تلا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وإِنَّه ُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ* لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ «٢» . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «إنكم لن ترجعوا إلى اللّه تعالى بشيء أحب إليه من شيء خرج منه» ، يعني القرآن. وأخبرنا أبو عبد اللّه، أنا أبو محمد، عبد اللّه بن محمد بن زياد العدل، حدثنا جدي أحمد بن إبراهيم بن عبد اللّه، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثني أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير، عن أبي ذر الغفاري رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: إنكم لا ترجعون إلى اللّه بشيء أفضل مما خرج منه. يعني القرآن «٣» . قال أبو عبد اللّه: هذا حديث صحيح الإسناد. قلت: ويحتمل أن يكون جبير بن نفير رواه عنهما جميعا. ورواه غيره عن أحمد بن حنبل، دون ذكر أبي ذر رضي اللّه عنه في إسناده. وقوله: «خرج منه» ، يريد أنه وجد منه بأن تكلم به وأنزله على نبيه صلى اللّه عليه وسلم، وأفهمه عباده، وليس ذلك الخروج ككلامنا. فإنه عز وجل صمد، لا جوف له، تعالى اللّه عن شبه المخلوقين علوا كبيرا. وإنما كلامه صفة له أزلية موجوده بذاته، لم يزل كان موصوفا به، ولا يزال موصوفا به. فما أفهمه رسله وعلمهم إياه، ثم تلوه علينا وتلونا، واستعملنا موجبه ومقتضاه، فهو الذي أشار إليه الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيما روينا عنه. وباللّه التوفيق. أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو طاهر محمد بن الحسن المحمدآبادي، حدثنا حامد بن محمود، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، قال: سمعت الجراح الكندي يحدث عن علقمة بن مرتد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان ابن عفان رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «خياركم من تعلم القرآن وعلمه» «١» . قال أبو عبد الرحمن: فذاك الذي أجلسني هذا المجلس. وكان يقرئ القرآن. قال: وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الرب على خلقه. وذلك بأنه منه. كذا رواه حامد بن محمود، ورواه يحيى بن أبي طالب، عن إسحاق بن سليمان، فجعل آخر الخبر من قول أبي عبد الرحمن مبينا. وتابعه على ذلك غيره. ورواه الحماني، عن إسحاق بن سليمان مبينا في رفع آخر الخبر إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم. أخبرناه علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا عباس ابن الفضل، حدثنا الحماني، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، حدثنا الجراح، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «فضل القرآن على سائر الكلام كفضل اللّه عز وجل على خلقه. وذاك أنه منه» «١» . تابعه يعلى بن المنهال، عن إسحاق في رفعه. ويقال إن الحماني منه أخذ ذلك، واللّه أعلم. والجراح هو ابن الضحاك الكندي قاضي الري. وكان كوفيا. أخبرنا أبو عمرو، حدثنا أبو بكر الإسماعيلي، حدثنا الحضرمي، حدثنا يعلى بن المنهال السكوني، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن الجراح بن الضحاك الكندي، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل اللّه على خلقه، وذاك أنه منه» «٢» . قال الحضرمي: سمعه يحيى الحماني من يعلى بن المنهال هذا. وأخبرنا أبو الحسن بن بشران، وأبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد قالا: أنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن زياد، حدثنا محمد بن بشر بن مطر، حدثنا الحسن بن حماد الوراق، حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمذاني، عن عمرو بن القيس، عن عطية، عن أبي سعيد رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «يقول اللّه عز وجل : من شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ثواب السائلين. وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل اللّه على خلقه» . لفظ حديثهما سواء، إلا أن القطان قال في روايته: محمد بن بشر أخو خطاب. وأخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، حدثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب، حدثنا أبو أسامة الكلبي، حدثنا شهاب بن عباد، حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد المشعاري، قال أبو أسامة المشغار فخذ من همذان، فذكره بإسناده، إلا أنه قال: «أفضل ما أعطى السائلين» . وقال: «و فضل كلام اللّه» ، ولم يقل: عن ذكري. قلت: الحكم بن بشير، ومحمد بن مروان، عن عمرو بن قيس. وروى من وجه آخر عن