page 1972, entry [3695]Open original source
١٠٧٤ - محمدُ بن عبد الملِك بن خِنْدِف العَتكيُّ، تُدْمِيريٌّ، أبو عبد الله . رَوى عن أبي عبد الله محمدٍ الرُّشَاطيِّ، حدَّث عنه بالإجازة أبو عُمرَ عبدُ الرّحمن بن أبي محمد بن حَوْطِ الله. ١٠٧٥ - محمدُ (٣) بن عبد الملِك بن أبي يحيى زكريّا، قُرطُبيٌّ، أبو بكر. سَمِعَ من أبي الحَسَن الأنطاكيِّ وغيرِه. حدَّث عنه ابنُ عبد السّلام. وكان رجُلًا فاضلًا صالحًا، إمامًا في صلاةِ الفريضةِ بمسجدِه. ١٠٧٦ - محمدُ (١) بن عبد الملِك بن زُهْرٍ ابن الحاجِّ عبد الملِك بن محمدِ بن مَرْوانَ بن عبد الملِك بن خَلَف بن عبد الله بن زُهْرِ بن عيسى بن عبد الملِك بن دُعْمِيِّ بن جَرِيرِ بن مالكِ بن عبد الله بن عُبَادِ بن سَلَام بن مالكِ بن عبد هُبَلَ بن مالكِ بن لَخْم بن قَنَصِ بن مَنَعةَ بن بَرْجانَ بن الدَّوْسِ بن الدّيل بن أُميّةَ بن حُذَافةَ ابن زُهْرِ بن إيادِ [بن نزار] (٢) بنِ مَعَدِّ بن عدنانَ الإيَاديُّ، إشبِيليٌّ، أبو بكر الحَفيدُ. رَوى عن أبي بكرٍ عاصِم النَّحْويِّ البَطَلْيَوْسيِّ وتأدَّب به في العربيّة، ورَوى عن شُيوخ بلدِه والوافدينَ عليه، وأخَذ عن أَبيه أبي مَرْوانَ، وعن جَدِّهِ أبي العلاءِ عِلمَ الطِّبّ؛ وكان أحدَ رُؤساءِ الأندَلُس ومنِ انتهَى إليه السُّؤدَدُ منهم، ذا مناقبَ جَليلة [١٦٠ ب] وخِصَالٍ جميلة، صارمًا أبِيًّا عزيزَ الجانبِ منيعَ الحِمى، أديبًا بارعًا حافظًا للحديثِ والفقه والآدابِ واللُّغة، إمامًا فيها، ماهرًا في الطِّبّ حاذقًا بالعلاج موفَّقًا فيه، لم يكنْ في أطباءِ زمانِه مَن يتقَدَّمُه، سُلطانيَّ الطِّباع، سَمْحًا جَوَادًا عظيمَ الجِدَةِ والإيثار، متواضِعًا على شَرَفِه، مُرْبِيًا بفَضْل خُلُقِه على فضائلِ سَلَفِه، يطبُّ النَّاسَ حِسْبةً، ويُعطيهم من قِبَلِه الأدويةَ العزيزةَ الوجودِ تبرُّعًا طَيِّبَ النَّفْس بها، تَفُوقُ مطاياهُ مطايا ملوكِ عصرِه، وعُمِّر طويلًا، وأدرَكَه هَرَمٌ وثِقَلُ سَمَعٍ وضَعْفُ بَصَر، وحُفِظَ عليه فَهْمُه وثقوبُ ذِهنِه وحُسنُ تصوُّرِه وبَراعةُ بيانِه، فكان يَصدُرُ عنه من ذلك في حالِ كَبْرتِه ما يَعجَزُ عنه الأذكياءُ من شُبّانِ زمانِه وكهولِهم. ومما اشتُهِرَ به حِفظُ "صحيح البخاريِّ" إسنادًا ومَتْنًا، وكتابِ "النَّبات" لأبي حنيفةَ. وكان أوّلَ طلَبِه ألزَمَه أبوهُ موضِعًا من دارِه وبَناهُ عليه، ولم يُتْرَكْ منه إلا موضعٌ يُدخَلُ منه الطّعامُ والشّرابُ إليه، وأقسَمَ إلّا يُخرجَه منه حتى يَستظهِرَ كتابَ "حِيلةِ البُرْءِ" لجالينوس، فلم يمُرَّ عليه إلّا أمدٌ قليلٌ حتى فَرَغَ من حِفظِه، وشفَعَه بـ"تشريحِ جالينوسَ الكبير". وكان بارعَ النَّظْم فائقَ التوليدِ والاختراع، بَذَّ أهلَ زمانِه في النَّظم الذي اختَصَّ أهلُ الأندَلُس باختراعِه المعروفِ بالتوشيح، لا يُقاومُه أحدٌ من أهل الأندَلُس في ذلك كلِّه عندَهم؛ وكان معظَّمًا عند ملوكِ عصرِه من آلِ عبد المُؤْمن، مقبولَ الشَّفاعةِ عندَهم، حَظِيَّ المكانةِ لديهم، مكرَّمَ الوِفاداتِ عليهم. واستَقْضاهُ أبو يعقوبَ منهم في محِلّتِه عامَ فَتْح غُمارةَ، وهو عامُ ثلاثةٍ وستّينَ وخمسِ مئة، وفَتْح جبل الكوكَبِ يومَ (١)، فكان يُدعَى حينئذٍ قاضيَ الجماعة، وهو كان الناظرَ في إتمام بناءِ جامع إشبيلِيَةَ الأعظم، طهَّرَه الله، حتّى كَمُلَ حسبَما رَسَمَه لهُ المنصورُ أبو يوسُفَ يعقوبُ بن يوسُف بن عبد المُؤْمن، وكان في بعضِ وِفاداتِه على مَرّاكُشَ قد طال مقامُه بها، فحَنَّ إلى بلدِه واشتاقَ إلى أهلِه، فكتَبَ إلى أبي حَفْص بن عبد المُؤْمن [المتقارب]: [١٦١ أ] ولي واحدٌ مثلُ فَرْخِ القَطَا ... صغيرٌ تَخَلَّفْتُ قلبي لديْهِ نأَتْ عنهُ داري فيا وَحْشَتا ... لذاكَ الشُّخَيْصِ وذاك الوُجَيْهِ تشَوَّقَني وتشوَّقْتُهُ ... فيبكي عليّ وأبكي عليهِ وقد تعِبَ الشّوقُ ما بينَنا ... فمنهُ إليَّ ومنّي إليهِ فبَلَغَتْ أَبا يعقوبَ بنَ عبد المُؤْمن فأمَرَ بصَرْفِه إلى إشبيلِيَةَ. وقد جَرى له ذكْرٌ في رَسْم جَدِّه زُهْر. وقَحَطَ فَصْلُ الشتاءِ عامَ أربعةٍ وتسعينَ وخمس مئة، ثم تَوالَى المطرُ في فصل الصَّيف، فكثُرَ الوَبَاءُ في الناسِ، فقال [من الطويل]: أيُقحِطُ مَشتانا ويُمطرُ صيفُنا؟! ... لقد صارتِ البُؤْسَى بديلًا من النُّعْمى أرى ديمةً في جَمْرةِ القَيْظِ أغدَقَتْ ... كما يُغدِقُ المحمومُ من صالبِ الحُمَّى لقد جاد صَوْبُ المُزنِ في غيرِ وقتِهِ ... حُرِمْناهُ دِرْياقًا ونُمْنَحُهُ سمّا وما القَطْرُ إلّا كالصّديقِ إذا انثَنى ... عدوًّا فلا بُقْيا لديهِ ولا رُحمَى كذا تقتضي أعمالُنا السوءَ، إنّني ... لأخشَى عِقابًا شرُّه يَشْمَلُ الدَّهْما فيا أيّها النَّاسُ اتَّقوا الله وافزَعوا ... إليه وإلّا فاحذَروا