page 2239, entry [4009]Open original source
٧٢ - محمدُ بن إبراهيمَ اللَّوَاتيُّ، أبو عبد الله . رَوى عن أبي عُمرَ مَيْمونِ (١) بن ياسين اللَّمْتُونيِّ بإشبيلِيَةَ، وغيرِه. ٧٣ - محمدُ (٢) بن إبراهيمَ المَهْريُّ، بِجَائيٌّ، نزَلَ سَلَفُه مليكشَ (٣)، إشبيليُّ الأصل من بني مرزقان (٤) من أهلِها، أبو عبد الله، ابنُ إبراهيمَ والأصُوليُّ. شَرَّقَ وأخَذَ بمِصرَ عن الرَّبَعيِّ والجَبّاب، وحضَرَ مجلسَ أبي الطاهر السِّلَفيِّ، ودرس قليلًا على أبي الطاهر بن عَوْف، ثم لم تُرضَ هنالك أحوالُه فأمَرَ أبو الطاهر بنُ عَوْفٍ بإخراجِه عن الإسكندَريّة، فأُخرِج منها مذمومًا، ولقِيَه أبو العبّاس بنُ عثمانَ المَلْيانيُّ (٥) على مَقرُبةٍ من الإسكندَريّة، فلمّا لقِيَ أبو العبّاس أبا الطاهر بنَ عَوْف قال له: أين لقيتَ ذلك الزِّنديق؟ ولمّا قَدِمَ من المشرِق نزَلَ جزائرَ بني زغنا (٦)، وأقام بها مدّةً، وأخَذ عنه [بها أبو موسى] القَزُوليُّ، ثم قَدِمَ مَرّاكُشَ فأخَذَ عنه بها جماعةٌ، منهم: [أبو عبد الله] ابنُ الجِذع، وأبو محمد بن حَوْطِ الله، وأبو يعقوبَ ابنُ الزَّيّات، [واستجازَهُ] ابنُ نَذِير فقال له: قد أبَحْتُ لك ما سألتَ فاجتهِدْ، فالاجتهادُ [مطلوب]. وأخَذَ عنه ببجَايةَ: أبو الحَسَن بنُ أبي نَصْر، وأبو عبد الله بنُ عبد الله بن [....] (١). وكان متحقِّقًا بعلم الكلام، متقدِّمًا في معرفةِ أصُولِ الفقه حتى شُهِرَ [بالأصُوليِّ] وعُنيَ طويلًا بـ "مُستصفَى" الغَزّاليِّ فأصلَحَ مختلَّه، وصَحَّحَ معتَلَّه، وعلَّق عليه [تعليقاتٍ] أفادَ بها، وتُنوقلَتْ عنه، وشُهِر بالعكوفِ على العلوم القديمةِ الفلسَفِيّة، وله حَظٌّ صَالح من الفقه، وكان أوّلَ قدومه على مَرّاكُشَ يحضرُ كثيرًا مجلسَ المنصُور، من بني عبد المؤمن، فيُعامِلُ المنصورَ بضُروبٍ من الجفاء، لا يحتملُ أخفَّها الأكْفاء، حتى أثَّر ذلك عندَه وأسرَّه لهُ في نفسِه، وكان ذلك من أقوى الأسباب التي اقتَضَت عندَه تعريضَه للعنِ الناس إيّاه، ونَصْبِه لبُصاقِهم في وجهِه معَ وسيلتِه في الارتسام بتلك الطريقةِ المشنوءة، [طريقةِ] أبي الوليد بن رُشْدٍ الصَّغير، حسبَما مَرَّ ذلك في رَسْمِه (٢)، وسأله المنصُورُ حينئذٍ: هل نَظَرَ في العلم الذي نُكِبَ ابنُ رُشدٍ بسببه؟ فأقَرَّ بقراءتِه والأخْذِ فيه، معَ تحقُّقِه مما عليه في ذلك، فكان اعترافُه من الأسبابِ التي ألحقَتْه بابن رُشْدٍ في تلك الوَقِيعةِ الشَّنيعة، وتعجَّبَ المنصُورُ والناسُ جميعًا من إجابتِه المنصورَ بالحقِّ عمّا سألَهُ كائنًا فيه ما كان، وظهَرَ منه في هذه المِحنة من الجَلَد وثبوتِ الجأش وقوّةِ النفْس ما قضَى مشاهدوهُ منه العجبَ، ثم غُرِّب إلى أغمات فأسكِنَ بها، ولم يزَلْ فيها