أبي هريرة رضي اللّه عنه مرفوعا. أخبرناه أبو سعيد، أحمد بن محمد الماليني، أنا أبو أحمد، ابن عدي الحافظ، حدثنا عبد اللّه بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا شيبان، حدثنا عمر الأبح، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الأشعث الأعمى، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: «فضل القرآن على سائر الكلام كفضل اللّه عز وجل على خلقه» «١» . تفرد به عمر الأبح، وليس بالقوي. وروي عن يونس بن واقد البصري، عن سعيد دون ذكر الأشعث في إسناده. ورواه عبد الوهاب بن عطاء، ومحمد بن سواء، عن سعيد عن الأشعث دون ذكر قتادة فيه. قال أبو عبد اللّه الحافظ: قال الشيخ أبو بكر، أحمد بن إسحاق: فأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن فضل كلام اللّه على سائر الكلام كفضله على خلقه. وكان فضله لم يزل، فكذاك فضل كلامه لم يزل. قلت: ونقل إلينا عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه مرفوعا: «القرآن كلام اللّه غير مخلوق» . وروى ذلك أيضا عن معاذ بن جبل وعبد اللّه بن مسعود، وجابر ابن عبد اللّه رضي اللّه عنهم مرفوعا. ولا يصح شيء من ذلك أسانيده مظلمة لا ينبغي أن يحتج بشيء منها، ولا أن يستشهد بشيء منها. وفيما ذكرناه كفاية، وباللّه التوفيق. باب ما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين رضي اللّه عنهم في أن القرآن كلام اللّه غير مخلوق. أخبرنا أبو الحسن، علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، أنا أبو معمر الهذلي، عن شريح بن النعمان، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن نيار بن مكرم، قال: إن أبا بكر رضي اللّه عنه قاول قوما من أهل مكة على أن الروم تغلب فارس، فغلبت الروم فارس، فقرأها عليهم، فقالوا: كلامك هذا أم كلام صاحبك؟ قال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي، ولكنه كلام اللّه عز وجل . تابعه محمد بن يحيى الذهلي، عن شريح بن النعمان، إلا أنه قال: فقال رؤساء مشركي مكة: يا ابن أبي قحافة، هذا مما أتى به صاحبك؟ قال: لا، ولكنه كلام اللّه وقوله. وهذا إسناد صحيح. أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، أنا أبو عبد اللّه بن يعقوب، حدثنا أحمد بن سلمة، ومحمد بن النضر الجارودي، قالا: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود من حديث عائشة رضي اللّه عنهما زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها اللّه عز وجل . وكلهم حدثني بطائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض. وقد وعيت عن كل منهم الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضا، ذكروا أن عائشة رضي اللّه عنها قالت: ... فذكر حديث الإفك بطوله، وفيه قالت: أنا واللّه حينئذ أعلم أني بريئة، وأن اللّه يبرئني، ولكن واللّه ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم اللّه فيّ بأمر يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في النوم رؤيا يسرني اللّه (تعالى) بها. قالت: فو اللّه ما رام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل اللّه على نبيه صلى اللّه عليه وسلم، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء «١» عند الوحي، حتى إنه ليتحدر «٢» منه مثل الجمان «٣» من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه. قالت: فلما سرّي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: أبشري يا عائشة، أما اللّه فقد برأك. فقالت لي أمي: قومي إليه. قلت: واللّه لا أقوم ولا أحمد إلا اللّه الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل اللّه عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ... «٤» عشر آيات. رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن رافع، وأخرجاه من أوجه عن الزهري «٥» . أخبرنا أبو علي الروذباري، أنا أبو بكر بن داسة، حدثنا أبو داود، أنا إبراهيم بن موسى، أنا ابن أبي زائدة، عن مجالد عن عامر- يعني الشعبي- عن عامر بن شهر، قال: كنت عند النجاشي، فقرأ ابن له آية من الإنجيل فضحكت، فقال: أ تضحك من كلام اللّه عز وجل ؟ أخبرنا أحمد بن علي بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار أنا الأسفاطي- يعني العباس بن الفضل- حدثنا أبو الوليد، حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن فروة بن نوفل، قال: قال لي خباب بن الأرت- وأقبلت معه من المسجد إلى منزله- فقال لي: إن استطعت أن تقرب إلى اللّه (تعالى) فإنك لن تقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه. هذا إسناد صحيح.