج/ص: ١٨/ ٦٩) ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الأَرْضِ، فَلاَ يَجِدُونَ فِي الأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلاَّ مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ. فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَىَ اللهِ، فَيُرْسِلُ اللهُ طَيْراً كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ، فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ مَطَراً لاَ يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ، حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِآمَ مِنَ النَّاسِ. قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (فَيُرْسِلُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى) . (النَّغَف) : بنون وغين معجمة مفتوحتين ثم فاء وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم الواحدة نغفة. والفرسى بفتح الفاء مقصور، أي: قتلى واحدهم فريس. قوله: (مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ) هو بفتح الهاء أي: دسمهم ورائحتهم الكريهة. قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لاَ يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ) ، أي: لا يمنع من نزول الماء بيت. المدر بفتح الميم والدال وهو: الطين الصلب. قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (فَيَغْسِلُ الأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ) ، روي بفتح الزاي واللام والقاف. وروي: (الزُّلْفَة) بضم الزاي وإسكان اللام وبالفاء. وروي: (الزَّلَفَة) بفتح الزاي واللام وبالفاء. وقال القاضي: روي بالفاء والقاف وبفتح اللام وبإسكانها وكلها صحيحة. قال في (المشارق) : والزاي مفتوحة، واختلفوا في معناه: فقال ثعلب وأبو زيد وآخرون معناه: كالمرآة، وحكى صاحب (المشارق) هذا عن ابن عباس أيضاً شبهها بالمرآة في صفائها ونظافتها. وقيل: كمصانع الماء، أي: أَن الماء يستنقع فيها حتى تصير كالمصنع الذي يجتمع فيه الماء. وقال أبو عبيد معناه: كالإجانة الخضراء. وقيل: كالصحفة. وقيل: كالروضة. قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا) . (الْعِصَابَةُ) : الجماعة. و (قِحْفِهَا) بكسر القاف: هو مقعر قشرها شبهها بقحف الرأس وهو الذي فوق الدماغ. وقيل: ما انفلق من جمجمته وانفصل. قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ، حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِآمَ مِنَ النَّاسِ) . (الرِّسْلِ) بكسر الراء وإسكان السين: هو اللبن. (ج/ص: ١٨/ ٧٠) وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ رِيحاً طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَىَ شِرَارُ النَّاسِ، يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ ".