page 19, entry [6]Open original source
٤ - سِيرَةُ حَيَاتِهِ في هذه الأسرة العريقة عِلْمًا وفَضْلًا وصلاحًا ورواية ولد محمد بن أحمد بن عبد الهادي سنة (٧٠٥ هـ) على أرجح الأقوال (١)، في الصَّالحية (٢)، لأبٍ من العلماء المسندين المقرئين، وكشأن كلِّ أبٍ عالم يطمح في أن يكون ابنه محدِّثًا ذا إسناد عالٍ، سعى به إلى كبار مسندي عصره، فسمع من زينب ابنة الشيخ كمال الدين الصالحية، وكانت قد تفرَّدت بغالب إجازاتها، وهي آخر من روى في الدنيا عن سِبْط السِّلَفي، وحين توفيت نزل الناس بموتها درجة (٣). وسمع من عيسى المطعم المتوفى سنة (٧١٧ هـ)، وله إحدى وتسعون سنة (٤)، ومن أبي بكر أحمد بن عبد الدائم الصالحي، وهو شيخ لابن تيمية أيضًا، المتوفى سنة (٧١٨ هـ)، وله ثلاث وتسعون سنة (٥)، ومن سعد الدين يحيى بن محمد بن سعد، المتوفَّى سنة (٧٢١ هـ)، وقد جاوز التسعين (١)، وكلهم ممن تفرد بأجزاء من العوالي. وسمع أيضًا من أحمد بن أبي طالب الصالحي الحَجَّار، وهو من المعمَّرين رحل الناس إليه سنة (٧١٧ هـ)، ولما توفي سنة (٧٣٠ هـ) نزل الناس بموته درجة (٢)، وأكثر عن محمد بن أحمد بن أبي الهيجاء، ابن الزرَّاد، وهو ممن تفرد، مات سنة (٧٢٦ هـ) (٣)، وقرأ بنفسه "صحيح مسلم" (٤) على القاضي شرف الدين عبد الله بن الحسن، وهو من حفدة المحدث عبد الغني المقدسي، وممن تفرد وعمر، توفي سنة (٧٣٢ هـ) (٥). أما في الفِقْه، فإنه حفظ "المقنع" (٦) -وهو دون العاشرة- على القاضي سليمان بن حمزة، المتوفى سنة (٧١٥ هـ) (٧)، ثم أتمَّ دراسته على إمامين كبيرين برعا في المذهب الحنبلي، هما: القاضي محمد بن مسلم بن مالك المتوفى سنة (٧٢٦ هـ) (٨)، وإسماعيل بن محمد الحَرَّاني المتوفى سنة (٧٢٩ هـ) (٩). وأخذ القراءات عن شيخ القراء في عصره ابن بَصْخَان (١)، وقرأ النحو على أبي العباس الأندرشي، وهو ممن شرح "التسهيل" لابن مالك (٢). ونحو سنة (٧٢١ هـ) -وهو بعد في السادسة عشرة- بدأ يتردد إلى عالمين كبيرين في عصره، هما: المِزِّي وابن تيمية (٣)، عند الأول تعلم علل الحديث بعد أن أدرك إسناده، وعند الثاني فهم روح الشرع بعد أن حفظ فقهه. وقد تميَّزت علاقته بابن تيمية -على قصرها- تميزًا واضحًا، وطبعت حياته بطابَعِها، فرغم أن مدَّتها لم تتجاوز سنواتٍ خمسًا إلا أنها كانت عميقة الجذور، واضحة المعالم، إن عقلًا ذكيًّا كعقل ابن عبد الهادي لا يقنعه إلا مثل عقل ابن تيمية الحاد الواضح، إن ما بين التلميذ والأستاذ من التشابه في منهج الرؤيا، وطريقة التفكير، أبعد من أن يكون مجرَّد تقليد تلميذ لأستاذه، إنه أكثر من ذلك بكثير وأعمق، إنه تلاقٍ بين عقلين جبارين، يدركان من أسرار الشرع والفهم له ما لا يدركه ذلك الإِنسان الذي يسعى وراء صحة إسناد أو إظلامه .. ولكن امتدَّ عمر ابن تيمية فَخُلِّدَ، ومات ابن عبد الهادي شابًّا فَنُسِيَ، ومن ثَمَّ تتبدى لنا كلمة الصَّفدي الحزينة والصَّادقة التي قالها في ابن عبد الهادي: "لو عاش كان عجبًا" (٤) .. ومن ثم -أيضًا- ندرك سرَّ تعلقه الكبير بابن تيمية، هذا التعلُّق الذي تجلى أروع