← الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار

ص ٢٠٣ · ٢٠٣ / ٢٤٤

وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ. وَالرَّجْمُ أَوَّلُ مَا نَزَلَ، فَنَسَخَ بِهِ الْحَبْسَ وَالْأَذَى عَنِ الزَّانِيَيْنِ، فَلَمَّا رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَاعِزًا وَلَمْ يَجْلِدْهُ، وَأَمَرَ أُنَيْسًا أَنْ يَغْدُوَ عَلَى امْرَأَةِ الْأَسْلَمِيِّ، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا، دَلَّ عَلَى نَسْخِ جَلْدِ الزَّانِيَيْنِ الْحُرَّيْنِ الثَّيِّبَيْنِ، وَثَبَتَ الرَّجْمُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَبَدًا بَعْدَ أَوَّلٍ فَهُوَ آخِرٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْأَحْرَارِ فِي الزِّنَا فَرْقٌ إِلَّا بِالْإِحْصَانِ بِالنِّكَاحِ، وَخِلَافُ الْإِحْصَانِ بِهِ، وَإِذَا كَانَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَوَّلُ مَا نُسِخَ الْحَبْسُ عَنِ الزَّانِيَيْنِ وَحُدَّا بَعْدَ الْحَبْسِ، وَإِنَّ كُلَّ حَدٍّ حُدَّهُ الزَّانِيَانِ فَلَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ هَذَا، إِذَا كَانَ هَذَا أَوَّلَ حَدِّ الزَّانِيَيْنِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الْآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُهُمَا -: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَائْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ. قَالَ: تَكَلَّمْ. قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَا بِامْرَأَتِهِ، فَأُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ؛ أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ إِلَيْكَ. وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا، وَأَمَرَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَثَبَتَ جَلْدُ مِائَةٍ وَالنَّفْيُ عَلَى الْبِكْرَيْنِ الزَّانِيَيْنِ، وَالرَّجْمُ عَلَى الثَّيِّبَيْنِ الزَّانِيَيْنِ، فَإِنْ كَانَا مِمَّنْ أُرِيدَا بِالْجَلْدِ فَقَدْ نُسِخَ عَنْهُمَا الْجَلْدُ مَعَ الرَّجْمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا أُرِيدَا بِالْجَلْدِ وَأُرِيدَ بِهِ الْبِكْرَانِ فَهُمَا مُخَالِفَانِ لِلثَّيِّبَيْنِ، وَرَجَمَ الثَّيِّبَيْنِ بَعْدَ آيَةِ

الصفحة السابقة →← الصفحة التالية
الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار — علوم الحديث · Hadith Research Library