page 498, entry [446]Open original source
٤١٦ - أحمدُ بن عليّ بن محمدِ بن موسى الفِهْري، قُرطُبيُّ فيما أظَنُّ، أبو العبّاس . رَوى عن أبي بكر بن خَيْر، وأبَوي القاسم: خَلَف بن عبد الملكِ بن بَشْكُوال وأكثَرَ عنه، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عَمار. وكان من أهل العناية بالرِّواية فقيهًا عارِفاً بنَوازلِ الأحكام واستُقضِي. ٤١٧ - أحمدُ (٤) بن عليّ بن محمد بن هارونَ بن خَلَف بن هارون السُّمَاتي، إشبيليّ، تُرجاليُّ الأصل، نزَلَ مَرّاكُشَ، أبو العبّاس، ابنُ هارون. من بيتِ هارونَ بن مَيْسَرةَ بن عبد الله، وسُماتُ الذي يُنسَبُ هو إليه يقال: هو سُومات بن يطفت بن يفجاون بن لوا الكبير ابن زجيج بن مادغس بن جر بن سقفو بن أبدح بن وليل بن كراطَ بن يام بن يرمَ بن ماش بن آدمَ بن يام بن حام بن نُوح النبيّ صلى الله على نبيِّنا وعليه وسلم. رَوى عن أبيه، وآباء محمد: ابن أحمدَ بن جُمْهُورٍ جَدِّه لأُمِّه وابن سُليمان بن حَوْطِ الله وعبدِ المُنعم بنَ محمد ابن الفَرَس، وأبي إسحاقَ بن خلَفَ السِّنْهُوُريِّ وأبي بكرِ عَتِيق بن عليّ بن قَنْتَرال، وأبي الحَسَن بن محمد بن خَرُوف النَّحْوي، وأبي ذَرٍّ مصعَب بن أبي رُكَب، وأبي عَمْرٍو بكرِ المُسفر، وأبوَي القاسم: الأحمدَيْنِ: ابن عبد الوَدُود بن سَمَجُون وابن يَزيدَ بن بَقِيّ، وأبي يحيى أبو (١) بكر بن عيسى، أخَذَ عنهم بينَ سَماع وقراءةٍ وأجازوا له. وقرَأ على أبي بكر بن طلحةَ، وذَكَرَ أنه لم يُجِزْ له، وعلى أبي الحَسَن بن عبد الله ابن آمِنة، وأبي الحَجّاج بن الفَتْح الباجِي وتدَبَّجَ معَه، وأبي الحَكَم (٢) بن عبد الرحمن بن نُعمان، وأبي عبد الله بن عبد الكريم ابن الكَتّاني، وآباءِ العبّاس: ابن عليّ اللَّخْمي المتصَوّف وابن محمد المَخْزومي ابن النّجّار وابن محمد بن مُفرِّج النّباتي، وأبي عيسى يوسُفَ بن عيسى الشَّرِيشي، وأبي كامل تَمّام بن غالب، وأبي الوليد إسماعيلَ بن إبراهيمَ ابن (٣) الأديب، ولم يَذكُرْ أنهم أجازوا له، ولقِيَ أبا يحيى بن محمد بن حِصْن (٤)، وأبا جعفر بنَ عليّ بن عَوْن الله الحَصّار، وأبا الخَطّاب أحمدَ بن واجِب، وأبوَيْ عبد الله: ابن إسماعيلَ بن خَلْفُون وابن عبد الملكِ بن نسرةَ، وأبا العبّاس بن عليّ بن ثابت، وأجازوا له. وكتَبَ إليه مجُيزًا ولم يلقَهُ: أبو إسحاقَ بن حَسَن الشطاطي (١)، وأبو الصَّبر أيوبُ الفِهْري، وأبو القاسم محمدُ بن عليّ ابن (٢) البراق، وأبو محمد بن محمد التادَليُّ. وأجاز له ولم يَذكُرْ لُقياه: إياه أبو جعفر بنُ محمد بن يحيى. ومن شيوخِه غيرَ من سَمَّى ممّن لم أتحقَّقْ كيفيَّة حَمْلِه عنهم: أبو أُميَّة إسماعيلُ بن سَعْد السُّعود بن عُفَيرْ، وأبو بكر