← السنة كلها تشريع - موسى شاهين لاشين

ص ٧١ · ٢٠ / ٣٦

عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٦٧) لقد اشتبه على المخالف أن كل تشريع يطلب الاقتداء به، فظن أنه لا يطلب الاقتداء به ﷺ، في غضبه، فلا تشريع في هذا الفعل منه ﷺ، وليس الأمر كما ظن، فالتشريع هنا أن الغضب عند البشر غير مقدور عليه، وغير مكتسب، وإنما هو انفعال لا يدخل تحت الإرادة، وهو معفو عنه - إِنْ شَاءَ اللهُ - في الحدود غير المقدور عليها، فإذا غضب مسلم بعد إثارة فقلت له: لا تغضب؟ قال لك رسول الله ﷺ غضب، فإذا صدر عنه وهو غاضب ما لا يصدر عنه في حال الرضا فقلت له: لِمَ لَمْ تسيطر على أعصابك؟ ولم صدر منك مثل هذا؟ قال لك: صدر من رسول الله ﷺ وهو غاضب ما لا يصدر عنه في حال الرضا. فالتشريع في التماس العذر، ورجاء عفو الله عما صدر في حال الغضب، وبخاصة إذا عالج الآثار المترتبة عليه، بأن يدعو بخير لمن دعا عليه بشر، وأن يعوضه بنفع عما أصابه من ضُرٍّ، وأن يطلب السماح والصفح ممن أساء إليه. إن الله تعالى أراد لرسوله ﷺ أن يغضب، وأن يأتي بأمور تقع من ابن آدم حين يغضب، ويمسك عن أمور ينبغي أن يمسك عنها المسلم حين يغضب، لِيُعَّلِّمَ الأُمَّةَ حُدُودَ ما يعفى عنه وما لا يعفى عنه، ولِيُعَّلِّمَ الأُمَّةَ علاج آثار الغضب. كما أراد لرسوله ﷺ أَنْ يَنْسَى، وَأَنْ يَنْسَى فِي الصَّلاَةِ، فَيُسَلِّمَ من ثِنْتَيْنِ فِي صَلاَةٍ رُبَاعِيَّةٍ، ليقول: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» (٦٨). ثم يعلمنا أحكام النسيان في الصلاة. إِنَّ أُمُورًا كثيرة غير مكتسبة تقع للأنبياء بحكم بشريتهم، لتتدخل الشريعة برسم الحدود الجائزة، والحدود الممنوعة. الحزن مثلاً عند المصيبة، يموت لرسول الله ﷺ ابنه إبراهيم ﵇، فيحزن، ويبكي، وتدمع عيناه، بل يجري دمعهما، فَيَقُولُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَبْكِي، أَوَ لَمْ تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ؟ فَيَقُولُ ﷺ: «إِنَّمَا هَذَا رَحْمَةٌ» رِقَّةُ قَلْبٍ «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ»، «إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نَغَمَةِ لَهْوٍ وَلَعِبٍ وَمَزَامِيرِ الشَيْطَانٍ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، وَخَمْشِ وُجُوهٍ، وَشَقِّ جُيُوبٍ، وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ»، «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَلاَ نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ» (٦٩).

الحاشية

(٦٧) [سورة التوبة، الآية: ١٢٨]. (٦٨) أصله في " البخاري " و " مسلم ". كاب السهو في الصلاة. (٦٩) أصله في " البخاري ". كتاب الجنائز. وانظر " فتح البارى ": ٣/ ٢٠٨.

الصفحة السابقة →← الصفحة التالية