عبد الوهاب الشعراني في اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر : دسوا على شيخ الإسلام مجد الدين الفيروز آبادي كتابا في الرد على أبي حنيفة وتكفيره ودفعوه إلى أبي بكر بن الخياط اليمني فأرسل يلوم مجد الدين فكتب إليه : إن كان بلغك هذا الكتاب فأحرقه فإنه افتراء علي من الأع داء وأنا من أعظم المعتقدين في أبي حنيفة وذكرت مناقبه في مجلد انتهى ومنهم أبو عبد الله الذهبي الشافعي كما قال في الكاشف في ترجمة أبي حنيفة : أفردت سيرته في جزء انتهى ومنهم أحمد بن حجر المكي الشافعي ألف الخيرات الحسان في مناقب النعمان ومنهم يوسف بن عبد الهاد الحنبلي ألف تنوير الصحيفة بمناقب أبي حنيفة ومنهم صاحب الهداية في آخر مختارات النوازل وصاحب السراجية فيها وعلي القاري المكي في طبقاته ورسائله وصاحب المشكاة في أسماء رجال المشكاة والذهبي في العبر بأخبار من غبر وغيره من تصانيفه واليافعي في مرآة الجنان وعبد الوهاب الشعراني في الميزان والإمام الغزالي في إحياء العلوم وغيرهم من أصحاب المذاهب المختلفة وأرباب المشارب المتفرقة لا يمكن عدهم وإحصاهم وأما الطاعنون عليه فلم يطعنوا إلا لشبه عرضت لخاطرهم الفاتر أو لتعصبهم الوافر وليس لهم سعة المقابلة بهؤلاء المادحين فلا يقبل كلامهم معارضا لكلام طائفة من أئمة الدين فهم في جنب هؤلاء مطعونون خامدون ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكارهون وأنا أذكر ههنا قدرا من أحواله لأن ما لا يدرك كله لا يترك أيضا بكماله أما نسبه فهو النعمان بن ثابت بن زوطي الكوفي كذا نسبه الصغاني وصاحب القاموس وذكر صاحب الكافي أنه : نعمان بن ثابت بن طاؤس بن هرمز ملك بني شيبان وقيل : إن جده زوطا من أهل كابل أو بابل كان مملوكا لبني تيم الله بن ثعلبة فأعتق فولد أبوه ثابت على الإسلام والأصح أنه من الأحرار ما وقع عليه الرق قط في جميع الأعصار كما هو منقول عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة كذا قال علي القاري وأما ولادته فقيل : سنة إحدى وستين وقيل : سنة ثمانين وهو الأشهر وقيل غير ذلك وأما طبقته فقيل : إنه من أتباع التابعين وأنه أدرك زمان الصحابة لكنه لم يلق أحدا منهم وقال جماعة : إنه لقي منهم وأخذ عنهم وهو الذي صححه علي القاري في سند الأنام شرح مسند الإمام وأثبت جماعة من المحدثين : كالخطيب وابن سعد والدارقطني والذهبي وابن حجر والولي العراقي والسيوطي وغيرهم أنه رأى أنس بن مالك رضي الله عنه لكن لم يثبت روايته فعلى هذا هو من طبقة التابعين وهو الأرجح كما حققته في رسالتي إقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة وأما مشايخه في العلم فهم كثيرون : منهم إبراهيم بن محمد بن المنتشر وإسماعيل بن عبد الملك وأبو هند الحارث بن عبد الرحمن الهمداني وحماد بن سليمان وخالد بن علقمة وربيعة بن أبي عبد الرحمن وزياد بن علاقة وسعيد بن مسروق الثوري وسلمة بن كهيل وسماك بن حرب وشداد بن عبد الرحمن القشيري وشيبان بن عبد الرحمن وطاؤس بن كيسان في ما قيل وعبد الله بن دينار وعبد الكريم بن أبي أمية البصري وعطاء بن أبي رباح وعطاء بن السائب وعكرمة مولى ابن عباس ونافع مولى ابن عمر وعلقمة بن مرثد وعون بن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وقابوس بن أبي ظبيان وقتادة بن دعامة ومحمد بن السائب النكبي وأبو جعفر محمد بن علي ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري وهشام بن عروة وأبو سعيد مولى ابن عباس وغيرهم مما ذكره الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيب الكمال وأما الرواة عنه فذكر المزي كثيرين : منهم إبراهيم بن طهمان والأبيض بن الأغر وشعيب بن إسحاق الدمشقي وأبو عاصم الضحاك بن مخلد وعامر بن فرات وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن يزيد المقري وعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني وعبد الرزاق بن همام وعبد العزيز بن أبي رواد وعبد الوارث بن سعيد وعبيد الله بن يزيد القرشي وعبيد الله بن عمرو الرقي وعلي بن أبي ظبيان الكوفي والفضل بن دكين ومكي بن إبراهيم البلخي وقد بسط السيوطي في تبييض الصحيفة وعلي القاري في طبقاته ذكر مشايخه وتلامذه بسطا حسنا فليطالع وذكر الكفوي من تلامذته جماعة : منهم أبو يوسف ومحمد وزفر المتوفى سنة ثمان وخمسين ومائة والحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي المتوفى في السنة التي مات فيها الإمام الشافعي وهي سنة أربع ومائتين ووكيع بن الجراح المتوفى بعد سنة سبع وتسعين ومائة وحفص بن غياث النخعي الكوفي المتوفى سنة أربع وتسعين ومائة وأسد بن عمرو البجلي المتوفى سنة ثمان وثمانين ومائة وأبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي وأبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي ويوسف بن خالد السمتي المتوفى سنة تسع وثمانين ومائة وحماد بن أبي حنيفة وغيرهم وأما ثناء الناس له فروى الخطيب البغدادي عن عبد الله بن المبارك قال : لو لا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان الثوري لكنت كسائر الناس وروى عن الشافعي قال : قيل لمالك : هل رأيت أبا حنيفة ؟ قال : نعم رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته وروى عن روح بن عبادة قال : كنت عند ابن جريج سنة خمسين ومائة وأتاه موت أبي حنيفة فاسترجع وقال : أي علم ذهب وروى عن يزيد بن هارون أنه سئل أيهما أفقه : أبو حنيفة وسفيان ؟ قال : سفيان أحفظ للحديث وأبو حنيفة أفقه وروى عن محمد بن بشر : كنت أختلف إلى أبي حنيفة وسفيان فآتي أبا حنيفة فيقول لي : من أين جئت ؟ فأقول : من عند سفيان فيقول : لقد جئت من عند رجل لو أن علقمة والأسود حضرا لاحتاجا مثله وآتي سفيان فيقول : من أين جئت ؟ فأقول : من عند أبي حنيفة فيقول : لقد جئت من عند أفقه أهل الأرض وروى عن محمد بن سعد الكاتب قال : سمعت عبد الله بن داود الجويني يقول : يجب على أهل الإسلام أن يدعوا لأبي حنيفة في صلاتهم وذكر حفظه عليهم السنن والآثار وروى عن محمد بن أحمد البلخي قال : سمعت شداد بن حكيم يقول : ما رأيت أعلم من أبي حنيفة وروى عن إسماعيل بن محمد الفارسي قال : سمعت مكي بن إبراهيم ذكر أبا حنيفة فقال : كان أعلم أهل الأرض في زمانه وروى عن يحيى بن معين قال : سمعت يحى بن سعيد القطان يقول : ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة وقد أخذنا بأكثر أقواله وروى عن حرملة قال : سمعت الشافعي يقول : من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة وروى عن حماد بن يونس قال : سمعت أسد بن عمرو قال : صلى أبو حنيفة في ما أحفظ عليه صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة وكان عامة الليل يقرأ جميع القرآن في ركعة وكان يسمع بكاءه في الليل حتى يرحمه جيرانه وروى عن أبي يوسف