النَّقْمَةَ العُظمى وتوبوا له واستغفِروهُ وأخلِصوا ... لِما كان من تفريطِكُم، توبةً عَزْما وأكثرُ تأنيبي لنَفْسي لأنّني ... قَتلتُ الذي قد كان من شرِّها عِلما فيا ربَّنا عفوًا وصَفْحًا ورحمةً ... فقد طالما عوَّدْتَنا الرِّفقَ والحِلما رجَوْناكَ لا نَرجو سِواكَ وحسبُنا ... رجاءٌ وإخلاصٌ نفُزْ بهما قَسْما (١) وقال، وبلَغَ تسعًا وثمانينَ سنةً يَندُبُ نَفْسَه، وَيدعو إلى الله في المَتاب والتجاوزِ عنه يومَ المرَدِّ إليه والمآب [البسيط]: عُمْرٌ قصيرٌ ودُنيا كلُّها غَررُ ... والعيشُ في نكَدٍ والموتُ مُنتظَرُ وكلُّ نفْسٍ لها من حَتْفِها رَصَدٌ ... ليس الفِرارُ بمُنجيها ولا الحَذَرُ والموتُ لا بدَّ منهُ فاستعِدَّ لهُ ... وبعدَهُ جَنّةُ الفِردَوْسِ أو سَقَرُ فاختَرْ لنفسِك ما ترجو النّجاةَ بهِ ... وانظُرْ لها قبلَ أنْ يفوتَكَ النَّظرُ دع فانيًا والتمِسْ ما لا فناءَ لهُ ... إن كنتَ تعلَمُ ما تأتي وما تَذَرُ [١٦١ ب] ولا تغُرَّنَّكَ الدّنيا وزُخْرُفُها ... عن المَعادِ هناك الشأنُ والخبَرُ وهذه الدارُ دارٌ لا خَلاقَ لها ... وجودُها عَدَمٌ وصَفْوُها كَدرُ والناسُ منها على خوفٍ وفي غَرَرٍ ... محُبَّبُ الناسِ ذاك الخَوْفُ والغَرَرُ وهمْ على غفلةٍ ممّا لهُ خُلِقوا ... مثلُ البهائم إلا أنهمْ بشَرُ عَمُوا وصَمّوا عن الأمرِ المرادِ بهمْ ... حتّى كأنْ مال همْ سَمْعٌ ولا بصَرُ وما أُبرِّيُّ نَفْسي إذِ ألومُهمُ ... فكلُّنا وازرٌ، وساءَ ما نَزِرُ إنّي لَأعظمُهمْ جُرْمًا وأثقَلُهمْ ... حِمْلًا، وما ليَ من عُذرٍ فأعتذرُ لكنْ رجَوْتُ وأرجو عفوَ ذي كرمٍ ... ورحمةٍ في يدَيْه النفْعُ والضَّرَرُ والعُمْرُفي كلِّ يومٍ قَطْعُ مرحلةٍ ... في إثرِ مرحلةٍ كأنهُ سفَرُ تَحْدو بنا وتَسُوقُ غيرَ وانيةٍ ... إلى مَصارعِنا الآصالُ والبُكَرُ وكلُّ ذَنْبٍ فإنَّ الله يغفِرُهُ ... إن شاء، والشِّركُ ذنبٌ ليس يُغتفَرُ جُزتُ الثمانينَ زادت تسعةً كُمُلًا ... يَا ليتَ شِعريَ ماذا بعدُ أنتظرُ! فوحِّدِ اللهَ لا تُشرِكْ به أحدًا ... أللهُ لا ملجَأ منهُ ولا وَزَرُ وفرَّ منهُ إليه ربّما وعسى ... واعمَلْ بطاعتِهِ ما ساعَدَ العُمُرُ ليس النَّجاةُ بأعمالٍ وإن حَسُنتْ ... بل رحمةُ الله مَنْجاةٌ ومُدَّخَرُ يا وَيْلَتا من ذنوبٍ جَرَّها قَدَرٌ ... فلم أُطِقْ ردَّ شيءٍ جَرَّهُ القَدَرُ يَا وَيْلَتا من