← علم علل الحديث ودوره في حفظ السنة النبوية

ص ٣ · ٣ / ٨٥

الله امرأ سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مُبَلَّغٍ أوعى من سامع" (١) . فإن كان آلاف الصحابة يتعلمون منه خارج بيوته في وضح النهار وإدباره أعماله وحركاته، فمن أين لنا أن نعلم سننه وأموره ولياليه بعدما تتشرف به جدران حجراته فتستر وجوده الشريف عن أعين الناس بما يأتي به، ويذر في جنح الظلام؟ نعم، هناك أزواجه أمهات المؤمنين الكثيرات ينقلن عنه أموره الخاصة حتى مما يستحيا من ذكره، ولكنه دين الله وأمر الله لتبليغ دينه، فنجدهن ينقلن إلى أبنائهن ما كان يعمله النبي ﷺ في خلوته معهن. ثم وراء هذا يحرص أحدهم من محارم أمهات المؤمنين أن يبيت في بيت النبي ﷺ، حتى يتعلم كيف كان يقضي ﷺ ليله في عبادة ربه، ويصعد أحدهم على سطح بيت إحدى أمهات المؤمنين -وهي أخته- لبعض حاجته، فيتفق له أن يرى النبي ﷺ جالساً في الكنيف يقضي حاجته، فيروي في ذلك: "فرأيت رسول الله ﷺ مستدبراً القبلة مستقبلاً الشام" (٢) . وبذلك يجب أن نؤمن أنه لا يمكن أن تكون كلمة من النبي ﷺ ضاعت بل حفظت حفظاً تاماً. وإن بعضهم كان يعالج الشدة في حفظ السنة، فإذا اشتكى إلى النبي ﷺ نسيانه وتَفَلُّتَ محفوظه، أشكاه ﷺ بدعوته المباركة. ثم صار أصحاب رسول الله ﷺ معلمين لأصحابهم، فأدوا الأمانة إلى تابعيهم، وتابعوهم إلى تابعيهم، حتى دونت السنة تدويناً في الكتب، وحُفظت عن ظهر القلوب.

الحاشية

(١) صحيح الجامع الصغير (٦/٢٩) . (٢) انظر صحيح البخاري (١/٢٥٠) ، كتاب الوضوء، باب التبرز في البيوت.

الصفحة السابقة →← الصفحة التالية