٥٢٢٣ - حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق … فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: ثم قال: "الوسق، والوسقين، والثلاثة، والأربعة" ولم يذكر قوله: "في كل عشرة" (¬١). قال أبو جعفر: فقد جاءت هذه الآثار عن رسول الله ﷺ وتواترت في الرخصة في بيع العرايا، فقبلها أهل العلم جميعًا، ولم يختلفوا في صحة مجيئها، وتنازعوا في تأويلها. فقال قوم (¬٢): العرايا أن يكون الرجل له النخلة أو النخلتان في وسط النخل الكثير لرجل آخر. وقد كان أهل المدينة إذا كان وقت الثمار خرجوا بأهليهم إلى حوائطهم، فيجي صاحب النخلة أو النخلتين بأهله، فيضر ذلك بصاحب النخل الكثير. فرخص رسول الله ﷺ لصاحب النخل الكثير أن يعطي صاحب النخلة أو النخلتين بخرص ما له من ذلك تمرًا، لينصرف هو وأهله عنه، ويخلص تمر الحائط كله لصاحب النخل الكثير، فيكون فيه هو وأهله. وقد روي هذا القول عن مالك بن أنس ﵀. وكان أبو حنيفة ﵀ يقول - فيما سمعت أحمد بن أبي عمران يذكر - أنه سمع محمد بن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة قال: معنى ذلك عندنا أن يعري الرجلُ الرجلَ ثمر نخلة من نخله، فلا يسلم ذلك إليه حتى يبدو له، فرخص له أن يحبس ذلك، ويعطيه مكانه خرصه تمرًا. وكان هذا التأويل أشبه وأولى مما قال مالك، لأن العرية إنما هي العطية. ألا ترى أن الذي مدح الأنصار كيف مدحهم إذ يقول: ليستْ بسَنْهاء ولا رُجبيَّة … ولكن عرايا في السِّنين الجَوائح أي: أنهم كانوا يعرونها في السنين الجوائح. فلو كانت العرية كما ذهب إليه مالك إذا لما كانوا ممدوحين بها إذ كانوا يعطَون كما يعطون، ولكن العرية بخلاف ذلك. فإن قال قائل: فقد ذكر في حديث زيد بن ثابت ﵁، أن رسول الله ﷺ "نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في العرايا"، فصارت العرايا في هذا الحديث أيضًا بيع ثمر بتمر، قيل له: ليس في هذا الحديث من ذلك شيء، إنما فيه ذكر الرخصة في العرايا مع ذكر النهي عن بيع الثمر بالتمر، وقد يقرن الشيء بالشيء وحكمها مختلف. فإن قال قائل: فقد ذكر التوقيف في حديث أبي هريرة ﵁ على خمسة أوسق، وفي ذكره ذلك ما ينفي أن يكون حكم ما هو أكثر من ذلك كحكمه. قيل له: ما فيه ما ينفي شيئًا مما ذكرت، وإنما يكون ذلك كذلك لو قال رسول الله ﷺ: لا تكون العرية إلا في خمسة أوسق، أو فيها دون خمسة أوسق.