ص ١١٨ · ١١٤ / ٥١٥
والتَّفتيشُ عنِ الإِسنادِ تفتيشٌ عنِ الرُّواةِ أيضاً منْ حيثُ العدالةِ والضَّبطِ، والقبُولِ أو الرَّدِّ، فقدْ برزَ معَ الإسنادِ علمُ الجرحِ والتَّعديلِ (¬١)، لأنَّ بهِ يتميَّزُ الرَّاوِي الثِّقةُ منْ غيرِهِ، ولا معنَى للإسنادِ إذا لمْ تتميَّز رُوَاتُهُ، قالَ التِّرمذِيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «وَقَدْ وَجَدْنَا غَيرَ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ التَّابِعِينَ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي الرِّجَالِ، منهُمُ: الحسنُ البَصرِيُّ «ت ١١٠ هـ»، وطَاوُسُ «ت ١٠٦ هـ»، وَسَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ «ت ٩٥ هـ»، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ «ت ٩٦ هـ»، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ «ت ١٠٣ هـ»» (¬٢). وكذلكَ محمَّدُ بنُ سيرينَ، قالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ»: «أَوَّلُ مَنْ زَكَّى وَجَرَحَ مِنَ التَّابِعِينَ - وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ قَبْلَهُمْ - الشَّعبِيُّ وَابنُ سِيرِينَ، حُفِظَ عَنْهُمَا تَوثِيقُ أُنَاسٍ وَتَضْعِيفُ آَخَرِينَ» (¬٣). وذكرَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ» أنَّ ابنَ سيرينَ أوَّلُ منِ انتقدَ الرِّجالَ، وميَّزَ الثِّقاتَ منْ غيرهِمْ. ونقلَ عنْ يعقوبَ بنِ شيبةَ (¬٤) «ت ٢٦٢ هـ» أنَّهُ قالَ: «قُلْتُ لِيَحْيَى بنِ معينٍ: تَعْرِفُ أَحَدَاً مِنَ التَّابِعِينَ كَانَ يَنتقِي الرِّجَالَ، كَمَا كَانَ ابنُ سِيرِينَ يَنْتَقِيهِمْ؟ فَقَالَ بِرَاسِهِ: أَي: لا» (¬٥). * * *
(¬١) وأعني بذلك ظهور علم الجرح والتعديل وبروزه لا نشأته، فقد نشأ الجرح والتعديل مع نشأة الرواية في الإسلام، وقد ورد عن النبي ﷺ جرح وتعديل في بعض الرجال، ووصلنا كثير من أقوال الصحابة ﵁ في هذا الباب، وتكلم بعد الصحابة التابعون وأتباعهم وأهل العلم من بعدهم في الرجال جرحاً وتعديلاً. انظر أصول الحديث علومه ومصطلحه - د. عجاج الخطيب ص ١٦٩. (¬٢) العلل الصغير للترمذي ١/ ٧٣٨. (¬٣) ميزان الاعتدال ٨/ ٤. (¬٤) يعقوب بن شيبة بن الصَّلت بن عصفور، أبو يوسف، البصري، «١٨٢ هـ - ٢٦٢ هـ»، من كبار علماء الحديث من كتبه «المسند الكبير». انظر تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٧٧، وتاريخ بغداد ١٤/ ٢٨١. (¬٥) شرح علل الترمذي ١/ ٥٢.