ص ٣٠٧ · ٣٠٠ / ٥٢٤
فهذا الحَدِيْث يختلف عن الحَدِيْث الأول مِمَّا دعى بَعْض العُلَمَاء إلى الحكم عليه بالاضطراب، قَالَ الإِمَام التِّرْمِذِي: ((ضعف بَعْض أهل العِلْم حَدِيث عَمَّار عن النَّبيّ ﷺ في التيمم للوجه والكفين لما روي عَنْهُ حَدِيث المناكب والآباط)) (١). وَقَالَ ابن عَبْد البر: ((كُلّ مَا يروى في هَذَا الباب فمضطرب مختلف فِيهِ)) (٢). إلا أن بَعْض العُلَمَاء حاولوا أن يوفقوا بَيْنَ الحَدِيْث الأول والثَّانِي باعتبار التقدم والتأخر، وباعتبار أن الأول من فعلهم دُوْنَ النَّبيّ ﷺ. قَالَ الأثرم: ((إِنَّمَا حكى فِيهِ فعلهم دُوْنَ النَّبيّ ﷺ كَمَا حكى في الآخر أَنَّهُ أجنب؛ فعلّمه ﵊) (٣). وَقَالَ ابن حبان: ((كَانَ هَذَا حَيث نزل آية التيمم قَبْلَ تعليم النَّبيّ ﷺ عماراً كَيْفِيَّة التيمم ثُمَّ علمه ضربة وَاحِدَة للوجه والكفين لما سأل عمارٌ النبيَّ ﷺ عن التيمم)) (٤). وذهب الحنفية إلى ترجيح روايته إلى المرفقين لحديثين أحدهما حَدِيث أبي أمامة الباهلي وحَدِيث الأسلع (٥). وَقَالَ البَغَوِيّ: ((وما روي عن عَمَّار أَنَّهُ قَالَ: تيممنا إلى المناكب، فَهُوَ حكاية فعله، لَمْ ينقله عن رَسُوْل الله ﷺ كَمَا حكى عن نَفْسه التمعك في حالة الجنابة، فلما سأل النَّبيّ ﷺ وأمره بالوجه والكفين انتهى إليه، وأعرض عن فعله)) (٦). قُلْتُ: وما ذكر من توجيه عَلَى هَذَا النحو يشكل عَلَيْهِ أَنَّهُ ورد في الحَدِيْث الأول: ((فقام المسلمون مَعَ رَسُوْل الله فضربوا بأيديهم ...)).
لهذين الحديثين السابقين أثر في الفقه الاسلامي، فَقَدْ بنيت عَلَيْهما اجتهادات وأبين ذَلِكَ في مسألتين للفقهاء، وسأبين ذَلِكَ في مسألتين:
اختلف الفُقَهَاء ﵏ في عدد ضربات التيمم عَلَى قولين:
= والدَّارَقُطْنِيّ ١/ ١٨٣، وأبو نُعَيْم في المستخرج (٨١١)، والبَيْهَقِيّ ١/ ٢٠٩ و ٢١٠، والبَغَوِيّ (٣٠٨) من طرق عن عَمَّار. (١) جامع التِّرْمِذِي عقب حَدِيث (١٤٤). (٢) التمهيد ١٩/ ٢٨٧. (٣) نصب الراية ١/ ١٥٦ (٤) الإحسان عقب حَدِيث (١٣٠٧) وط الرسالة (١٣١٠). (٥) المبسوط ١/ ١٠٧، وحديث أبي أمامة والأسلع سيأتي تخريجها في أدلة الحنفية. (٦) شرح السُّنَّة ٢/ ١١٤ عقب (٣٠٩).