page 2198, entry [3971]Open original source
٣٤ - عُمرُ بن محمدٍ الهَوّاريُّ، بِجَائيٌّ؛ أبو عليّ، ابنُ ستِّ الناس . كان أديبًا حَسَنَ التصرُّف في نَظْم الكلام ونَثْرِه؛ دخَلَ الأندَلُسَ، واستَكتَبَه أبو [....] (١) ابن زَنّون المترئّسُ بمالَقةَ. ومن شعرِه -ونقَلتُه من خطِّه- والبيتُ الأخيرُ مضمَّن [من الطويل]: إلى كم أقضِّي العيشَ (٢) شَمْلًا مُفرَّقًا ... ونفْسًا مُعَنّاةً وقلبًا مروَّعا ولي كبِدٌ إن مَرَّ ذِكْرُكمُ بها ... شدَدْتُ عليها خيفةً أن تصدَّعا (كأنّا خُلِقنا للنَّوى وكأنّما ... حرامٌ على الأيام أن نتَجمَّعا) وسيأتي له ذكْرٌ في رَسْم أبي يعقوبَ ابن الجَنّانِ، إن شاء الله. ٣٥ - عُمرُ (٣) بن مَوْدود بن عُمرَ الفارسيُّ. كذا نقَلتُ نَسَبَه من خطِّه، وقَلَبَ ابنُ الأبار اسمَه فقال فيه: مَوْدودُ بن عُمَر بن مَوْدود، وذكَرَه في حرفِ الميم (٤)؛ سلماسيٌّ عمَلَ أذْرَبيْجانَ من أبناءِ ملوكِهم، شَرَفُ الدِّين، أبو البَرَكاتِ الفارسيُّ. رَوى بهَمَذانَ عن تقيِّ الدِّين أبي عبد الله محمد بن محمود ابن الحَمّاميّ، وسمعَ الكثيرَ من أبي الحَسَن ابن حَمُّوْيَةِ، وصَحِبَ ببغدادَ شِهابَ الدِّين أبا حفص وأبا عبد الله البَكْريَّ السُّهْرَوَرديَّ وسمعَ منهُ كثيرًا (٥)، وأجاز له أبو الحَسَن مؤيَّدُ بن محمدٍ الطّوسيُّ، وعلاءُ الدِّين السَّرَخْسيُّ لقِيَهُ بمَرْو، وأطال التجوُّلَ في طلبِ العِلم والروايةِ والتفقُّهِ بالعراقِ والشام ومِصرَ. وقَدِمَ الأندَلُسَ وحدَّث بها، فرَوى عنه بها من أهلِها أبو جعفرٍ ابنُ غالب، وأبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ شيخُنا، وأبو يعقوبَ بن إبراهيمَ بن عُقاب (١)، ومن سُكّان مالَقةَ: أبو عبد الله بن عِيَاض، وبَسبْتَةَ أبو العبّاس بن محمدٍ المَوْرُوريُّ. ووَرَدَ مَرّاكُشَ في حدود [خمسٍ وثلاثينَ وست مئة] فأسمَعَ الحديثَ وكتَبَ الرَّقائقَ والتصَوُّف، رَوى عنهُ [جماعةٌ من أهلِها ومنَ] المستوطِنينَ بها من غيرِهم، منهم: آباءُ عبد الله: أبي ﵀، وابنُ يوسُفَ القَلْعيُّ الناسكُ نفَعَ اللهُ به، وقال لي في مجلِس أبي [....] (٢) أباك، وأبو عليّ الحَسَن بن الحَسَن ابن مكسورِ الجَنْب، وأبو المَجْدِ ابن [عَطِيّة]. وحدَّث عنه بالإجازة: أبو عبد الله ابنُ الأبّار. وكان فقيهًا شافعيَّ [المذهب، متصَوِّفًا] شديدَ العُجمة، يَرجِعُ إلى جَوْدةٍ وصحّةِ باطن، وتصحَبُه غَفْلة، وكان [مجلسُ] إسماعِه مَجمَعًا للفقهاءِ وأهل الفضل والصّلاح والخير، وكان قدومُه على مَرّاكُشَ في أيام الرّشيدِ من بني عبد المؤمن، فصُرِفَ إليه وجهُ الاعتناءِ به والتنويهُ، ووالَى