ص ٦٢ · ١٤ / ٢٦
وَقد أَشَارَ النَّبِي ﷺ إِلَى ذَلِك فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ بِسَنَدِهِ عَن ابْن الشهَاب قَالَ: قَالَ حميد بن عبد الرَّحْمَن، سَمِعت مُعَاوِيَة خَطِيبًا يَقُول: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: "من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين، وَإِنَّمَا أَنا قَاسم والله يعْطى، وَلنْ تزَال هَذِه الْأمة قَائِمَة على أَمر الله لَا يضرهم من خالفهم حَتَّى يَأْتِي أَمر الله.." وتسابق الصَّحَابَة فِي أَخذ مَا يرد عَن النَّبِي ﷺ ووعوه وأتقنوه ففقهوا فِي الدّين وَعَلمُوا أَمر الله وَنَهْيه وَمرَاده- بمعاينة رَسُول الله ﷺ ومشاهدتهم مِنْهُ تَفْسِير الْكتاب وتلقفهم مِنْهُ واستنباطهم عَنهُ. فشرفهم الله بِمَا منّ عَلَيْهِم وَأكْرمهمْ بِهِ من وَضعه إيَّاهُم مَوضِع الْقدْوَة فنفى عَنْهُم الشَّك وَالْكذب والغلط والريبة والغمز، وَسَمَّاهُمْ عدُول الْأمة، فَقَالَ ﷿ فِي كِتَابه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ففسر النَّبِي ﷺ عَن الله عز ذكره قَوْله: ﴿وَسَطاً﴾ قَالَ: "عدلا.." فَكَانُوا عدُول الْأمة، وأئمة الْهدى وحجج الدّين ونقلة الْكتاب وَالسّنة، وسندهم عَال فَلَيْسَ بَينهم وَبَين الله إِلَّا واسطتان النَّبِي وَجِبْرِيل ﵉. وَقد قَالَ قَائِل: فَكيف جرحتم من بعد الصَّحَابَة؟ كَمَا ظهر ذَلِك من عناية أَئِمَّة الحَدِيث بِحِفْظ السّنَن على الْمُسلمين وذب الْكَذِب عَن رَسُول رب الْعَالمين، ولولاهم لتغبرت الْأَحْكَام عَن سنتها حَتَّى لَا يعرف أحد صحيحها من سقيمها والملزق بِالنَّبِيِّ ﷺ والموضوع عَلَيْهِ مِمَّا روى عَنهُ الثقاة وَالْأَئِمَّة فِي الدّين، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ جرحتم من دون الصَّحَابَة وَأَبَيْتُمْ ذَلِك فِي الصَّحَابَة والسهو قد يَقع مِنْهُم كَمَا وجد فِيمَن بعدهمْ من الْمُحدثين؟ يُقَال لَهُ: إِن الله نزه أقدار أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ عَن ثلب قَادِح، وصان أقدارهم عَن وقيعة متنقص، وجعلهم كَالنُّجُومِ يقْتَدى بهم. وَقد قَالَ الله: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ثمَّ قَالَ: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ فَمن أخبر الله أَنه لَا يخزيه يَوْم الْقِيَامَة فقد شهد لَهُ باتباعه مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا لَا يجوز أَن يجرح بِالْكَذِبِ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل أَن يَقُول الله: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ ثمَّ يَقُول النَّبِي ﷺ: "من كذب على مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار " فيطلق النَّبِي ﷺ إِيجَاب النَّار لمن أخبر الله أَنه لَا يخزيه يَوْم الْقِيَامَة، بل الْخطاب وَقع على من بعد الصَّحَابَة. وَأما من شهد التَّنْزِيل، وَصَحب الرَّسُول ﷺ فالثلب لَهُم غير حَلَال، والقدح فيهم ضد الْإِيمَان والتنقيص لأَحَدهم نفس النِّفَاق، لأَنهم خير النَّاس قرنا بعد رَسُول الله ﷺ بِحكم من لَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى ﷺ. وَأَن من تولى رَسُول الله ﷺ إيداعهم مَا ولاه الله بَيَانه للنَّاس لَا يجرح، لِأَن رَسُول الله ﷺ لم يودع أَصْحَابه الرسَالَة وَأمرهمْ أَن يبلغ الشَّاهِد الْغَائِب إِلَّا وهم عِنْده صَادِقُونَ جائزوا الشَّهَادَة، وَلَو لم يَكُونُوا كَذَلِك لم يَأْمُرهُم بتبليغ من بعدهمْ مَا شهدُوا مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ فِيهِ قدحا فِي الرسَالَة، وَكفى بِمن عدله رَسُول الله ﷺ شرفا، وَأَن من بعد الصَّحَابَة لَيْسُوا فِي مرتبهم. وَالصَّحَابَة ندب الله ﷿ إِلَى التَّمَسُّك بهديهم والجري على منهاجهم، والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ ١. وَثَبت أَن النَّبِي ﷺ قد حض على التَّبْلِيغ عَنهُ فِي أَخْبَار كَثِيرَة ووجدناه يُخَاطب أَصْحَابه فِيهَا، مِنْهَا أَن دَعَا لَهُم فَقَالَ: "نضر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها حَتَّى يبلغهَا غَيره". وَفِي رِوَايَة زيد بن ثَابت أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "نضر الله امْرأ سمع منا حَدِيثا فحفظه وبلغه غَيره، فَرب حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه"، وَفِي رِوَايَة، "وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ ثَلَاث لَا يضل عَلَيْهِنَّ قلب مُسلم: إخلاص الْعَمَل لله، ومناصحة وُلَاة الْأَمر، وَلُزُوم الْجَمَاعَة فان دعوتهم تحيط من ورائهم" وَغير ذَلِك.
١ سُورَة النِّسَاء آيَة (١١٥)