ص ٤١ · ٣٣ / ١٩٧
(أ) تورّعهم وخشيتهم من الوقوع في الخطأ، أو الزيادة أو النقصان غير المقصود، فيقعون في الكذب على رسول الله ﷺ من حيث لا يشعرون. وما من شك في أن الإكثار من الرواية والتوسع فيها، مظنّة الوقوع في الخطأ والخطل ومخالفة الصواب. ولعلّ الصحابة كانوا يمتثلون في ذلك نهيه ﷺ عن ذلك، كما ورد في حديث أبي قَتَادَة، أنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ على المنبر يقول: «يا أيها الناس إياكم وكثرة الحديث عنّي، من قال عليّ فلا يقولنّ إلا حقاً، أو صِدْقاً، فمن قال عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» (¬١). (ب) الأمر الثاني الذي دفع الصحابة إلى الإقلال من الرواية: حتى لا يتخذ ذلك المغرضون مطيّة وذريعة للتزيّد في أحاديث النبي ﷺ، وتزييفها والدَّس فيها بحجّة الرواية. • ومن شواهد إقلال الصحابة في الرواية: ما أخرجه البخاري في صحيحه، عن عبد الله بن الزبير ﵄، قال: قلتُ للزبير: إني لا أسمعك تحدِّث عن رسول الله ﷺ كما يحدِّث فلان وفلان؟ قال: أَمَا إنّي لم أفارقه، ولكن سمعتُه يقول: «من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار». (¬٢) ومن الشواهد أيضاً: ما أخرجه مسلمٌ في مقدِّمة صحيحه، عن أنس بن مالك ﵁، أنه قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثاً كثيراً أن رسول الله ﷺ قال: «من تعمَّد عليّ كذباً، فليتبوأ مقعده من النار» (¬٣).
(¬١) رواه أحمد في "المسند" (٢٢٥٣٨)، وحسن إسناده: الألباني وشعيب الأرناؤوط. (¬٢) "صحيح البخاري» حديث: ((١٠٧). (¬٣) "صحيح مسلم" حديث: ((٢)).