برَّه وتكريمَه، وحَظِيَ عندَه حُظوةً تامّةً وأجرَى لهُ ثلاثَ مئة درهم وسبعةَ قناطيرَ ونصفَ قِنطار من الحُوَّارَى (٣) في كلِّ شهر مَرْتبة، سوى ما يتعاهَدُه به من إحسانٍ وكُسًا وهدايا وتُحَف، فتمادَى على ذلك حالُه معَه مُدّةً إلى أن رَفَعَ إليه مقالةً في إثباتِ صنعة الكيمياء، وأنه واصِلٌ قد أدرَكَها علمًا وعملًا، وادَّعى إفادتَه إياها، فقَطَعَ الرّشيدُ عنه ما كان يُجريهِ عليه ثلاثةَ أشهرٍ حتى استَوْحَشَ من ذلك أبو البَركات وأثّر في حالِه، وكان موضعُ سُكناهُ قريبًا من مَسكَن أبي إسحاقَ ابن الحجرِ المذكورِ قبلُ (١)، وكان كبيرَ أطبّاءِ الرّشيد والمُدِلَّ عليه والكثيرَ الخَلْوةِ به، فألقَى إليه أبو البَركاتِ ما نالَهُ من فَقْدِ الجِراية التي كانت تَجري له وجَهِلَ سببَه، فتلطّفَ أبو إسحاقَ ابنُ الحجرِ في إلقاءِ قضيّتِه إلى الرّشيد بعدَ رَصْدِه ساعةَ بَسْطٍ منه، وقال له: يا سيّدي، عبدُكم الغريبُ المُنقطِعُ إلى جانبِكم الفارسيُّ هُو ممّن شملَني وإيّاه نَسَبُ الاغتراب والأَوْيُ إلى كنَفِكم العزيز، وهو معَ ذلك جاري الجُنُب، ذَكَرَ لي ما عِيلَ له صَبْرُه وضاق من أجلِه ذَرْعُه، وذلكم توقُّف ما كان يَجري عليه من إنعامِكم منذُ ثلاثةِ أشهرٍ ولا يعرِفُ موجبَه، فتبسَّم الرّشيدُ وقال له: كيف يكونُ هذا ونحن نرى، وهو أنّا أحوَجُ إليه منه إلينا، فأكبَرَ ابنُ الحجرِ هذا الجوابَ، وقال: معاذَ الله يا سيّدي، وأنّى يُمكنُ هذا؟ فرَفَعَ الرّشيدُ طَرَفَ بِساطِه الذي كان جالسًا عليه، وأخرَجَ من تحتِه مقالةَ أبي البركاتِ في صَنْعةِ الكيمياء، وقال له: من وَصَلَ إلى هذا العلم أو هذا العمل فالملوكُ مُفتقِرونَ إليه، فلمّا وقَفَ ابنُ الحجرِ على بعضِ مضمَّنِها سُقِطَ في يدِه ولم يُحرِ جوابًا إلّا [بالاعتذارِ عنه] بضعفِ العقل وسُوءِ التدبير، واختلالِ الذِّهن وفسادِ النظر، [وتلطَّفَ في] استعطافِ الرَّشيدِ له والرغبةِ لهُ في إعادةِ ما كان يُجري [عليه من إنعامِه] فأسعَفَه في ذلك وقَضَاهُ جميعَ ما فاتَه منهُ في الأشهُرِ [السابقة، وأنحَى عليه ابنُ] الحجر باللَّوم الشديدِ وتقبيح هذا المَأْخَذ معَ سُفهاءِ المسلمينَ [وخُبَثاءِ] المُحتالين، فكيف يقابلُ به الملوك؟ ونَدِم أبو البرَكاتِ على ما كان منه. [ثم عاد] ورَفعَ له أيضًا مقالةً أخرى سَمّاها (الأوتارَ والأشفاع) أودَعَها [ذكْرَ النبيِّ]ﷺ والخُلفاءِ من الصّحابةِ ومُعظم مَن بعدَهم ممّن شُهِرَ بالخلافةِ إلى زمانِ الرّشيد، وقضَى بتمكينِ سعادةِ الأوتار ونَقْصِها أو فَقْدِها في الأشفاع، وتمَلَّقَ بذلك إلى كونِ الرَّشيدِ وتْرًا، فهو كاملُ السَّعد، تَكثُرُ على يدَيْهِ الفتوحات، وتتّسعُ مملكتُه في المعمور، ولم يَستحسِنْ أحدٌ هذه المقالة، ولا حُمِدَ منهُ وضعُه إيّاها؛ لِما اشتَملَتْ عليه من التهاتُرِ والتناقض، وعَدِّ بعضِ الأوتار أشفاعًا وبعضِ الأشفاع أوتارًا، إلى خُلوِّها من فائدةٍ يُحرَصُ عليها ويُرغَبُ فيها، ولم يَحسُن موقعُها معَ ذلك من الرّشيدِ الذي رُفِعتْ إليه؛ لذِكرِ بعض سَلَفِه فيها بما لا يَستسيغُ عاقلٌ سَماعَ مثلِهم، ثم إنّ الوجوهَ ذاكَرَتْه في كلِّ ما نَسَبَه إلى الرّشيدِ من تأتّي الفُتوح في أيامِه وبَسْطِ مملكتِه وطُولِ عُمُرِه، فقُبِضَ الرّشيدُ غريقًا في جُمادى الأولى سنةَ أربعينَ وست مئة ابنَ ستٍّ وعشرينَ سنة، وكانت أيامُه تسعَ سنين ونحوَ نصفِ سنةٍ (١) معظمُها في هَرَج وغلاءٍ مُفرط وفتنٍ مُظلمة وأهوال لا قِبَلَ لأحدٍ بها إلا بعضَ سنين أواخِر العَشْرِ التي توفِّي بها، ولم يَعدَم معَ ذلك تكريمًا منهُ وتعظيمًا عندَ الخاصّةِ والعامّة من أهل مَرّاكُشَ إلى أن توفِّي بها ليلةَ الجُمُعة ودُفنَ من الغدِ إثرَ صَلاتِها، وذلك في العَشْر الأُوَل من شهر ربيعٍ الآخِر سنةَ تسعٍ وثلاثينَ وست مئة بجَبّانةِ باب نَفِيس، وشَهِد جَنازتَه خَلْقٌ لا يُحصَوْنَ كثرةً وأتبَعوهُ ثناءً صالحًا وذكرًا جميلًا، وقال ابنُ الأبّارِ في غير "تكملتِه" (١): إنه توفِّي بعدَ الأربعينَ، ولم يضبِطْه (٢). ٣٦ - عِمرانُ (٣) بن موسى بن مَيْمونٍ الهَوّاريُّ؛ سَلَويٌّ، أبو موسى. رَوى عن أبي الحَجّاج ابن الشّيخ، وأبي الحَسَن ابن النَّقِرات، وأبي ذَرّ ابن أبي رُكَب، وآباءِ عبد الله: ابني الإبراهيمَيْنِ: [ابن البَقّار] , وابن الفَخّار، وابن جابِر بن يحيى بن ذي النُّون، وابن [....] وابنَيْ عبدَي الرحمن: التُّجِيبيِّ، ورُكن الدِّين، وابن عليّ الفَنْدَلاويّ، [وأبي القاسم بن عبد] الوَدُود بن سَمَجُون، وأبوَيْ محمد: الحَجريَّ وابن حَوْطِ الله. حدّثنا عنه [أبو بكر بنُ] يَربُوع، وأبو عبد الله بن خَمِيس، وأبو محمد قاسمُ بن أحمدَ بن السّكوت. [وكان مُفسِّرًا حا] فظًا مُستبحِرًا في ذكْرِ المسائل ومعرفةِ النّوازل والإشراف على [اللّغاتِ والآ] داب، ممتِعَ المجالسة، طريفَ النّوادر، متقدِّمًا في النّحو، ذا حظٍّ من قَرْض [الشِّعر] تَعرِضُ له أحيانًا غفلةٌ تصدُرُ عنه بها مُضحِكات؛ وأقرَأَ ببلدِه وبمالَقةَ ومَرّاكُشَ وغيرِها؛ واستُقضيَ ببلدِه وخَطَب بآنفا، وأُراه استُقضيَ به. وتوفِّي سنةَ ثمانٍ وأربعينَ وست مئةٍ وقد نَيَّف على التِّسعين. ٣٧ - عَيّاشُ (١) بن أُجَيْل -بضمِّ الهمزة وجيم، كأنه تصغيرُ أجَل- الرُّعَيْنيُّ، مِصريٌّ. رَوى عن سَعِيد بن المسيِّب، ومعاويةَ بن