الإمام المازريُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: مذهب أهل السُّنَّة وجمهور علماء الأمَّة على إثبات السِّحر، وأنَّ له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثَّابتة خلافاً لمن أنكر ذلك، ونفى حقيقته، وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة، لا حقائق لها، وقد ذكره اللهُ في كتابه، وذكر أنَّه ممَّا يتعلَّم، وذكر ما فيه إشارة: إلى أنَّه ممَّا يكفَّر به، وأنَّه يفرِّق بين المرء وزوجه، وهذا كلُّه لا يمكن فيما لا حقيقة له، وهذا الحديث أيضاً مصرِّح بإثباته، وأنَّه أشياء دفنت وأخرجت، وهذا كلُّه يبطل ما قالوه، فإحالة كونه من الحقائق محال. ولا يستنكر في العقل أنَّ اللهَ يخرق العادة عند النُّطق بكلام ملفَّق، أو تركيب أجسام، أو المزج بين قوىً على ترتيب لا يعرفه إلاَّ السَّاحر، وإذا شاهد الإنسان بعض الأجسام منها قاتلة كالسُّموم، ومنها مسقمة كالأدوية الحادَّة، ومنها مضرَّة كالأدوية المضادَّة للمرض، لم يستبعد عقله أن ينفرد السَّاحر بعلم قوى قتَّالة، أو كلام مهلك، أو مؤدٍ إلى التَّفرقة. قال: وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسبب آخر: فزعم أنَّه يحطُّ منصب النُّبوَّة ويشكِّك فيها، وأنَّ تجويزه يمنع الثِّقة بالشَّرع. وهذا الَّذي ادَّعاه هؤلاء المبتدعة باطل، لأنَّ الدَّلائل القطعيَّة قد قامت على صدقه، وصحَّته، وعصمته فيما يتعلَّق بالتَّبليغ، والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدَّليل بخلافه باطل. فأمَّا ما يتعلق ببعض أمور الدُّنيا الَّتي لم يبعث بسببها، ولا كان مفضَّلاً من أجلها، وهو ممَّا يعرض للبشر، فغير بعيد أن يخيَّل إليه من أمور الدُّنيا ما لا حقيقة له، وقد قيل: إنَّه إنَّما كان يتخيَّل إليه أنَّه وطئ زوجاته، وليس بواطئ، وقد يتخيَّل الإنسان مثل هذا في المنام، فلا يبعد تخيُّله في اليقظة، ولا حقيقة له، وقيل: إنَّه يخيَّل إليه أنَّه فعله، ما فعله، ولكن لا يعتقد صحَّة ما يتخيَّله، فتكون اعتقاداته على السَّداد. (ج/ص: ١٤/ ١٧٥) قال القاضي عياض: وقد جاءت روايات هذا الحديث مبيِّنة أنَّ السِّحر إنَّما تسلَّط على جسده، وظواهر جوارحه، لا على عقله، وقلبه، واعتقاده، ويكون معنى قوله في الحديث: حتَّى يظنَّ أنَّه يأتي أهله، ولا يأتيهنَّ، ويروى: يخيَّل إليه أي: يظهر له من نشاطه، ومتقدِّم عادته القدرة عليهنَّ، فإذا دنى منهنَّ أخذته أخذة السِّحر، فلم يأتهنَّ، ولم يتمكَّن من ذلك، كما يعتري المسحور، وكل ما جاء في الرِّوايات: من أنَّه يخيَّل إليه فعل شيء لم يفعله ونحوه، فمحمول: على التَّخيُّل بالبصر، لا لخلل تطرَّق إلى العقل، وليس في ذلك ما يدخل لبساً على الرِّسالة، ولا طعناً لأهل الضَّلالة، واللهُ أعلم. قال المازريُّ: واختلف النَّاس في القدر الَّذي يقع به السِّحر، ولهم فيه اضطراب فقال بعضهم: لا يزيد تأثيره على قدر التَّفرقة بين المرء وزوجه، لأنَّ اللهَ إنَّما ذكر ذلك تعظيماً لما يكون عنده وتهويلاً به في حقِّنا، فلو وقع به أعظم منه لذكره، لأنَّ المثل لا يضرب عند المبالغة إلاَّ بأعلى أحوال المذكور. قال: ومذهب الأشعريَّة: أنَّه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك، قال: وهذا هو الصَّحيح عقلاً، لأنَّه لا فاعل إلاَّ اللَّه، وما يقع من ذلك فهو عادة أجراها اللَّهُ، ولا تفترق الأفعال في ذلك، وليس بعضها بأولى من بعض، ولو ورد الشَّرع بقصوره عن مرتبة، لوجب المصير إليه، ولكن لا يوجد شرع قاطع يوجب الاقتصار على ما قاله القائل الأوَّل، وذكر التَّفرقة بين الزَّوجين في الآية ليس بنصٍّ في منع الزِّيادة، وإنَّما النَّظر في أنَّه ظاهر أم لا. قال: فإن قيل: إذا جوَّزت الأشعريَّة خرق العادة على يد السَّاحر فبماذا يتميَّز عن