ص ٧٤ · ٢٣ / ٣٦
مرضي عنه - وكل من طرفي المباح مرضي عنه - ويستحيل أن يفعل الرَّسُولُ ﷺ فِعْلاً لاَ يَرْضَى عَنْهُ اللهُ، ثم يتركه اللهُ دون توجيه لما يرضيه، وبعبارة أخرى: كل فعل من أفعاله ﷺ إما أن يكون مُوَافِقًا لِمَا شَرَّعَهُ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا أَوْ إِبَاحَةً وَحِينَئِذٍ ينزل جبريل ﵇، وَيُقِرُّهُ صَرَاحَةً، أو يسكت عنه، فيكون إِقْرَارًا سُكُوتِيًا، ويكون شَرْعًا للمسلمين، حيث لم يعدل هذا الحكم حتى لحق الرسول ﷺ بربه، لأنه تعالى أمرهم أن يقتدوا به ﷺ في أفعاله ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٧٥). وإما أن يكون غير موافق لما شرعه اللهُ للمسلمين، فيستحيل سكوت الله عليه ويعدل قَطْعًا بوسيلة من الوسائل، بالإلهام، أو بالمنام، أو بالاجتهاد، أو بالوحي الصريح. سواء في ذلك الفعل الذي صدر منه ﷺ بالإلهام، أو بالاجتهاد، أو حتى بالطبيعة وَالجِبِلَّةِ أو العادة وَالعُرْفِ. وكان الصحابة ﵃ يؤمنون بذلك، لبس نعله في الصلاة فلبسوا نعالهم، فلما خلع نعله - لسبب لا يعلمونه - خلعوا نعالهم، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ قَالَ لَهُمْ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟»، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ، فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا. قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا - أَوْ قَالَ: أَذًى» (٧٦). ونزل ﷺ ضيفًا على أبي أيوب الأنصاري فتكلفوا له طعامًا، فيه بعض البقول (الثوم) فكره أكله، أكل من غيره، ولم يمد يده إليه فلم يمدوا إليه أيديهم، فقال لأصحابه: «كُلُوا، فَإِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ أُوذِيَ صَاحِبِي» (٧٧). ودخل خالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ على ميمونة بنت الحارث الهلالية زوجة رَسُولِ اللهِ ﷺ وهي خالة خالد، وخالة ابن عباس ﵃ فوجد عندها ضَبًّا (٧٨) مَحْنُوذًا - أَيْ مَشْوِيًّا - قدمت به أختها حُفَيْدَةَ بِنْتَ الحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتْ الضَبَّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطَعَامٍ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ، وَيُسَمَّى لَهُ، فأهوى رَسُولُ اللهِ ﷺ يده إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا قَدَّمْتُهُنَّ لَهُ. هُوَ الضَبُّ يَا رَسُولَ اللهِ. فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَنْ الضَبِّ فَلَمْ يَمُدَّ خالد بن الوليد يده، وقال: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: «لاَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ
(٧٥) [سورة الأحزاب، الآية: ٢١]. (٧٦) أخرجه أبو داود [" السنن "]- كتاب الصلاة - باب الصلاة في النعل (٧٧) اللفظ لابن خزيمة وابن حبان - وأصله في " البخاري ". (٧٨) الضب حيوان جَبَلِيٌّ يكثر في البلاد العربية من جنس الزواحف، غليظ الجسم خشنه، وله ذنب عريض حرش أعقد. (" المعجم الوسيط ") يشبه ما يعرف في بعض البلاد (بالسحلية الكبيرة).