قال : بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة وسمع رجلا يقول له : هذا أبو حنيفة لا ينام الليل فقال أبو حنيفة : سبحان الله ! والله لا يتحدث الناس بما لا أفعل فكان يحيي الليل كله صلاة ودعاء وتضرعا وروى عن يزيد بن هارون قال : أدركت الناس فما رأيت أحدا أعقل ولا أورع من أبي حنيفة وروى عن عبد العزيز بن رواد قال : الناس في أبي حنيفة رجلان : جاهل به وحاسد وروى عن محمد بن حفص عن الحسن عن سليمان أنه قال في تفسير حديث : [ لا تقوم الساعة حتى يظهر العلم ] قال : علم أبي حيفة وروى عن ابن المبارك قال : قلت للثوري : يا أبا عبد الله ما أبعد أبا حنيفة ما سمعته يغتاب عدوا له قال : هو والله أعقل من أن يسلط أحدا على حسناته يذهب بها هذا ما أورده السيوطي مع أقوال كثيرة أخر لا يتحملها هذا المختصر وقد أوردت أخبار تعبده في رسالتي إقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة فلتراجع وأما اتباعه للأحاديث والآثار خلاف ما يظنه الظانون أنه يقيس على خلاف الحديث فيدل عليه على ما أورده السيوطي عن الخطيب أنه أخرج عن أبي حمزة اليشكري قال : سمعت أبا حنيفة يقول : إذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم نذهب عنه إلى غيره وأخذنا به وإذا جاء عن الصحابة تخيرنا وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم وأخرج أيضا عن ابن المبارك قال : قال أبو حنيفة : إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فعلى الرأس والعين وإذا كان عن الصحابة اخترنا من قولهم وإذا كان عن التابعين زاحمناهم وفي الميزان لعبد الوهاب الشعراني : قد أطال الإمام أبو جعفر الكلام في تبرئة أبي حنيفة من القياس بغير ضرورة ورد على من نسب إلى الإمام تقديم القياس على النص وقال : إنما الرواية الصحيحة عنه تقديم الحديث ثم الآثار ثم يقيس بعد ذلك ولا خصوصية للإمام في القياس بشرطه المذكور بل جميع العلماء يقيسون في مذائق الأحوال إذا لم يجدوا في المسئلة نصا انتهى وفيه أيضا : اعتقادنا واعتقاد كل مصنف في أبي حنيفة أنه لو عاش حتى دونت أحاديث الشريعة وبعد رحيل الحفاظ في جمعها من البلاد والثغور وظفر بها لأخذ بها وترك كل قياس كان قاسه وكان القياس قل في مذهبه كما قل في مذهب غيره لكن لما كانت أدلة الشريعة متفرقة في عصره مع التابعين وتبع التابعين في المدائن والقرى كثر القياس في مذهبه بالنسبة إلىغيره من الأئمة ضرورة لعدم وجود النص في تلك المسائل التي قاس فيها بخلاف غيره من الأئمة انتهى أقول : تفرق الناس من قديم الزمان إلى هذا الأوان في هذا الباب إلى الفرقتين : فطائفة قد تعصبوا في الحنفية تعصبا شديدا والتزموا بما في الفتاوى التزاما سديدا وإن وجدوا حديثا صحيحا أو أثرا صريحا على خلافه وزعموا أنه لو كان هذا الحديث صحيحا لأخذ به صاحب المذهب ولم يحكم بخلافه وهذا جهل منهم بما روته الثقات عن أبي حنيفة من تقديم الأحاديث والآثار على أقواله الشريفة فترك ما خالف الحديث الصحيح رأي سديد وهو عين تقليد الإمام لا ترك التقليد وطائفة زعموا أن الإمام قاس على خلاف الأخبار وهجر ما ورد به الشرع والآثار فظنوا في حقه ظنونا سيئة واعتقدوا عقائد قبيحة ومطالعة الميزان لهم نافع ولأوها مهم دافع فليتخذ العاقل مسلك البين ويهجر طريق الطائفتين وأما وفاته فكانت سنة خمسين ومائة وهي السنة التي ولد فيها الشافعي فكره النووي وغيره * * *