حتى عُفِيَ عنه، واستُقضِيَ عَقِبَ العفوِ عنه ببِجَايةَ، وقد كان استُقضيَ بها مرَّتَيْنِ، وبمُرْسِيَة، واستُنيبَ بمَرّاكُشَ، وكان يقولُ حين استُقضِيَ ببِجَاية في المرةِ الأخيرة: والله ما تقلَّدتُها رغبةً فيها ولا تغبيطًا بها، ولكنْ تسجيلًا على مُقلِّدِها إيّايَ بقبيح التناقُض الذي لا يَصدُرُ عمّن له مُسْكةُ عَقْل في توليةِ القضاءِ والفَصْل في الأحكام الشّرعيّة بينَ الناس مَن صَحَّت عندَه زَندقتُه واشتغالُه بعلوم الأوائل! واستقَرَّ قاضيًا بها مُدّة، صادعًا بالحقّ، جَزْلًا في أحكامِه، عَدْلًا في قضائه، لا تأخُذُه فيه لوْمةُ لائم، ثم عُزِلَ سنةَ ثمانٍ وست مئة بعدَ تنكيلٍ كثيرٍ نالَهُ من والي بجَايةَ أبي عبد الله ابن يومورَ الهرغيِّ، وامتحانٍ شديدٍ كان منه ضربُ وَلَدِه (١) بَأليم السِّياط، وسَعَى في عَزْلِه فعُزِل، وقُدِّم أبو محمدٍ عبدُ الله ابن سكاتو (٢) الجزائريُّ، فقال أبو عبد الله لمّا بَلَغَه ذلك: عَزَلوني ولم يُولُّوا أحدًا. وكُفَّ بصَرُه بأخَرة، وبقِيَ [ببِجَايةَ] إلى أن توفِّي بها في ذي الحجة سنةَ اثنتَيْ عشْرةَ وست مئة، وقد [ذكرتُه في رَسم أبي] الوليد بن رُشْد وأبي القاسم عبد المُنعم ابن تيسيت (٣)، وسيُذكَرُ في رَسم [أبي عبد الله] بن عليّ بن مَرْوانَ (٤) إن شاء الله. ٧٤ - محمدُ بنُ [أبي] (٥) يحيى أبي بكر بن خَلَف بن فَرَج بن صافٍ الأنصاريُّ، مَرّاكُشيٌّ، قُرطُبيُّ الأصل قديمًا، فاسِيُّه حديثًا، أبو عبد الله، ابنُ المَوّاق (٦). [رَوى عن أبي] أُميّةَ بن عُفَيْر، وأبي بكرٍ يحيى بن عبد الرّحمن بن ثابت، وآباءِ الحَسَن: ابن القَطّان -ولازَمَه واختَصَّ به- وابن قُطْرال ومحمد بن سَلمون، وأبي ذَرّ بن أبي رُكَب، وأبي الرّبيع بن سالم، وآباءِ عبد الله: ابن خَلْفون وابن دادوش والشّارِّيِّ، وأبَوي العبّاس: العَزَفيِّ والنَّبَاتيِّ، وأبي عليّ الرُّنْديِّ، وأبي القاسم بن بَقِيّ، وأبي محمدٍ عبدِ الحقِّ الزُّهْريّ، وأبي مَرْوانَ الباجِيّ، وأبي الوليد ابن الحاجّ. رَوى عنه أبو بكر بن عثمانَ ابن السِّجِلْماسيّ، وأبو جعفر بن محمد بن عبد الحميد، وأبو الحَجّاج بن عليّ ابن عشَرة، وأبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ شيخُنا (١)، ومحمد بن عَتِيق بن عليّ، وأبو الخَطّاب سَهْلٌ ابن زغبوش، وأبو زكريّا بن عبد الله بن يعقوب، وأبو عبد الرّحمن عبدُ الله بن زغبوش، وأبو الفَضْل الغَرابِيليُّ، وأبوا محمد: ابنُ قاسم الحَرّار وابنُ مَطْروح. وكان فقيهًا، حافظًا محدِّثًا، مقيِّدًا ضابِطًا مُتقِنًا، نبيلَ الخَطّ بارعَهُ، ناقدًا محقِّقًا، ذاكرًا أسماءَ الرِّجال وتواريخَهم وأحوالَهم، وله تعقُّبٌ على كتابِ شيخِه أبي الحَسَن ابن القَطّان الموسُوم بـ "بيانِ الوَهْم والإيهام الواقعَيْنِ في كتاب الأحكام"، جَمْعَ أبي محمدٍ عبد الحقِّ ابن الخَرّاط الجاري عليه اسمُ "الأحكام الكُبرى"، ظهَرَ فيه إدراكُه ونُبلُه ومعرفتُه بصناعةِ الحديث، واستقلالُه بعلومِه، وإشرافُه على عِلَلِه وأطرافِه، وتيقُّظُه، وبراعةُ نَقْدِه واستدراكِه (٢). وقد عُنِيتُ بالجَمْع بينَ هذينِ الكتابَيْن مضافَيْنِ إلى سائرِ أحاديثِ الأحكام، وعلى ترتيبِها، وتكميل ما نَقَصَ منهما، فصار كتابي هذا من أنفَع المصنَّفات، وأغزَرِها فائدةً، حتى لو قلتُ: إنه لم يؤلَّفْ في بابِه مثلُه؛ لم أُبعِدْ، واللهُ ينفَعُ بالنِّية في ذلك. ولأبي عبدِ الله أيضًا مصنَّفاتٌ غيرُ ما ذُكِر، منها: شيوخُ الدارَقُطنيّ، وشَرحُ مقدِّمة صحيح مسلم، ومقالاتٌ كثيرةٌ في أغراضٍ شَتّى حديثيّةٍ وفِقْهيّة، وتنبيهاتٌ مفيدة، ووقَفْتُ على جُملةٍ من شَرْح "الموطَّإ" [له] في غاية النُّبل وحُسنِ الوَضْع (١)، وكلُّ ذلك شاهدٌ بوفورِ مَعارفِه وتبريزِه، واستُقضيَ ببَلَنْسِيَةَ، وفاسَ. [ومَولدُه بها] سنةَ ثلاثٍ وثمانينَ وخمس مئة، ونشَأَ بمَرّاكُشَ واستَوطَنَها، [وبها توفِّي] سنةَ ثِنتينِ وأربعينَ وست مئة. ٧٥ - محمدُ بن أبي بكر بن [رَشِيد (٢)، جمالُ الدِّين] أبو عبد الله البغداديُّ، ويُذكَرُ أنّ أصلَه من قَصْر كُتَامةَ (٣). رَوى ببغدادَ عن أبي إسحاقَ إبراهيمَ بن سَعِيد الأنصاريِّ أحدِ أصحاب ابن الجَوْزيّ، وبدمشقَ عن أبي عبد الله بن عبد الوهّاب الواعِظ ابن [الحَنْبَلي] (٤)، وبالأندَلُس عن أبي يحيى عبد الرّحمن بن عبد المُنعم ابن الفَرَس (٥)، رَوى عنهُ بمَرّاكُشَ [عبدُ الحقِّ] بن رَشِيد، وأبَوا محمدٍ: عبدُ الواحِد بن أبي زَيْد بن أبي زكريّا بن أبي حَفْص بن عبد المؤمن وابنُ مخلوفِ بن موسى المَشّاطُ القاضي (٦)، وطائفةٌ من أصحابِنا، وبمِصرَ: جمالُ الدِّينِ عثمانُ بن فَتْح الدِّين أبي العبّاس أحمدَ بن عُثمانَ بن هِبة الله بن أحمدَ بن عَقِيل القَيْسيُّ ابنُ أبي الحَوافِر، وأبو عليّ الحَسَن بن الحَسَن بن عَتِيق ابن مكسورِ الجَنْب بمحضَرِ مُحيي الدِّين محمد بن محمد بن سُرَاقة. وسمِعتُ منه كثيرًا، وجالستُه طويلًا، وحاضرتُه وذاكَرْتُه، ورُزِقتُ منه قَبولًا كثيرًا، ولزمتُ شهودَ مجالسِ وعظِه، وكانتِ القلوبُ تنفعلُ كثيرًا لكَلامِه، وترِقُّ لمَوْعِظتِه، وتتأثرُ لتذكيرِه، وكان أغزَرَ الناسِ دمعًا، إذا رَقِيَ لمِنبَر وَعْظِه لا يتمالكُ أن يُرسِلَ دموعَه فيؤثِّرَ عندَ الحاضرين من الخُشُوع والخَشْية وسَكْبِ الدموع ما لا مَزيدَ عليه، وكان يتَولَّى إنشاءَ خُطَبه التي يَفتتحُ بها مجالسَ وَعْظِه وقصائدَه المطوَّلةَ التي يختتمُها بها، وكان سَريعَ الإنشاءِ لذلك كلِّه، وكلامُه نظمًا ونثزا مؤثِّرٌ في