page 305, entry [503]Open original source
الباب السادس والثلاثون فى ذكر شيء من فتح مكة المشرفة، وفوائد تتعلق بذلك (١) كان سبب فتح مكة أن بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة، عدت على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة، يقال له: الوتير، فأصابوا منهم رجلا وتحاوروا واقتتلوا، ورفدت قريش بنى بكر بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا حتى حازوا خزاعة إلى الحرم. ثم خرج ناس من خزاعة إلى النبى ﷺ يستنصرونه؛ لأن خزاعة فى صلح الحديبية: دخلت فى عقد رسول الله ﷺ، ودخلت بنو بكر فى عقد قريش، فوعد النبى ﷺ الخزاعيين بالنصر. وقدم المدينة أبو سفيان بن حرب ليشد العقد، ويزيد فى المدة، فلم ينل قصدا، ورجع إلى مكة، وأمر رسول الله ﷺ أهله أن يجهزوه ثم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد والتأهب، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها فى بلادها، فتحفز الناس. ولما أجمع رسول الله ﷺ المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبى بلتعة كتابا إلى قريش: يخبرهم بالذى أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر فى المسير إليهم، ثم أعطاه امرأة، قيل: إنها مزينة، وقيل: إنها سارة ـ مولاة لبعض بنى عبد المطلب ـ وأعلم الله بذلك رسوله ﷺ، فبعث على بن أبى طالب، والزبير بن العوام لإحضار الكتاب فأتيا به. ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان فصام وصام الناس حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر، ثم مضى حتى نزل مر الظهران فى عشرة آلاف من المسلمين، وقريش لا تعلم بذلك. ثم إن أبا سفيان بن حرب حضر عند رسول الله ﷺ بمر الظهران فأسلم. وكان خرج يتحسس الأخبار عن رسول الله ﷺ. وأمن النبى ﷺ من دخل دار أبى سفيان، ومن أغلق عليه بابه، ومن دخل المسجد. فلما جاء قومه أخبرهم الخبر، وأن النبى ﷺ قد جاءهم بما لا قبل لهم به، فتفرق الناس إلى دورهم، وإلى المسجد. ولما انتهى النبى ﷺ إلى ذى طوى، أمر الزبير بن العوام: أن يدخل فى بعض الناس من كداء. وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل فى بعض الناس من كداء. وأمر النبى ﷺ خالد بن الوليد فدخل من الليط أسفل مكة فى بعض الناس. وكان خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى وفيها: أسلم، وسليم، وغفار، ومزينة وجهينة، وقبائل من قبائل العرب. وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدى رسول اللهصلى الله عليه وسلم. ودخل النبى ﷺ من أذاخر، حتى نزل بأعلى مكة، وضربت هنالك قبته. وكان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو، وقد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر أحد بنى محارب بن فهر، وحنيش بن خالد بن ربيعة بن أصرم ـ حليف بنى منقذ ـ وكانا فى خيل خالد بن الوليد، فشذا عنه، فسلكا طريقا غير طريقه، فقتلا جميعا. وأصيب من جهينة سلمة الميلا من خيل خالد. وأصيب من المشركين ناس قريب من اثنى عشر، أو ثلاثة عشر، ثم انهزموا. وكان رسول الله ﷺ: قد عهد إلى أمرائه من المسلمين ـ حين أمرهم أن يدخلوا ـ أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا قاتلهم. إلا أنه قد عهد فى نفر سماهم: أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، فقتل بعضهم واستؤمن لبعضهم. ثم إن رسول الله ﷺ لما نزل مكة واطمأن الناس: خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعا على راحلته، يستلم الركن بمحجن فى يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له، فدخلها فوجد فيه حمامة من عيدان، فكسرها بيده، ثم طرحها. ثم وقف على باب الكعبة، وقد استكف له الناس فى المسجد، فخطب خطبته المشهورة، وفيها: يا معشر قريش، ما ترون أنى فاعل فيكم؟ قالوا: خير، أخ كريم، وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. ثم جلس رسول الله ﷺ فى المسجد، فقام إليه على بن أبى طالب رضى الله عنه، ومفتاح الكعبة فى يده، فقال: يا رسول الله: اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك. فقال رسول الله ﷺ أين عثمان بن طلحة؟ فدعى له، فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، إن اليوم يوم بر ووفاء. وأمر النبى ﷺ بلالا أن يؤذن. وكان أبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام جلوسا بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيد: أن لا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه. وقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه بحق لاتبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عنى هذه الحصا. فخرج عليهم النبى ﷺ فقال: قد علمت الذى قلتم، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا، فنقول: أخبرك. ولما طاف النبى ﷺ يوم الفتح على راحلته كان حول البيت أصنام مشددة بالرصاص، فجعل النبى ﷺ يشير بقضيب فى يده إلى الأصنام، ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. فما أشار إلى صنم منها فى وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار لقفاه إلا وقع لوجهه حتى ما بقى منها صنم إلا وقع. فقال يميم بن أسد الخزاعى: وفى الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقاب وأقام رسول الله ﷺ بمكة بعد فتحها خمس عشر ليلة يقصر الصلاة، وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة. وخبر فتح مكة أكثر مما ذكرناه، وما ذكرناه ملخص مختصر مما ذكره أبو إسحاق فى سيرته، بعضه بالمعنى وكثير منه باللفظ.