ذنوبٍ إن تكنْ كثُرتْ ... فإنّها عندَ رَبِّ العرشِ تُحتقرُ سبحانَ مَنْ هُو لا تُحصَى محامِدُهُ ... ولا تُحيطُ به الأوهامُ والفِكَرُ سبحانَ من سبَّحتْ له السماءُ وما ... فيها وما تحتَها والشمسُ والقمرُ وهذا من الشِّعرِ الرائق الذي لا يتَعاطَى مثلَه إلا المُجِيدونَ من الشُّعراء، المتقدِّمونَ في حَلَبةِ البُلَغاء. وقال يَصِفُ حالَ الكَبْرة، ويَستدعي بذلك إلى التأمُّلِ والعِبرة [مجزوء الوافر]: إذا ما شاخَ إنسانٌ ... فإنّ وجودَهُ عَدَمُ وذاك لأنهُ أبدًا ... زَمينٌ ما (١) به سَقَمُ ويَعزُبُ عقلُهُ عنهُ ... ولم يُلمِمْ به لَممُ ونصفُ أصمَّ نصفُ عَمٍ ... وليس عمًى ولا صمَمُ [١٦٢ أ] وتُرعِشُ كفُّه فيَزِلُّ ... عنها السَّيفُ والقلمُ وتعجَزُ رِجلُهُ عن حَمْـ ... ـلِهِ فقيامُهُ ألم على المَنْساةِ عُمْدَتُهُ ... يَلُوذُ بها ويَعتصمُ فلا سَمْعٌ ولا بصَرٌ ... ولا كَفٌّ ولا قدَمُ ولا عقلٌ يعيشُ بهِ ... كذلك يفعَلُ الهَرَمُ ألا يا معشرَ الشّبّا ... نِ كنّا أمسِ مثلَكمُ ولكنْ نال منّا الدَّهـ ... ـرُ ما يُبْقيه عندَكمُ فإنْ عِشتُمْ كما عِشنا ... سينزِلُ ما بنا بكُمُ ويا شُبّانُ من لكُمُ ... بسِنِّ الشَّيبِ من لكُمُ على هذا مضَتْ [في] سُبْـ .... ـلِها الأيامُ والأُمَمُ فيا أسَفا على عُمُرٍ ... مضَى وكأنّهُ حُلُمُ وبعَثَ بها إلى الزاهدِ الفاضل أبي عِمرانَ موسى، الآتي ذكْرُه بموضعِه من ذا الكتابِ إن شاء الله، فزاد أثناءها بيتًا بعد قولِه (٢): ويُدرِكُهُ على ما كا ... نَ من تفريطِهِ النَّدَمُ وذَيَّلَها بسبعةِ أبيات وهي: ويا أسفا على التفريـ ... ـطِ والأيامُ تَنصَرمُ وما في العُمْرِ فيه صا ... لحُ الأعمالِ تُغْتَنمُ وُيستعتَبُ مَن زَلَّتْ ... بهِ فيما مضَى القَدُم ويُستدرَكُ فيه التَّو ... بُ والإقلاع والنَّدمُ فبالتّوبةِ والإقلا ... ع يُرْجى الصَّفحُ والكرَمُ وما للمرءِ والدُّنيا ... يَلوذُ بها ويُخترَمُ وتقوى الله أوْلَى ما ... يُلاذُ به ويُحترَمُ وكانت له وِفاداتٌ على مَرّاكُش، فقَدِمَها في ذي القَعْدة عامَ خمسةٍ وتسعينَ وبه شَكاةٌ عرَضَتْ له في الطّريق إليها، فتوفِّي هو وبنتُ أُختِه غُدوةَ يوم الخميس لتسع بَقِينَ من ذي الحجّة من السَّنة، [١٦٢ ب] وصَلّى عليه الناصرُ أبو عبد الله، وكان حينَ توفِّي ابنَ إحدى وتسعينَ سنةً، وقيل: إنَّ مولدَه سنةَ سبع وخمسِ مئة.