بن عبد الملكِ بن زُهْر، وأبو جعفر بن عبد الرحمن بن مَضًاء، وأبو الحَجّاج بن عبد الصّمد بن نَمُوي، وابنُ اختِ ابن وَهْبونَ، كذا ذكَرَه، والذي أعرِفُ الآنَ يوسُفَ بن إبراهيم بن عبد العزيز بن وَهْبون الكَلاعيَّ، ولعلّه هذا ونُسِب إلى خالِه، فكثيرًا ما يوجَدُ مثلُ هذا كبني أُبَيّ وغيرِهم، وأبو الحَكَم (٣) بن حَجّاج، وأبو الرَّبيع بن موسى بن سالم، وأبو زيد بن يَخْلفْتن الفًازًازي، وآباءُ العباس: ابن جعفرٍ الرُّعَيْنيُّ اللَّبْليُّ، وابنُ محمد العَزَفي، وابن (٤) الأصفَر، وأبو الفَضْل العبّاسُ بن عبد العزيز ابن الغَرابِيلي، وأبو المتوكِّل الهيْثمُ، وأبو نَصْر الطُّفَيْلُ بن أبي الحَسَن محمد بن عظيمة (٥)، وأبو يعقوبَ (٦) التّادَلي. رَوى عنه من كبارِ أصحابِه المعدودِينَ في شيوخِه: أبو الحَجّاج بن الفَتْح الباجِيُّ المذكورُ وتدَبَّجا، وأبو عبد الله بنُ أحمدَ الرُّنْدي. وكان أحدَ شُيوخ أهل العلم، عُنيَ طويلًا برواية الحديث ولقاءِ حمَلتِه بإشبيِلِيَةَ وغيرها من بلاد الأندَلُس وبسَبْتةَ وفاسَ ومَرّاكُشَ وغيرِها من مُدُن العُدْوة، وكثُرَ تهمُّمُه بتقييدِ العلم وتخليدِ التواريخ، وكتَبَ بخطِّه الكثيرَ الجيِّد من الدّواوينِ الكبار والدّفاتر الصِّغار، وقَطَعَ في ذلك عُمُرَه الممتدَّ وتخلَّف من ذلك أحمالًا من التصانيف الكبار والصّغار والتعاليق والفوائد شَهِدت بطُول إكبابِه على خدمة العلم وإن كانت تشتملُ على أوهامٍ عَثَرْتُ على كثيرٍ من ذلك فيها. وكان معَ ذلك فقيهًا حافظًا، عاقدًا للشّروط بصيرًا بها، مُبرِّزًا في المعرِفة بعِلَلِها والضّبط لأحكامِها، ذاهبًا في كَتْبِها إلى الاختصار، معَ جَوْدة إحكام عقودِها ومتعلِّقاتِ ما تقتضيه، أدركتُه وعاينْتُه بدُكّانِ انتصابِه لعَقْد الشّروط وبغيرِها، شيخًا نقيَّ الشَّيبة حسَنَ القَدِّ نظيفَ الملبَس وَقُورًا، أجَلَّ كبارِ العاقِدينَ للشّروط بمَرّاكُش والمقدَّمينَ في العدالة بها مُكبَّرًا عند الخاصّة والعامّة معروفَ القَدْر والجلالة عند القُضاة والرّؤساء مُستمرَّ الحال على ذلك إلى أن توفِّي ﵀ بها في منتصَف ذي قَعْدةٍ من عام تسعةٍ وأربعينَ وست مئة وقد ناهَزَ الثمانينَ أو أرْبَى عليها. ٤١٨ - أحمدُ (١) بن عليّ بن محمد بن يَخلُفَ الأنصاري، أبو جعفر. رَوى عن أبي الحَسَن عبد الرحيم بن قاسم الحِجَاري، وكان مُقرئًا مجوِّدًا نَحْويًّا ماهرًا. ٤١٩ - أحمدُ (٢) بن عليّ بن محمد الأنصاريّ الأَوْسيّ، قُرْطُبيّ، سكَنَ باغُه (٣) وأصلُه من وادي آش، أبو جعفر. رَوى عن أبي إسحاقَ بن عبد الملكِ بن طَلْحةَ، وأبي بكر بن سَمَجُون، وأبي بحرٍ عليّ بن جامِع، وأبي القاسم خَلَف بن عبد الملكِ بن بَشْكُوال. رَوى عنه أبو القاسم القاسمُ بن محمد ابن الطَّيْلَسان. وكان محدِّثًا حافظًا للقرآنِ العظيم كثيرَ التلاوة له ديِّنًا فاضلًا، أديبًا ذاكرًا، يَستظهِرُ "أماليَ" أبي علي القالي، وكثيرًا من الأشعار، وكتَبَ الآدابَ، معَ العفاف والنَّزاهة والشُّهرة بالصّلاح والعدالة. وتوفِّي في أواخرِ ستّةٍ أو أوائل سبعة وست مئة، ودُفن خارجَ باب عامر أحدِ أبواب قُرْطُبة. قرأتُ على شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعَيْنيِّ ﵀ وأراني مثالَ النَّعل النَّبويّة وحَذاً لي عليه، قال: أخبَرني الراوِيةُ أبو القاسم القاسمُ بن محمد بن الطَّيْلَسان وأراني مثالَ النَّعل النَّبَويّة وحَذاً لي عليه، قال: أخبرنا الإمامُ أبو جعفرٍ أحمدُ بن عليّ الأَوْسيُّ ﵀ قراءةً منّي عليه وحَذَوْتُ هذا المثالَ على مقدارِ نَعْل كان عندَه ناوَلَنيه وقال لي: أخبرنا الإمامُ أبو القاسم خَلَفُ بن عبد الملِك بن بَشْكُوال قراءةً منّي عليه ودفَعَ إليّ مثالَ نَعْل كان عندَه فحَذَوْتُ عليه ونقَلتُ هذا منه وقال لي: أخبَرَني الإمامُ أبو بكر ابنُ العَرَبي وحَذَوتُ على مقدار نَعْل كان عندَه، قال: حدثنا أبو القاسم مكِّيُّ بن عبد السلام بن الحَسَن الرُّمَيْليُّ لفظًا وحَذَوْتُ على مثلِ نَعْل كان عندَه، قال: حدّثنا أبو زكريّا عبدُ الرحيم بنُ أحمدَ بن نَصْر بن إسحاقَ البُخاريُّ الحافظُ بمِصرَ لفظًا وحَذَوتُ على مثالِه، قال: قال لي محمدُ بن الحَسَن (١) الفارِسيُّ: حَذَوْتُ هذه النَّعلَ على مقدارٍ نَعْلٍ كانت عند محمد بن جعفر التَّميمي، وذَكَرَ أنه حَذًا على نَعْلٍ كانت لأبي سعيدٍ عبدِ الرحمن بن محمد بن عبد الله بمكّة، أخبرنا إبراهيمُ بن سَهْل الشَّيْبيُّ (٢) أبو يحيى بنُ أبي مسَرّةَ، أخبرنا ابنُ أبي (٣) أُوَيْس إسماعيلُ بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن أبي أُوَيْس، عن مالك بن أبي عامرٍ الأصبَحيّ، قال: كانت نَعْلُ رسُولِ الله ﷺ التي حَذَيْتُ هذه النَّعلَ على مِثالهِا عندَ إسماعيلَ بن إبراهيمَ بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي رَبيعةَ المَخْزُوميِّ، قال إسماعيلُ: فأمرَ أبي أبو أُوَيْس فحَذًا هذه النَّعلَ على نَعْلِ رسُول الله ﷺ سواءً ولها قِبالانِ في موضعَي النُّقطتَيْن، قال إسماعيل: وإنّما صارتْ نَعُل رسُول الله ﷺ إلى إسماعيلَ بن إبراهيمَ فيما بَلَغَنا ممّن نثِقُ به أنها كانت عندَ عائشةَ ﵂ زَوْجِ النبيِّ ﵂، ثُم صارت من قِبَلِ عائشةَ إلى أُختِها أُمّ كُلثوم بنتِ أبي بكرِ الصِّدّيق ﵄، وكانت أُمُّ كلثوم عندَ طلحةَ بن عُبَيد الله بن عُمرَ بن كَعْب بن سَعْد بن تَيْم، فقُتلَ يومَ الجَمَل فخَلَفَ على أُمّ كلثوم عبدُ الله بنُ عبد الرحمن بن أبي رَبيعةَ المَخْزوميُّ، وهو جَدُّ إسماعيلَ الذي كانت عندَه نَعْلُ رسُول الله ﷺ (١). قال الراوِيةُ أبو القاسم: وأخبرَني الإمامُ أبو العبّاس أحمدُ بن مِقْدام قال: أخبرنا أبو بكر ابن العَرَبي قال: أخبرنا أبو المُطهَّر الأثِيريُّ، قال: حدثنا أبو نعيم الحافظُ (٢) قال: حدثنا ابنُ خَلّاد (٣)، قال: حدثنا الحارثُ بن أبي أُسامةَ قال: حدثنا أشهَلُ (٤)، قال: حدثنا ابنُ عَوْنِ (٥)، قال: أتيْتُ حَذّاءً بالمدينة، فقلتُ: احْذُ نَعْلي، فقال: إنْ شئتَ حذَوْتُها هكذا وإن شئتَ حَذَوْتُها كما رأيتُ نَعْلَ رسُول الله ﷺ، فقلت: وأين رأيتَ نَعْلَ رسُول الله ﷺ؛ فقال: رأيْتُها في بيتِ فاطمةَ بنتِ عبد الله بن العبّاس، فقلتُ: احْذُها كما رأيتَ نَعْلَ النبيِّ ﷺ، فحَذَاها لها قِبالانِ، قال: فقَدِمتُ وقدِ اتّخَذَها محمد، يعني ابنَ سِيرين (١). قال الراوِيةُ أبو القاسم: حدَّثني أبو الحَسَن عليُّ بن أحمدَ الإمام بقراءتي عليه بالمسجد الجامع بقرطبة (٢)، قال: حدّثنا الحافظُ أبو بكر محمدُ بن عبد الله ابن العَرَبي، قال: حدّثنا المبارَكُ بن عبد الجَبّار الصَّيْرَفيّ ببغدادَ قال: حدّثنا أبو يَعْلَى أحمد بن عبد الواحِد بن محمد بن جعفر، قال: أخبرنا أبو عليّ الحَسَن (٣) بن محمد بن شُعبَة المَرْوَزي، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمدَ بن محبوب، قال: حدّثنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، قال (٤): حدّثنا محمد بن بشّار، قال: حدّثنا أبو داود (٥)، قال: حدّثنا هَمّامٌ، عن قَتاًدةَ، قال: قلتُ لأَنَس بن مالك ﵁: كيف كانت نَعْلُ النبيِّ ﷺ؟ قال: لها قِبالان. قال المصِّنفُ عَفَا اللهُ عنه: ومثالُ النَّعل هُو ما تَرى في الصَّفْحة المتّصِلة بهذه إن شاء الله (٦). وأُنشِدت على شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعَيْنيّ ﵀ لنفسِه فيه ونقَلتُه من خطِّه [الطويل]: مثالٌ لنعل المصطفى سيِّدِ الوَرَى ... نبيِّ الهُدى المختارِ من آلِ هاشمِ حَذَاهُ لنا أشياخُنا عن شيوخِهمْ ... بإسنادِهمْ عن عالمٍ بعدَ عالمِ فأهدَى إلى أبصارِنا كلَّ قُرّةٍ ... ونالَ به أقصَى المُنى كلُّ لاثمِ تلقَّتْه منّا أوجهٌ بخدودها ... وألقَتْه أيْدِينا مكانَ العَمائمِ وعُفِّرَتِ الوَجْناتُ فيه محبّة ... وألصقَ تقبيلًا له بالمَباسمِ فقُدِّستِ النَّعلُ التي قد غَدَتْ لها ... خواضعَ تيجانُ الملوكِ الأعاظمِ إذا لم تُعايِنْها فهذا مثالُها ... مثيرٌ شديدَ الشَّوق من كلِّ هائمِ فَلَثْمُ ثَراها فيه رَيٌّ لأنفُسٍ ... لأنْ تَبرُدَ الأكبادُ منه حوائمِ فليتَ جَبيني كان مَوطئَها فلا ... يَخافُ غدًا للنارِ لَفْحةَ جاحمِ ويا فَضْلَها لمّا حوَتْ رِجْلَ سيّدٍ ... تُقرُّ له بالفَضْل كلُّ العوالمِ حبيبي رسُولِ الله خاتمِ رُسلِهِ ... وصَفْوتِه المُعطى جميعَ المكارمِ حنيني إلى تُرْبٍ له كان واطئًا ... تقَدَّس من تُربٍ حنينُ الرّوائمِ فهل لي سبيلٌ والمُنى قد تُتاحُ لي ... إلى وَقْفةٍ ما بينَ تلك المَعالمِ فأشْفي غَلِيلي بالتثامي تُرابَها ... وأسقيه من دمعي بأَوْكف ساجمِ على خر خَلْقِ الله أزكَى تحيّةٍ ... تَخُبُّ بها أيدي المَطِيِّ الرّواسمِ فتحمِلُ طِيبًا نحوَ طِيبةَ زاريًا ... على نَفَحاتِ المِسكِ طيَّ اللّطائمِ (١) وتُهديه للقبرِ الكريم وقد سَرَتْ ... على الرَّوْض هبّاتِ الرياح النَواسمِ (٢) وأنشَدني شيخُنا أبو الحَكَم مالكُ بن عبد الرحمن المالَقيُّ عَفَا اللهُ عنه بسَبْتَةَ حرَسَها الله لنفسِه، وكتَبَ لي بخطِّه في هذا المعنى ووَطّأَ له بمدحِهِ ﷺ[الطويل]: بوَصْف حبيبي طرَّزَ الشعرَ ناظمُهْ ... ونَمْنمَ خدَّ الطّرسِ بالنَّقْش راقمُهْ حبيبٌ (١) له فضلٌ على الناس كلِّهمْ ... مفاخِرُه مشهورةٌ لا ومكارِمُهْ له الحُسنُ والإحسانُ في كلِّ مذهبٍ ... فآثارُه محمودٌ ومَعالمُهْ رَؤوفٌ عَطو فٌ أوسعُ الناس رحمةً ... وجادَتْ عليهم سُحْبُهُ (٢) وغَمائمُهْ حفِيٌّ وَفِيٌّ لا تَمينُ عُهودُهُ ... حَمِيٌّ أبيٌّ لا تَلينُ شَكائمُهْ وكم نازعَتْه الأمرَ قومٌ (٣) أعِزّةٌ ... فما أسلمَتْه بِيضُهُ وصَوارمُهْ (٤) غدا العالَمُ الأعلى (٥) يقاتلُ (٦) دونَهُ ... فتَقدُمُهُ قبْلَ اللقاءِ هزائمُهْ سَلِ الحربَ عنه يومَ أُحْدٍ وغيرَه ... ويومَ حُنَيْن كيف كانت عزائمُهْ أمًا حسَمَ الكُفرَ الصّريحَ حُسامُهُ ... أمًا صرَمَ الإفْكَ [الصَريحَ] (٧) صَوارمُهْ؟ أمًا نَصَرَ الإسلامَ نَصْرًا مُؤزَّرًا ... فلم يَنْجُ إلّا مسلمٌ أو مُسألمُهْ؟ نبيٌّ له في حضرةِ الحقِّ رُتبةٌ ... ترَفَّي بها في عالَم العُلوِ عالمُهْ به ختَمَ اللهُ النبيِّينَ كلَّهمْ ... وكلُّ فِعَال صالح هو خاتمُهْ أُحبُّ رسُولَ الله حبًّا لوَ أنّهُ ... تَقاسَمَه جِيلٌ (٨) كفَتْهمْ قسائمُهْ كأنّ فؤادي كلّما مرَّ ذكْرُهُ ... من الوُرْقِ خَفّاقٌ أُصيبَتْ قَوادمُهْ أميلُ (٩) إذا هبَّت نواسمُ أرضِهِ ... ومَن لفؤادي أن تهُبّ نَواسمُهْ فأنشَقُ مِسكًا تُبّتيًا كأنمّا (١) ... نَوافجُه (٢) جاءت به ولطائمُهْ وممّا دَعاني والدواعي كثيرةٌ ... إلى الشّوقِ أنّ الشّوقَ ممّا أُكاتمُهْ مثالٌ لنَعْلَيْ مَن أُحبُّ حَذَيْتُهُ (٣) ... وها أنا في يومي وليليَ لاثمُهْ أجُرُّ على رأسي ووجْهي أديمَهُ ... وألثُمُهُ طَوْرًا وطَوْرًا أُلازمُهْ صَبابةَ مشتاقٍ ولَوْعَةَ هائمٍ ... نعَمْ، أنا مشتاقُ الفؤادِ وهائمُهْ كأنّ مثالَ النَّعلِ محِرابُ مسجدٍ ... فؤاديَ (٤) فيه شاخصُ الطَّرفِ دائمُهْ أمثِّلُهُ في رِجْل أكرم مَنْ مشَى ... فتُبصرُه عيني وما