page 1738, entry [1162]Open original source
١١٤٣ - النَّوَاوي * الإمام، الفَقِيه، الحافظ الأوحد، القُدْوة، الزَّاهد، محيي الدين، أبو زكريا، يحيى بن شرف بن مِرَى (١)، الحِزَامي، الحَوْراني، الشَّافعي، صاحب التصانيف. ولد في المحرَّم سنة إحدى وثلاثين وست مئة. وقدم دمشق سنةَ تسعٍ وأربعين (٢)، فسكن في الرواحيَّة (٣)، وحفظ -فيما قيل- "التنبيه" (٤) في أربعة أشهر ونصف، وقرأ رُبْعَ "المُهَذَّب" (٥) من حفظه في باقي السنة على شيخه الكمال إسحاق بن أحمد، ثم حَجَّ مع أبيه، وسمع من الرضي بن البرهان، وشيخ الشيوخ عبد العزيز بن محمد الأنْصْاري، وزين الدين بن عبد الدائم، وزين الدين خالد بن يوسف، وتقي الدين بن أبي اليُسْر، وجمال الدين بن الصيرفي، والشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وغيرهم. وقرأ "الكمال" للحافظ عبد الغني (١) على الزين خالد (٢)، وشرحًا في أحاديث "الصحيحين" على المحدث أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى المُرَادي، وأخذ الأصول عن القاضي التَّفْلِيسي، وتفقَّه على جماعة منهم: الكمال سلَّار الإِرْبِلي، وشمس الدين عبد الرحمن بن نوح، وقرأ النحو على الشيخ أحمد المِصْري، وقرأ على ابن مالك كتابًا من تصنيفه. ولازم الاشتغال والتصنيف، وتخرَّج به جماعة، وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية بعد أبي شَامة (٣). حدَّث عنه: ابن أبي الفتح، والمِزِّي، وابن العَطَّار، وغيرهم. وقد ذكر ابنُ العَطَّار "سيرتَه" في كراريس (٤)، وحكى عنه أنه كان يقرأُ كلَّ يوم اثني عشر درسًا على مشايخه شرْحًا وتصحيحًا: دَرْسين في "الوسيط"، ودرسًا في "المهذَّب"، ودرسًا في "الجمع بين الصحيحين"، ودرسًا في "صحيح مُسْلم"، ودرسًا في "اللمع" لابن جنِّي، ودرسًا في "إصلاح المنطق"، ودرسًا في التصريف، ودرسًا في أصول الفقه، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين. قال (١): وكنت أعلق جميعَ ما يتعلق بها من شَرْح مُشْكل، ووضوح عبارة، وضَبْط لغَة، وبارك الله لي في وقتي، وخَطَرَ لي أن أشتغل بالطّب، واشتريت كتاب "القانون" فأظلم قلبي، وبقِيت أيامًا لا أقدر على الاشتغال، فأفقتُ على نفسي، وبعت "القانون" فأنار قلبي. قال ابن العطار: وكان يمتنع من أكل الفواكه والخيار ويقول: أخاف أن يرطِّب جسمي، ويَجْلِبَ النَّوْم. وكان يأكل في اليوم واليلة أكلةً، ويشرب شربة واحدة عند السَّحَر، وكلَّمْتُه في الفاكهة فقال: دمشق كثيرة الأوقاف، وأملاكُ مَنْ تحت الحجْر والتصرف لهم لا يجوز إلا على وجه الغبطة لهم، ثم المعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها خلاف، فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك؟ وقال ابن فَرَح (٢): الشيخ محيي الدِّين قد صار إلى ثلاثِ مراتب، كل مرتبة منها لو كانت لشخص لشُّدَّت إليه الرِّحال: العِلْم، والزهد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال الشيخ شمس الدين بن الفخر الحَنْبَلي: كان إمامًا بارعًا، حافظًا مفتيًا، أتقن علومًا شتى، وصنَّف التصانيف الجمَّة، وكان شديد الورع والزُّهد، تاركًا لجميع ملاذِّ الدنيا من الماكول إِلا ما يأتيه به أبوه من كعك وتين، وكان يَلْبَسُ الثياب الرَّثَّة المرقعة، ولا يدخُل حمَّامًا، وترك الفواكه جميعها، ولم يتناول من الجهات دِرْهمًا. وقال الشيخ قُطْب الدِّين اليونيني: كان أوحدَ زمانه في العلم والوَرَع والعِبادة، والتقلُّل وخشونة العَيْش، واقف الملك الظاهر بدار العَدْل غير مرَّة: فَحُكِيَ عن الملك الظّاهر (١) أنه قال: أنا أفزع منه (٢). سافر لزيارة بيت المقَدْس، وعاد إلى نوى فمِرَض عند والده، ومات في رجب سنة ست وسبعين وست مئة. وفيها: مات شيخ العراق العلَّامة المقرئ مجد الدين عبد الصمد بن أحمد بن أبي الجيش البَغْدَادي الحَنْبَلي. والشيخ شمس الدين قاضي القُضَاة أبو بكر محمد بن العماد إبراهيم (٣) بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي بمصر، وله أربع وسبعون سنة.