بعض أهل النظر في قوله: «ساعد اللّه أشد من ساعدك» معناه أمره أنفذ من أمرك، وقدرته أتم من قدرتك، كقولهم: جمعت هذا المال بقوة ساعدي. يعني به رأيه وتدبيره وقدرته. فإنما عبر عنه بالساعد للتمثيل لأنه محل القوة، يوضح ذلك قوله: «و موساه أحد من موساك» . يعني قطعه أسرع من قطعك. فعبر عن القطع بالموسى لما كان سببا على مذهب العرب في تسمية الشيء باسم ما يجاروه، ويقرب منه، ويتعلق به، كما سمت البصر عينا والسمع أذنا. وقال: في قوله: «بذراع الجبار» إن الجبار هاهنا لم يعن به القديم، وإنما عنى به رجلا جبارا كان يوصف بطول الذراع وعظم الجسم، ألا ترى إلى قوله: كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ «٢» وقوله: وما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ «٣» ، وقوله: «بذراع الجبار» ، أي: بذراع ذلك الجبار الموصوف بطول الذراع وعظم الجسد، ويحتمل أن يكون ذلك ذراعا طويلا يذرع به يعرف بذراع الجبار على معنى التعظيم والتهويل، لا أن له ذراعا كذراع الأيدي المخلوقة. أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب، نا محمد بن إسحاق الصاغاني، نا سعيد بن أبي مريم، نا نافع بن يزيد، حدثني يحيى بن أيوب أن ابن جريج حدثه عن رجل عن عروة بن الزبير أنه سأل عبد اللّه بن عمرو بن العاص: أي الخلق أعظم؟ قال: الملائكة. قال: من ما ذا خلقت؟ قال: من نور الذراعين والصدر. قال: فبسط ذراعين فقال: كونوا ألفي ألفين. قال ابن أيوب فقلت لابن جريج ما ألفا ألفين؟ قال: ما لا تحصى كثرته، هذا موقوف على عبد اللّه بن عمرو راويه رجل غير مسمى، فهو منقطع. وقد بلغني أن ابن عيينة رواه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد اللّه بن عمرو. فإن صح ذلك فعبد اللّه بن عمرو قد كان ينظر في كتب الأوائل، فما لا يرفعه إلى النبي عليه السلام يحتمل أن يكون مما رآه فيما وقع بيده من تلك الكتب، ثم لا ينكر أن يكون الصدر والذراعان من أسماء بعض مخلوقاته. وقد وجد في النجوم ما سمى ذراعين. وفي الحديث الثابت عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «خلقت الملائكة من نور» «١» هكذا مطلقا.