حُدَيْج؛ وكان على شُرطة موسى بن نُصيرٍ، وأجاز معَه إلى الأندَلُس، ووَلِيَ البحرَ زمَنَ بني أُميّة، وقَدِمَ بالسُّفُن من الأندَلُس إلى إفريقيَّة سنةَ مئة. ٣٨ - عِيَاضُ (١) بن عُقْبةَ بن نافِع بن عبد القَيْس بن لَقِيط بن عامِر بن أُميَّة بن الضّربِ بن الحارِث بن فِهر بن مالكِ بن النَّضْر بن كِنَانةَ الفِهْريُّ؛ مِصريٌّ، أبو يحيى. رَوى عنه أخوه أبو عُبَيدةَ مُرَّة، وإسحاقُ بنُ أبي مَرْوةَ، ويزيدُ بن أبي حَبِيب. دَخَلَ الأندَلُسَ معَ موسى بن نُصيْر، وكان من عِباد الله الصّالحين، ولمّا غَنِمَ المسلمونَ غَلُّوا غُلولًا لم يُسمَعْ مثلُه، قال عبدُ الله بن لَهِيعةَ: لم يَسلمْ من الغُلول يومَئذٍ إلّا [أبو] عبد الرحمن الحُبليُّ وابنُ شماسةَ الأكبر، وحَنَشٌ الصَّنْعانيّ، وعِياضُ بن عُقْبةَ بن نافِع الفِهرِيّ. توفِّي سنةَ مئة. ٣٩ - عِيَاضُ (٢) بن محمد بن عِيَاض بن موسى بن عِيَاض بن عُمرَ بن موسى بن عِيَاض بن محمد بن موسى بن عِيَاض اليَحْصُبيُّ، سَبْتيٌّ بَسْطيُّ الأصل، سَكنَ مالَقةَ، أبو الفَضْل. رَوى بسَبْتةَ عن أبيه، وأبي بكر بن بِيبَش، وأبي عبد الله بن حَمِيد، وأبي عَمْرٍو مُرَجَّى بن يونُس، وأبي القاسم بن حُبَيْش، وأبي محمدٍ الحَجْريّ -وأكثَرَ عنه- وبقُرطُبةَ عن أبي القاسم ابن بَشْكُوال. رَوى عنه أبو عبدِ الله ابنُه، والتُجِيبيُّ، وأبو العبّاس ابنُ فَرْتون. وكان محدِّثًا راويةً، ثقةً شديدَ العناية بشأنِ الرّواية ولقاءِ حَمَلةِ العلم، فقيهًا حافظًا شهيرَ التعيُّن والحَسَب، من بيتِ علم وجَلالة، حَسَنَ الخُلُق كريمَ الطِّباع طيِّبَ النَّفْس، متبرِّعًا بقضاءِ حوائج الناس، متواضعًا معظَّمًا عند كلِّ مَن يَلقاه، مَهِيبًا مِقْدامًا، فصيحَ اللِّسان، يرغَبُ الملوكُ [في الاستماع إليه]. قال أبو عبد الله بنُ عَسْكر (١): لمّا تزوَّجتُ كان في نَفْسي [أن لا أستدعيَه إلّا في يوم الإطعام] وأكبَرتُ استدعاءه يومَ الذَّبح؛ لكونِه يومَ مِهنةٍ وتعب، [فبينَما أنا أتصرَّفُ في] أسبابِ ما كنتُ بصَدَدِه قُرع البابُ، فأذِنتُ في فتحِه، فإذا أبو الفَضل [يَدخُلُ عاتبًا] عليّ وقائلًا: ما كنتُ أظُنُّ منكَ هذا، هلّا استدعيتَني حتّى [أتصرَّفَ في جُملةِ من يتَصرَّف؟] فخَجِلتُ منه واعتَذرْتُ إليه بإجلالِه عن إحضاره لمثل هذه [الأشياء، فقال: لا عليكَ] الموضِعُ موضِعي، وسواءٌ استُدعِيتُ أم لم أُستَدْعَ، فشَكرتُه على [تواضُعِه وعلوِّ] قَدْرِه وجميل عِشرتِه. وُلد بسَبْتَةَ لإحدى عشْرةَ ليلةً بقِيت من المحرَّم إحدى وستينَ وخمس مئة، وتوفِّي بمالَقةَ في العَشْر الوُسَط من جُمادى الآخِرة سنةَ ثلاثينَ وست مئة.