قَعَدَ لِلْغَائِطِ , فِي مَكَانٍ لَيْسَ فِيهِ أَحْجَارٌ لِقَوْلِهِ: لِعَبْدِ اللهِ «نَاوِلْنِي ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ» . وَلَوْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ , لَمَا احْتَاجَ إِلَى أَنْ يُنَاوِلَهُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ. فَلَمَّا أَتَاهُ عَبْدُ اللهِ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ , فَأَلْقَى الرَّوْثَةَ , وَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ , دَلَّ ذَلِكَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ الْحَجَرَيْنِ , وَعَلَى أَنَّهُ قَدْ رَأَى أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ بِهِمَا يُجْزِئُ مِمَّا يُجْزِئُ مِنْهُ الِاسْتِجْمَارُ بِالثَّلَاثِ. لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَا يُجْزِئُ الِاسْتِجْمَارُ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ , لَمَا اكْتَفَى بِالْحَجَرَيْنِ وَلَأَمَرَ عَبْدَ اللهِ أَنْ يَبْغِيَهُ ثَالِثًا. فَفِي تَرْكِهِ ذَلِكَ , دَلِيلٌ عَلَى اكْتِفَائِهِ بِالْحَجَرَيْنِ فَهَذَا وَجْهُ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ تَصْحِيحِ مَعَانِي الْآثَارِ. وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ فَإِنَّا رَأَيْنَا الْغَائِطَ وَالْبَوْلَ إِذَا غُسِلَا بِالْمَاءِ مَرَّةً , فَذَهَبَ بِذَلِكَ أَثَرُهُمَا أَوْ رِيحُهُمَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ أَنَّ مَكَانَهُمَا قَدْ طَهُرَ. وَلَوْ لَمْ يَذْهَبْ بِذَلِكَ لَوْنُهُمَا وَلَا رِيحُهُمَا , احْتِيجَ إِلَى غُسْلِهِ ثَانِيَةً. فَإِنْ غُسِلَ ثَانِيَةً فَذَهَبَ لَوْنُهُمَا وَرِيحُهُمَا , طَهُرَ بِذَلِكَ , كَمَا يَطْهُرُ بِالْوَاحِدَةِ. - [١٢٣] - وَلَوْ لَمْ يَذْهَبْ لَوْنُهُمَا وَلَا رِيحُهُمَا يُغْسَلُ مَرَّتَيْنِ , احْتِيجَ إِلَى أَنْ يُغْسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى يَذْهَبَ لَوْنُهُمَا وَرِيحُهُمَا. فَكَانَ مَا يُرَادُ فِي غَسْلِهِمَا هُوَ ذَهَابُهُمَا بِمَا أَذْهَبَهُمَا , مِنَ الْغُسْلِ , وَلَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ مِقْدَارٌ مِنَ الْغُسْلِ مَعْلُومٌ لَا يُجْزِئُ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ. فَالنَّظَرُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ الِاسْتِجْمَارُ بِالْحِجَارَةِ , لَا يُرَادُ مِنَ الْحِجَارَةِ فِي ذَلِكَ مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ لَا يُجْزِئُ الِاسْتِجْمَارُ بِأَقَلَّ مِنْهُ , وَلَكِنْ يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَذْهَبَ بِالنَّجَاسَةِ , مِمَّا قَلَّ أَوْ كَثُرَ. وَهَذَا هُوَ النَّظَرُ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى