← أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء

ص ١١٥ · ١١٢ / ٥٢٤

أقول: إن اجتماع هَذِهِ الكثرة الكاثرة عَلَى خلاف حَدِيْث أبي قيس ريبةٌ قويةٌ تجعل الناقد يجزم بخطأ أبي قيس؛ فعلى هَذَا فإن رِوَايَة أبي قيس معلولة بتفرده الشديد. قَالَ المباركفوري: ((الناس كلهم رووا عن المغيرة بلفظ: ((مسح عَلَى الخفين)) وأبو قيس يخالفهم جميعاً)) (١). وَقَدْ تكلف الشيخ أحمد شاكر فذكر إنهما واقعتان (٢)، وَهُوَ بعيد إِذْ إنهما لَوْ كانا واقعتين لرواه جمع عن المغيرة كَمَا روي عَنْهُ المسح عَلَى الخفين. ومما يقوي الجزم بإعلال حَدِيْث أبي قيس بالتفرد أنه لَمْ يرد مرفوعاً بأحاديث توازي أحاديث المسح عَلَى الخفين، فسيأتي إنه لَمْ يرد إلا من حَدِيْث أبي موسى وثوبان وبلال، وفي كُلّ واحد مِنْهَا مقال. أما أحاديث المسح عَلَى الخفين فهو متواتر عن النَّبِيّ ﷺ وَقَدْ رَوَاهُ عن النَّبِيّ ﷺ أكثر من ستة وستين نفساً ذكرهم الكتاني (٣). وَقَدْ أسند ابن المنذر (٤) إلى الحسن البصري قَالَ: ((حَدَّثَنِي سبعون من أصحاب النَّبِيّ ﷺ أنه ﵇: مسح عَلَى الخفين)) (٥).

الحاشية

(١) تحفة الأحوذي ١/ ٣٣١. (٢) المسح عَلَى الجوربين: ١٠. (٣) في نظم المتناثر ٧١ - ٧٢. (٤) في الأوسط ١/ ٤٣٣ (ث ٤٥٧)، ونقله عن الحسن ابن حجر في فتح الباري ١/ ٣٠٦، والزرقاني في شرحه ١/ ١١٣. (٥) بقي هناك حَدِيْث يراه غَيْر المتأمل متابعاً لحديث أبي قيس، وَهُوَ ما رَوَاهُ أبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه: ١٦٣ (٣٢٧) قَالَ: ((حَدَّثَنَا عَبْد الرحمان بن مُحَمَّد بن الحسين بن مرداس الواسطي أبو بكر، من حفظه إملاءً. قَالَ: سَمِعْتُ أحمد بن سنان، يقول: سَمِعْتُ عَبْد الرحمان بن مهدي، يقول: عندي عن المغيرة بن شعبة ثلاثة عشر حديثاً في المسح عَلَى الخفين. فَقَالَ أحمد الدورقي: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية، عن فضالة بن عمرو الزهراني، عن المغيرة بن شعبة: ((أن النَّبِيّ ﷺ توضأ ومسح عَلَى الجوربين والنعلين))، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ عنده فاغتم)). وهذه الرِّوَايَة معلة لا تصح لأمور ثلاثة: الأول: شيخ الاسماعيلي لَمْ أجد مَنْ ترجمه؛ فهو في عداد المجهولين، ويظهر من خلال سياقة ترجمته أن الإسماعيلي ليس لَهُ عَلَيْهِ حكم إِذْ لَمْ يصفه بشيء بِهِ وَلَمْ يسق لَهُ سوى هَذَا الْحَدِيْث. الثاني: إن حديثه مخالف فَقَدْ رَوَاهُ الطبراني في الكبير ٢٠/ (١٠٢٩) قَالَ: ((حَدَّثَنَا إدريس بن جعفر الطيار، قَالَ: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، قَالَ: أَخْبَرَنَا داود بن أبي هند، عن أبي العالية، عن فضالة بن عمرو الزهراني، عن المغيرة بن شعبة، قَالَ: كنا مع النَّبِيّ ﷺ في مَنْزله فاتبعته فَقَالَ: ((أين تركت الناس؟)) فقلت: تركتهم بمكان كَذَا وكذا، فأناخ راحلته فنَزل، ثُمَّ ذهب فتوارى عني، فاحتبس بقدر ما يقضي الرجل حاجته، ثُمَّ جاء فَقَالَ: ((أمعك ماء؟)) قلت: نعم، فصببت عَلَى يديه =

الصفحة السابقة →← الصفحة التالية