إن اللّه عز وجل قال: «من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وما يزال يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني عبدي أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساوته» رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن عثمان بن كرامة «١» . أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي فيما حكي عن أبي عثمان الحيري رحمه اللّه أنه سئل عن معنى هذا الخبر. فقال: معناه كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه في الاستماع وبصره في النظر، ويده في اللمس، ورجله في المشي. أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ أنا جعفر بن محمد قال قال الجنيد في معنى قوله: يكره الموت وأكره مساءته، يريد لما يلقى من عيان الموت وصعوبته وكربه، ليس أني أكره له الموت، لأن الموت يورده إلى رحمته ومغفرته. وقال أبو سليمان رحمه اللّه قوله: «و كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها» «١» وهذه أمثال ضربها،- والمعنى واللّه أعلم- توفيقه في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء وتيسير المحبة له فيها، فيحفظ جوارحه عليه، ويعصمه عن مواقعة ما يكره اللّه من إصغاء إلى اللهو يسمعه، ونظر إلى ما نهى عنه من اللهو ببصره، وبطش إلى ما لا يحل له بيده، وسعى في الباطل برجله، وقد يكون معناه سرعة إجابة الدعاء والإنجاح في الطلبة، وذلك أن مساعي الإنسان إنما تكون بهذه الجوارح الأربع، وقوله ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، فإنه أيضا مثل، والمتردد في صفة اللّه عز وجل غير جائز، والبداء عليه في الأمور غير سائغ، وتأويله على وجهين (أحدهما) أن العبد قد يشرف في أيام عمره على المهالك مرات ذي عدد من داء يصيبه، وآفة تنزل به، فيدعو اللّه عز وجل فيشفيه منها، ويدفع مكروهها عنه، فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمرا ثم يبدو له في ذلك فيتركه ويعرض عنه، ولا بدّ له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله، فإنه قد كتب الفناء على خلقه، واستأثر البقاء لنفسه، وهذا على معنى ما روي «إن الدعاء يرد البلاء» واللّه أعلم. وفيه (وجه آخر) وهو أن يكون معناه ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله ترديدي إياهم في نفس المؤمن، كما روي في قصة موسى وملك الموت صلوات اللّه عليهما، وما كان من لطمة عينه، وتردد عليه مرة بعد أخرى، وتحقيق المعنى في الوجهين معا: عطف اللّه عز وجل على العبد ولطفه به واللّه أعلم. أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد اللّه بن بشران العدل ببغداد أنا إسماعيل بن محمد الصفار أنا أحمد بن منصور الرمادي نا عبد الرزاق أنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال: «أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فلما جاءه صكه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه عز وجل فقال أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال فرد اللّه عز وجل عينه فقال ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله ما غطى يده بكل شعرة سنة، فقال: أي رب، ثم ما ذا؟ قال: ثم الموت. قال فالآن، قال فسأل اللّه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. ف قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم «فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق بجنب الكثيب الأحمر» «١» . وأخبرنا أبو الحسين أنا إسماعيل نا أحمد نا عبد الرزاق أنا معمر أنا همام عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مثله. قال: وأخبرني من سمع الحسن يحدث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مثله، وأخرجه البخاري ومسلم في الصحيح، فرواه البخاري عن محمود بن غيلان ويحيى بن موسى ورواه مسلم عن محمد بن رافع كلهم عن عبد الرزاق دون حديث الحسن. قال أبو سليمان الخطابي: هذا حديث يطعن فيه الملحدون وأهل البدع، ويغمزون به في رواته ونقلته، ويقولون كيف يجوز أن يفعل نبي اللّه موسى هذا الصنيع بملك من ملائكة اللّه جاء بأمر من أمره فيستعصى عليه ولا يأتمر له؟ وكيف تصل يده إلى الملك، ويخلص إليه صكه ولطمه؟ وكيف ينهنه الملك المأمور بقبض روحه فلا يمضي أمر اللّه فيه؟ هذه أمور خارجة عن المعقول، سالكة طريق الاستحالة من كل وجه. والجواب: أنه من اعتبر هذه الأمور بما جرى به عرف البشر، واستمرت عليه عادات طباعهم، فإنه يسرع إلى استنكارها والارتياب بها، لخروجها عن سوم طباع البشر، وعن سنن عاداتهم، إلا أنه أمر مصدره عن قدرة اللّه عز وجل، الذي لا يعجزه شيء، ولا يتعذر عليه أمر، وإنما هو محاولة بين ملك كريم وبين كليم، وكل واحد منهما مخصوص بصفة خرج بها عن حكم عوام البشر، ومجاري عاداتهم في المعنى الذي خص به من آثره اللّه باختصاصه إياه، فالمطالبة بالتسوية بينهما وبينهم فيما تنازعاه من هذا الشأن