٤٧٠٦ - قالت: أول ما بُدِيءَ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنّث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: "ما أنا بقارئ" قال: "فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأ كرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة"، فقال: "زملوني زملوني" فزملوه حنى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة، وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي" فقالت خديجة: كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا: إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل -ابن عم خديجة- فقالت له: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك، ف قال رسول الله ﷺ "أو مخرجي هم؟ "، قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، كان يدركني يومك، أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي، حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا حزنًا، غدا منه مرارًا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذِروة جبل لكي يلقي نفسه منه، تبدّى له جبريل، فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه. قلت: هذا الحديث من أوله إلى قوله "نصرًا مؤزرًا" رواه الشيخان: البخاري (١) في أول الكتاب، وفيه "ثم لم ينشب ورقة إلى أن توفي وفتر الوحي" ومسلم في كتاب الإيمان، وأعاده البخاري في الرؤيا وزاد في آخره "وفتر الوحي، حتى حزن النبي ﷺ" إلى آخر الحديث، وهذا الحديث من مراسيل الصحابة، فإن عائشة ﵂ لم تدرك هذه القصة فتكون سمعتها من النبي ﷺ أو من صحابي، ومراسيل الصحابة حجة عند جميع العلماء إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني. قولها "من" الوحي في "من" قولان أحدهما: أنها لبيان الجنس. والثاني: للتبعيض (٢). وفلق الصبح: بفتح الفاء واللام ضياؤه. والخلاء: بالخاء المعجمة ممدودة هي الخلوة وهي شأن الصالحين. قال الخطابي (٣): حبب إليه العزلة ﷺ لأن معها فراغ القلب وهي معينة على التفكر وبها تنقطع مألوفات النفس ويتخشع قلبه. والغار: الكهف في الجبل. وحراء: بكسر الحاء وتخفيف الراء وبالمد مصروف مذكر على الصحيح. وحكي فيه التأنيث فمن ذكره صَرَفه ومن أنثه لم يصرفه، وحكى بعضهم فيه فتح الحاء والقصر وهو ضعيف. والتحنث: بالحاء المهملة والنون والمثلثة التعبد وأصل الحنث: الإثم فمعنى يتحنث: يجتنب الإثم (٤).