نفوسِ سامعيهِ على ما فيه من لِين، وسمعتُه غيرَ مرّة يقول: إنّ ذَوْقَه لا يُساعدُه على النظم في وزنِ عَروض من أعاريضِ الشِّعر ما خَلا الطّويلَ، هذا على اتّساع حفظِه وحضورِ ذكْرِه فنونَ الشِّعر على اختلافِ أوزانِه، وله قصائدُ سمّاها: "الوتَريّة، في مَدْح محمدٍ أشرفِ البرّية" (١) كلُّ قصيدة منها أحدٌ وعشرونَ بيتًا، مفتتَحة أبياتُها بحروفِ رَوِيِّها ضَمَّنَها مَدْحَ النبيِّ ﷺ وإيرادَ بعضِ مُعجزاتِه، تَقبَّلَ اللهُ عمَلَه، وأنْجحَ أملَه. وممّا يُغبَطُ بهذه الوَتَرِيّات وَيشهَدُ بصدقِ نيّتِه فيها ويُحَرَّضُ على حفظِها وروايتِها، وُيرغَّبُ في دراستِها واستعمالِها، ما حكاهُ ﵀ من أنه قال: رأيتُ رسُولَ الله ﷺ ليلةَ فراغي من تبييضِها وهي في يدِه ﷺ ومعَه جماعةٌ من أصحابِه ﵃، لم أعرِفْ فيهم غيرَ أبي بكرٍ، ﵁ وعنهم أجمعين، [فلمّا رآني]ﷺ قام إليّ ضاحكًا كالمُستبشِر بي، ثم جَعَلَ يَدفَعُها إلى [جماعةٍ] من أصحابِه، وأوّلُ مَن بَدَأَ منهم به أبو بكر، ﵁ وعنهم أجمعين، [وكان]ﷺ يقولُ لهم: انظُروا بأيِّ شيءٍ قد مُدِحتُ، وماذا قيل فيّ .... وقَعَتْ منهُ ﷺ .... فاستيقَظْتُ فرحًا مسرورًا بما أعطاني .... وكانت هذه الرُّؤيا بمَرّاكُشَ. ثم بعدَ ذلك إلى ما يُقارِبُ ثلاثَ سنين [كنتُ أُعيدُ] نَظَري فيها وأزيدُها ترقيقًا وتنميقًا، وأدخَلتُ فيها من غرائبِ مُعجزاتِه ﷺ ما لم أكنْ أدخَلتُهُ أوّلَ مرّة، فبينَما أنا ذاتَ ليلةٍ أكتُبُ في حرفِ الميم، وقد تعرَّضتُ فيه لمِعراجِه ﷺ، وكنتُ قد أكثرَتُ في معظَم قصائدِها من ذكْرِ المعراج؛ لِما فيه منَ العجائب، إلّا أنّي لم أذكُرْ حديثَ جِبريلَ ﵇، ووقوفَه في الموضِع المعلوم، وقولَه لرسُولِ الله ﷺ: ها أنت وربُّك، وزَجَّه في النُّورِ زَجّةً، ففكّرتُ في نَظْم ذلك المعنى، فيسَّرَه اللهُ عليّ في أربعةِ أبيات، وأدخلتُها في حرفِ الميم، ثم رقَدتُ باقيَ اللّيل، فرأيتُ رسُولَ الله ﷺ في المنام وهو يقولُ لي: إنّ اللهَ قد شَفّعَني في أهلِك وزوجِك وخادمِك، وفي جميع أصحابِك، مُشيرًا إليّ بمُسَبِّحتِه ﷺ، فاستيقَظتُ وبي من الفَرَح والسُّرور ما لا يعلَمُه إلّا الله ﷿، ويحِقُّ لي، فازدَدْتُ بها غِبطةً على غِبطة، فلله الحمدُ على كلِّ نعمةٍ عمومًا، وعلى ما ألهَمَ إليه من مَدْح حبيبِه ﷺ خصوصًا، وكانت هذه الرؤيا بغَرْناطة. وكان فقيهًا شافعيُّ المذهب، نَظّارًا فيه، حَسَنَ المأخَذ في الاحتجاج لهُ، متوقِّد الخاطِر، ذكيًّا يَقِظًا محبًّا في العلم مُنصِفًا في المناظرةِ والمباحثة، لا يكادُ يُخلي محاضرَهُ من مفاوضةٍ علميّة ومُذاكرةٍ وبحثٍ ومساءلة، على ذلك عَرَفْناه، وكثيرًا ما كان يُتعرَّضُ له في مجالسِ وعظِه بالرِّقاع مضمَّنةً أسولةً عَوِيصة، فيَصدُرُ عنه من سُرعةِ الجواب عنها وحُسنِه وإيضاح خَفِيِّها وحلّ مُشكلِها ما يَقضي منه العَجَب، شاهدتُ منه في ذلك كثيرًا، وقصَدتُ الإغماضَ غيرَ مرّة أنا وجماعةٌ من أصحابِنا في كثير من الأسولةِ التي كنّا نُودِعُها الرِّقاعَ المرفوعةَ إليه، فيأتي [في أجوبتِها بما يَبهَرُ] الحاضرينَ سُرعةَ بديهةٍ، وحُسنَ ترتيبٍ وحَشْدَ [نُقول، ثم يَخلُصُ] إلى ما كان فيه من وَعْظِه. وورَدَ خبَرُ الحادثة الشَّنعاءِ [الكائنة] على بغدادَ (١) وهُو حينَئذٍ بمَرّاكُش، وكان يَذكُرُ أنه خَلَفَ ببغدادَ [نِسوةً قد كبِرْنَ] (٢)، وكان يقولُ حينَئذٍ في مجالسِ وعظِه: واأسَفَا للمصيبةِ [العامّة بالمسلمين] والخاصّة بي! وكان قدومُه على مَرّاكُشَ صدرَ خمسٍ وخمسينَ وست مئة. [ومَدَحَه] بعضُ أُدبائها بقصائدَ شكَرَها لهم ووقَعَتْ موقعَ استحسانٍ وسرورٍ [عندَه]. فممّا رأيتُ إثباتَه منها هنا قصيدةُ الأديب الكاتبِ البارع أبي موسى هارونَ بن عبد الله بن محمد بن هارونَ السُّمَاتيِّ الإشبيليِّ (٣) نزيلِ مَرّاكُشَ ﵀، وهي [من الطويل]: أواعِظَنا جَلّتْ لدينا بكَ النُّعمى ... فنِلنا الذي كنّا نَهيمُ به قِدْما وأهدَتْ لنا بغدادُ منكَ غريبةً ... فلله ما أبهَى سَناها وما أسمى حديقةَ فضلٍ أينَعَتْ زَهَراتُها ... فقد حَسُنت مَرأًى وفاحت لنا شَمّا فلا انتقَلت عنّا ظلالُ نعيمِها ... ففي كلِّ حينٍ تُثمرُ العِلمَ والفهما مواعظُ تَسرِي في النفوسِ لطافةً ... فتُبرِئُ من داءِ السَّقام بها سُقما لقد هتَكَتْ حُجْبَ القلوبِ وإنّها ... بلُطف معانيها لَتستنزِلُ الغَمّا وقمتَ بحقِّ الله في وعظِنا فلم ... تدَعْ غَرَضًا إلّا بَرَيْتَ له سهما وأرسلتَها نحوَ القلوبِ، فكلُّها ... أصاب -لَعَمْري- مقتلَ الغَيِّ أو أَدْمى كشفتَ عن التنزيل حُجْبَ حقائقٍ ... وأبديتَها حتى لَأبصَرَها الأعمى فكم آيةٍ أوضَحْتَ خافيَ سرِّها ... فلاحَ سَناها للنُّهى قمرًا تَمّا وكم مُشكلٍ حلَّيتَهُ بلطائفٍ ... من الفِكْر، لولاها لأوسَعَنا كتْما وأبدَيتَ في عِلم الحديثِ غَوامضًا ... وحلَّيتَها الأوضاحَ إذْ غودرَتْ بُهْما (١) إذا ما اعتمدتَ النقلَ فالبحرُ زاخرٌ ... وقَدْرُك أعلى أن أقيسَ به اليمّا ومهما نحَوْتَ الرأي فالزَّندُ ثاقبٌ ... فسهمُكَ إن تُرسِلْه في غرضٍ أصمى لكَ الهمّةُ العُليا فلا ترضَ خُطّةً ... ولو عَظُمت قَدْرًا فزاحَمتِ النَّجما طُبِعتَ ذَكاءً إذْ فؤادُك جَذْوةٌ ... تأجَّجُ لم تطعَمْ ضِرامًا ولا فَحْما حوى من فنونِ العلم ما أعجَزَ الوَرى ... فلله منها ما حَواهُ وما ضَمّا تبارَكَ من سَوّاكَ خَلْقًا وقد حَشَا ... فؤادَك ........................ وأيَّدَ منكَ النُّطقَ بالحِكَم التي ... على كلِّ قلبٍ خائفٍ [وقعَتْ سِلما] أيا ديمةً تنهَلُّ سَكْبًا بكلِّ ما ... يُروِّي العِطَاشَ الِهيمَ منا .... لقد رَوَّضتْ منّا القلوبَ وأطلَعَتْ ... بها ثمَرَ التقوى فتهنئُنا .... لطائفُ وَعْظٍ بل هي السحرُ كلَّما ... سَمِعناه أيقاظًا ظننّا بنا حُلْما وأرواحُ أذكارٍ تلاقَتْ جسومُنا ... بها فكأنّ الرُّوحَ ماسكٌ [الجِسما] وإنّ لواءَ الفقرِ لمّا نشرتَهُ ... مشَى الفقراءُ تحتَه كلُّهمْ قُدْما أريتَهمُ التحقيقَ حِسًّا فأدرَكوا ... ولم يَطمَعوا أن يُدرِكوا كُنهَهُ وَهْما بعلمِكَ عَزُّوا فالزّمانُ وأهلُهُ ... لهمْ أصبحوا حَرْبًا فصاروا لهمْ سِلما فكلٌّ -لَعَمْري- أُشرِبَ الفقرَ قلبُهُ ... ولهوُ الغِنى للنفسِ يا خيرَ ما أمّا أيا ابنَ رَشِيدٍ أنت رُشدٌ لمُهتدٍ ... فقد وَفَر الرّحمن منه لك القَسْما ملكتَ نظامَ القولِ في كلِّ مذهبٍ ... وأبدَعتَ حتى النثرَ مُلِّكتَ والنَّظما إذا الخَصْمُ أدلَى بالحِجَاج مُناظِرًا ... فأنت بأدنَى حُجّةٍ تقطَعُ الخَصْما فدَتْك نفوسٌ قصَّرت عنك لم تجِدْ ... لهم في فنونِ العلم إن سُئلوا عَزْما فضضْتَ خِتامَ الحُجْبِ عن كلِّ غامضٍ ... وقد عَجَزوا عن أن يَفُضُّوا له خَتْما ألايا جمالَ الدِّين يا فخرَهُ، لقد ... أصابَ الذي سَمّاك في كلِّ ما سَمَّى فيَصدُقُ كلُّ اسمٍ جليلٍ عليك إذْ ... مُنِحتَ بما أحرَزْتَه مَفْخَرًا جَمّا مدحتُك إذْ بيني وبينَكَ نسبةٌ ... فغُربتُنا كان القضاءُ بها حَتْما جلاءٌ عن الأوطانِ شتَّتَ شمْلَنا ... فهل أرَيَنَّ الدّهر يُوسِعُه نَظْما؟ ببغدادَ هام القلبُ منكَ وحبُّها ... لعَمْرُك حبٌّ خالَطَ الدَّم واللَّحما فهل حاكمٌ يُعدي على الدهرِ إنهُ ... على كلِّ حالٍ يؤْثرُ الجَوْرَ والظُّلما ويا غُربةً دامت وشَطَّ مَزارُها ... كفاكِ فقد قطَّعتِ قلبَ الشَّجيْ كَلْما إذا ما الغريبُ الدارِ هَمَّ بأوْبةٍ ... هَمى الدمعُ من أجفانِهِ كلّما هَمّا عسى فَرَجٌ يُدني المُنى فلعلّها ... تُنفِّسُ عنّا البثَّ والحُزنَ والغَمّا بقِيتَ مُلقًّى ما تشاءُ مُحسَّدًا ... موَقًّى من المحذورِ متّصلَ النُّعمى [ولا زال قَطْرُ الغيثِ يهطُلُ] ديمُهُ ... على مَن أعزَّ العُربَ إذ وقَمَ العُجْما (١) [ومنها قصيدةٌ] للسيِّد الجليل، المشارِكِ النّبيل، أبي محمدٍ عبد الواحِد بن أبي زَيْد عبد الرّحمن بن أبي زكرّيا بن أبي حَفْص بن عبد المؤمن (٢)، وهي هذه [من البسيط]: أهلًا وسهلًا بمَن أهدَتْه بغدانُ ... ومرحبًا مَرْحبًا حيّاهُ رضوانُ [إنْ فارَقَ] الرَّيَّ رَيّاها لفُرقتِهِ ... وأخرِسَتْ بعدَه حُزنًا خُراسانُ [أو] واصَلتْ مَوصِلٌ فيه الأسى وبهِ ... قد غادرت قلبَها حَرّانَ حَرّانُ وصيَّرت عَيْشَها كالشريِ مِن وَلَهٍ ... وكان كالأرْيِ حُلوًا منه حُلوانُ وعمَّ مَن بعُمانَ الشّجوُ واتّسمت ... من بعدِ نعمتِها بالبُؤس نُعمانُ وفاهَ هاتفُ وادٍ للأراكِ متى ... أراك تدنو وهل للقُربِ إمكانُ والطَّلحُ عاد طُلَيْحًا من تلفُّتِه ... وأنّ إذْ بانَ يشكو بيْنَهُ البانُ (١) فإنّ حضَرْتَنا تفتَرُّ من جَذَلٍ ... به إذا فرِحت ما ضَرَّ لَهْفانُ أمَا سمِعتَ بقولِ ابن الحُسَين (٢) وما ... قد جاء في الشِّعر حُكمٌ وهو تِبيانُ؟ إيهِ رَعَى اللهُ إخوانًا به سَمَحوا ... لنا فنحن لهُ في الدِّينِ إخوانُ ونحن جيرانُهُ من بعدِ جيرتِهِ ... ببابِ جيرونَ لا يفقدهُ جيرانُ (٣) وما إخالُكِ يا بغدادُ عن مللٍ ... رَمَت بهِ منكِ نحو الغَرْب أوطانُ لكنْ جَرى القلمُ الأعلى بذاكَ وما ... أجراهُ يَجري ولا يعدوهُ إنسانُ إنّي سمَحتُ بعِلقٍ نظمُهُ دُرَرٌ ... من المعارفِ لا درٌّ وعِقيانُ بحرٌ ولكنّهُ عذبٌ جَواهرُهُ ... أصدافُها شقَّقتْها منه أذهانُ يُبدي الجَليَّ من المَخْفيِّ منطِقُهُ ... كأنّ ألفاظَه للسِّحر خَزّانُ معنًى رقيقٌ ولفظٌ زانَهُ زجَلٌ ... جَزْلٌ يُسدِّدُه للعقل برهانُ تجمَّعتْ فيه أشياءٌ محاسنُها ... تَفُوقُ عدًّا إذا ما عُدّ ديوانُ إذا بدا صاعدًا أدراجَ مِنبِرِهِ ... غارَتْ عليه من الأبصارِ آذانُ (١) وإن تكلَّمَ غار العينُ من حسَدٍ ... فاعجَبْ فبينَهما في ذاك شَنْآنُ طَوْرًا يعلِّمُنا، طَوْرًا يُخوِّفُنا، ... طَوْرًا يُرجِّي، فهذا الوعظُ ألوانُ يا واعظًا بَهَرتْ حُسنًا مَواعظُهُ ... عليك لا زال للرّحمنِ إحسانُ ذكَّرتَ غافلَنا، علَّمتَ جاهلَنا ... حلَّيتَ عاطلَنا [فالكلُّ فرحانُ] تَصوبُ من وعظِك الأجفانُ واكفةً ... كما يَصُوبُ لصوتِ [الرعدِ هَتّانُ؟] أُيِّدتَ بالصِّدق في قولٍ وفي عملٍ ... فللدموع إذا أسمعتَ طُوفانُ كما تأيَّد في نَظْم العَرُوضِ وقد ... دَعَا الرسولَ برُوح القُدْس [حسّانُ] كم من شرُودٍ أخي غَيٍّ إلى رَشَدٍ ... قادَتْهُ يا ابنَ رَشيدٍ منك أرسانُ رأى ولولاك لم تُبصِرْ بصيرتُهُ ... وكيف يُبصرُ وجهَ الرُّشد عَمْيانُ فأنت أنت جمالُ الدِّين لا كذِبٌ ... لا جَحْدَ في ذاك، إنّ الجَحْدَ كُفرانُ لله قومٌ بهذا لقَّبُوكَ وقد ... تحَرَّوا الصِّدقَ، حُيُّوا حيثما كانوا عُذرًا فديتُكَ لم أُحْصِ الذي لكَ، هل ... يُحصي الحَصىَ ونجومَ اللّيل حُسْبانُ؟ أنَّى ولو قاسَها قُسٌّ لقَصَّر، أو ... أجرى لها طَرْفَهُ لم يُجرِ سَحْبانُ فكيف والطّبعُ لم يُطبَعْ، فُدِيتَ على ... ما يَرتضيه حديدُ القلبِ يَقْظانُ لكن جعلتكِ (٢) أبياتي مقدِّمةً ... تَرتادُ لي موردًا، إنّي لصَدْيانُ تبوحُ بالحُبِّ إذ قال الرسولُ: إذا ... أحَبَّ؛ واذكُرْهُ لا يَصْحَبْكَ نسيانُ ورغبةً في دعاءٍ منكَ مُبتهِلًا ... في أن يُباحَ معَ الزُّوّارِ إتيانُ إن الشّفيع الذي من جاء ناديَهُ ... مستغفرًا ظالمًا