ما يكون في الدِّفاع عنه في مسألة الزيارة (١)، وفي تأليف كتاب في سيرة حياته (٢)، ومن يدري ربما ختم كتابه هذا بترجمته، وكأنه يختِمُ به الحُفَّاظ والتاريخ. وفي "العقود الدرية" نصٌّ يصوِّر جانبًا من هذه العلاقة في مرحلتها الأولى، نلمح من خلاله اهتمامَ الشيخ ابن تيمية بالفتى ابن عبد الهادي، وفَرَحَ ابن عبد الهادي بهذا القرب المتمثل بالتشديد على ياء المتكلِّم، يقول: "وكنت أتردد إليه في هذه المدة أحيانًا، وقرأت عليه قطعة من الأربعين للرازي، وشرحها لي، وكتب لي على بعضها شيئًا ... ولقد حضرتُ معه يومًا في بستان الأمير فخر الدين بن الشمس لؤلؤ، وكان قد عمل وليمة، وقرأت على الشيخ في ذلك اليوم أربعين حديثًا ... " (٣). أما شيخه المِزِّي فقد تميَّز عن معاصريه بعِلْمين: الحديث والعربية، وقد استغرقته معرفة الحديث حتى صار إمامًا فيه، جعل بعضهم يرفعه فوق الدارقطني (٤)، فهذا الاستحضار الرائع لأسماء الرجال، ولمعرفة العلل، وضبط المُشْكل والمبهم، ومعرفة الطُّرُق والأسانيد (٥) جعلت كبار أئمة ذلك العصر يقرؤون بين يديه، ويجبنون بحضرته، ولم يكن يَسْلَم واحد منهم من ردِّه عليه، حتى ابن تيمية نفسه (١)، وقد توَّج هذه المعرفة بكتابٍ لم يسبقْ إلى مثله، هو "تهذيب الكمال" (٢)، أوضح فيه من المشكلات والمعضلات ما لم يتعرَّض غيره لها. وبرع أيضًا في علم العربية، حتى قيل فيه: لم ير بعد أبي حيان النحوي مثله في العربية، وخصوصًا في التصريف (٣). إلى جانب علمه نرى عند المِزِّي أخلاق العلماء، فرغم أنه كان عبوسًا مهيبًا (٤)، في مجلسه يخيم سكوت وسكون (٥) إلا أنه كان كثير التواضع، فيه صبر وحِلْم وقناعة وتودُّد (٦)، صبر على فقره طوال حياته، حتى إنه اضطر إلى بيع أصل كتابه بخطِّه (٧)، وظل يتوجَّه إلى الصالحية ماشيًا على قدميه وهو في عَشْر التسعين (٨). هذه الصِّفات الهادئة المهيبة جعلته لا يعرف قدرَه إلا مَنْ أكثر من مجالسته (٩)، وقد لازمه ابن عبد الهادي نحو عشر سنين حتى برع عليه في عِلْم الرِّجال والعِلل (١٠)، بل إنه كثيرًا ما كان يقف في مجلسه -وقد خيم سكوت وسكون- يرُدُّ عليه بعض أسماء الرجال (١)، فيقبل المزي منه (٢) بكل تواضع العالم ونزاهته. وقد تميز ابن عبد الهادي -من بعد- بعلم الرجال والعلل، حتى صار إمامًا فيه، وظل يعترف بفضل شيخه عليه، فيقول فيه: "هو شيخي الذي انتفعت به كثيرًا في هذا العلم" (٣). أما عن تأثير الإِمام الذهبي به، فلم يكن بعمق ما لمسناه عند المِزِّي وابن تيمية، ولم تتحدثِ المصادر التي بين أيدينا عن علاقة مميزة بين الرجلين، ولعل تلمذته للذهبي هي من نوع التلمذة بين الأقران -على ما بينهما من فارق في السن- هي علاقة من تلك العلاقات المتبادلة؛ كلاهما يستفيد من الآخر ويقرأ عليه، بل إن استفادة الذهبي تبدو أجلى وأوضح حين يقول: "ما اجتمعت به قط إلا واستفدت منه" (٤)، ونراه يحضر درسًا له في المدرسة الصَّدْرية (٥)، بل يترجم له في آخر كتابه "تذكرة الحفاظ" مع شيوخه الذين سمع منهم (٦)، ويروي عن المِزِّي عن السروجي عنه (٧). وهكذا .. لم تكن تلمذته