قِراهُ غفرانُ تدعو ثلاًثا بها والناس كلُّهمُ ... يؤمِّنون، فربُّ الناس مَنّانُ صلى الإلهُ عليه كلّما طلَعَتْ ... شمسٌ وما تُلِيَت آيٌ وقرآنُ وخصَّهُ بسَلام ما سَرَى فَلَكٌ ... مسخَّرٌ، ورَسَا رَضْوى وثَهْلانُ وأقام بمَرّاكُشَ مدّة، ثم رَحَلَ إلى الأندَلُس، ودَخَلَ غَرْناطةَ وغيرَها من بلاد الأندَلُس، ووَعَظَ بها، ثم كرَّ راجعًا إلى مَرّاكُش فبقِيَ فيها مُدّة، ثم فَصلَ عنها مشرِّقًا، فحَجَّ حجّةَ الفريضة، وقَفَلَ إلى المغرِب مؤمِّلًا الوِفادةَ على مَرّاكُش، فتوفِّي بتونُسَ عقِبَ صلاةِ الجُمُعة لليلةٍ بقِيَتْ من محرَّمِ ثلاثٍ وستينَ وست مئة. ٧٦ - محمدُ (١) بن أبي بكر بن عبد الله بن موسى الأنصاريُّ، تلمسينيٌّ وَشْقيُّ الأصل، أبو عبد الله البُرِّيُّ. وهو أخو شيخِنا أبي إسحاقَ التلمسينيِّ (٢) وكبيرُه. رَوى ببلدِه عن أبوَيْ عبدِ الله: عبد الرّحمن التُّجِيبيِّ، وابن عبد الحقّ. وبالأندَلُس عن أبي بكر بن محمد بن مُحرِز، وأبي الحَسَن سَهْل بن مالك، وأبي الرّبيع بن سالم، وأبي عبد الله [ابن الأبّار، وأبي المُطرِّف] ابن عَمِيرةَ وغيرِهم، وبمَنُرقةَ عن أبي عُثمانَ سَعِيد [بن حَكَم. رَوى عنه غيرُ] واحدٍ، وحدَّثنا عنه أبو محمدٍ مَوْلى سَعِيد بن حَكَم. وكان [مُعتنيًا بالأنسابِ] والحِفظِ لها، ذا مُشاركةٍ في الحديثِ ورجالِه، وحَظٍّ من [النَّظم]. وله مصنَّفاتٌ مفيدةٌ، منها: "الجَوْهرة في نَسَبِ النبيِّ ﷺ وأصحابِه] العشَرة" (١)، ومنها: "العُمْدَة في ذكْرِ النبيِّ ﷺ والخُلفاءِ بعَده" [في نُسختَيْن] , إحداهُما أكبرُ من الأخرى (٢)، وفي صُغراهُما يقول -ونقَلتُه من خطِّه-[من مجزوء الرجز]: [هذا كتابُ] العُمدةِ ... للذِّكرِ خيرُ عُدّةِ مُشرِّفٌ في مَلإٍ ... مؤنِّسٌ في وَحدةِ [وفي الأخرى] يقولُ -ونَقلتُه من خطِّه أيضًا-[من السريع]: الحمدُ لله على عَوْنِهِ ... في وَضْع هذا الجامع المُختصَرْ ما أعظمَ النفْعَ به لامرئ ... على اطّلاعٍ [ليس فيه] قِصَرْ ورَجَزَ السِّيَرَ رَجْزًا مختصرًا، وسَمّاه "فريدةَ [....] اللآلي"، إلى غير ذلك من مصنّفاتِه. دَخَل ثغرَ مَنُرْقَةَ أسيرًا، فافتَكّه الرئيسُ بها أبو عثمانَ سعيدُ بن حَكَم (١) فاستقَرَّ به إلى أن توفِّي عقِبَ الزّوال من يوم الخميس لثلاثَ عشْرةَ ليلةً بقِيَتْ من ربيع الأول عامَ أحدٍ وثمانينَ وست مئة، ومولدُه لأربعَ عشْرةَ خَلَتْ من ذي الحجة عام ستةٍ وتسعينَ وخمس مئة. ٧٧ - محمدُ (٢) بن أبي الحَسَن الفارِسيُّ، مَرْوَزيٌّ، أبو عبد الله الجَوْهريُّ. تَلا بأصبَهانَ على الصَّفّار (٣) المقرئ. وقَدِمَ الأندَلُسَ ودخَلَ قُرطُبةَ في أوائل جُمادى الآخِرة سنةَ ثلاثَ عشْرةَ وست مئة. وكان حافظًا مجُوِّدًا حسَنَ السَّمت فاضلًا صالحًا.