للذهبي تلقيًا كحاله مع ابن تيمية والمزي، بل مدارسة ومكاتبة. * * * مع نهاية تلمذته للمِزِّي -وهو بعد في الخامسة والعشرين أو أشفّ- تكتمل عنده أدوات العالم الباحث، فيشرع بالتأليف ويتصدَّر للتدريس، ويحقق خلال ثلاثة عشر عامًا ما لا يحققه أناس في أعمار متطاولة، فمؤلَّفاته تزيد على السبعين كتابًا، بلغ بعضها ثمانِ مجلدات، ويتصدر للتدريس في أكبر مدارس عصره كالعمرية والضِّيائية، والمصادر التي بين أيدينا لا تسعفنا في تحديد السنة التي ابتدأ فيها بالتدريس، ولا متى كان تدريسه في كل مدرسة، إلا المدرسة العمرية التي نص ابنُ كثير أنه جلس للتدريس بها في سنة (٧٤١ هـ) ولا ريب أن تدريسه في المدارس الأخرى كان قبل هذا التاريخ، بل ربما جمع في وقت واحد التدريس في غير مدرسة على عادة علماء ذلك العصر. وفي ذِكْرِ ابن كثير لخبر تدريس ابن عبد الهادي في هذه المدرسة في حوادث سنة (٧٤١ هـ) (١)، مغزى لا يخفى، إذْ يدلنا هذا على أن ابن عبد الهادي بلغ قمة عطائه -وهو بعد في السادسة والثلاثين- يوم تربع للتدريس في هذه المدرسة الكبيرة، وقد حضر درسه المقادسة وكبار الحنابلة، ولولا المطر والوحل يومئذٍ لحضر أهل المدينة (٢)، وهذا يدلنا أيضًا على مدى الشهرة التي أصابها وقتئذٍ، والمطَّلع على تاريخ هذه المدرسة يعرف أن كبار العلماء كان يدرِّس بها، وقد بلغت حدًّا كبيرًا في الغنى من كثرة ما وقف عليها من أوقاف (١). وقد درَّس أيضًا بالمدرسة الضيائية (٢)، نسبة إلى بانيها ضياء الدين المقدسي، سِبْط أحمد بن محمد بن قدامة، وكان بها خزانة كتب عامة (٣). ويبدو أنه درس بالمدرسة الصبابية (٤) بعد سنة (٧٣٨ هـ)، لأنها فتحت في هذه السنة، وقد أنشأها تاجر اسمه تقي الدين بن الصباب، قبلي العادلية الكبرى في باب البريد، وكان مكانها خربة شنيعة (٥). ودرس أيضًا في المدرسة الصدرية، وقد سمع منه الذهبي حديثًا فيها (٦). وقد انفرد الحسيني بذكر مدرستين درَّس بهما، هما: المنصورية والغياثية (٧)، أما المدرسة الغياثية، فلم أقع لها على ذكر في المصادر التي بين يدي، وأرجح أنها مصحفة عن الضيائية، بدليل أن الحسيني نفسه لم يذكرها في "ذيل العبر" حين ترجم لابن عبد الهادي، واكتفى بذكر الضيائية. أما المنصورية، فإنها تثير تساؤلًا لم أجد له جوابًا أيضًا في المصادر التي بين يدي .. هذا التساؤل: هل سافر ابن عبد الهادي إلى مصر ودرس بالمدرسة المنصورية؟ ومتى كان ذلك؟ فالمنصورية -كما هو معروف- من مدارس القاهرة المشهورة، وقد بناها والقبة التي تجاهها والبيمارَسْتَان الملك المنصور قلاوون قبل سنة (٦٩٠ هـ) (١). لا أحب أن أرجمَ بالغيب في هذه المسألة، ويبقى التساؤل قائمًا حتى يأتي نص يؤيِّدُ أو ينفي. ولعل العمرية هي آخر مدرسة درس بها، فقد آثر أن يترك ما بيده من المدارس، وأن يتفرَّغ للتأليف والتحصيل (٢)، والذي يطلع على أسماء مؤلفاته يدرك الطموح الذي كان يدفع ابن عبد الهادي لكتابة ما يكتب، بعض هذا الطموح أن يكتب التفسير المُسْنَد، والأحكام الكبرى، ولكن لم يمتَّع بالعمر، إذ توفي شابًّا دون أن يدرك ما كان يؤمِّلُه.