أنا حالمُهْ أصُكُّ به خَدّي وأحسَبُ وقعَهُ ... على وجْنَتي خَطْوًا هناك يُداومُهْ ومَن لي بوَقْع النَّعل في حُرِّ وَجْنتي ... لِماشٍ علَتْ فوقَ النجوم بَراجمُهْ تَفيضُ دموعي كلَّما لاحَ نورُهُ ... بكاءَكَ للبَرْقِ (٥) الذي أنت شائمُهْ فيا دمعَ عيني أنت تمنَعُ ناظري ... نعيمًا به فارفُقْ فإنّكَ ظالمُهْ ويا حَرَّ قلبي أنت تحرمُ باطني ... لصُوقًا به فاسكُنْ لعلَّكَ راحمُهْ سأجعَلُه فوقَ الترائبِ عَوْذةً (٦) ... لقلبي لعلَّ القلبَ يُطفَأُ (٧) جاحِمُهْ وأربِطُه فوقَ الشؤونِ تميمةً ... لجَفْني لعلّ الجَفْنَ يَرقأُ ساجمُهْ ألا بأبي تمثالُ نَعْل محمدٍ ... لقد طابَ حاذيهِ وقُدِّس خازمُهْ (٨) يوَدُّ هلالُ الأُفْقِ لوأنه هَوَى ... يُزاحمُنا في لَثْمِهِ ونُزاحمُهْ وما ذاك إلّا أنّ حُبَّ نبيِّنا ... يقومُ بأجسام الخلائق لازمُهْ سلامٌ عليه كلّما هبَّتِ الصَّباً ... وغنَّت بأغصانِ الأراكِ حَمائِمُهْ سلامٌ عليه كلّما افتَرَّ بارِقٌ ... فراقَتْ عيونُ المُجدِبينَ مَباسِمُهْ سلامٌ عليه ما تفاوَحَتِ الرُّبَى ... بزَهْر كأنّ المِسكَ تَحوي كمائمُهْ (١) قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: وفي هذه القصيدة، على ما بها من إجادة، تعقُّبٌ من وجوه، منها: التضمينُ، وهو من عيوبِ النَّظْم، وذلك في قولِه: وممّا دَعاني، والبيتِ الذي بعدَه، ومنها: الإيطاءُ في صوارمُهْ في بيتينِ بينَهما بيتان، ومنها: إعادةُ ضمير نواسمُهْ وهو مُذكَّر على الأرض وهي مؤنَّثة، وحَمْلُها على إرادةِ التذغير بتأويل المكان أو المحَلّ أو شِبهِهما أو إعادتُه على النبيِّ ﷺ بأدنَى نسبة، كلُّ ذلك متكلَّفٌ (٢) بعيدُ المُتناوَل، ولو جَعَلَ الرَّبْعَ عِوَضَ الأرض لخَلَصَ من هذا الانتقاد وأحرَزَ فَضْلَ الصِّقالةِ في اللّفظ، واللهُ أعلم (٣). وأنشَدَني أيضًا بسَبْتةَ حرَسَها اللهُ تعالى، لنفسِه في المعنى وكَتبَه لي بخطِّه [الطويل]: أدمعُكَ أم سِمطٌ وقلبُك أم قُرْطُ ... وشوقُك أم سَقْطٌ وجِسمُك أم خَطُّ؟ أخافرةٌ بعدَ النُّزوع على الصِّبا ... وللشَّيب رَشْقٌ في عِذارِكَ أم وَخْطُ؟ أَلا لا (١) ولكنْ نفحة قُدُسيّةٌ ... أشُمُّ لها تُرْبَ الجنان فأنحَطُّ رأيتُ مثالَ النَّعل نَعْلِ محمدٍ ... فمِلتُ وما لي غيرُ ذِكْراه إسفَنْطُ (٢) خَرقتُ (٣) حِجابَ السَّبع عن حُسن وجهِهِ ... فأبصَرْتُه في سِدرةِ المُنتهَى يخطو رأيتُ مثالًا لو رأتْه كرُؤيتي ... نجومُ الدُّجن واللّيلُ أسودُ مُشمطُّ لَسرَّ (٤) الثُّرَيّا أنها (٥) قَدَمٌ ولم ... يَسُرَّ الثُّريّا أنّها أبدًا قُرْطُ إلا بأبي ذاك المثالُ فإنه ... خيالُ حبيبٍ والخيالُ له قِسْطُ فإن لم يَكُنْها (٦) أو تكُنْه فإنهُ ... أخوها اعتدالًا مثلَ ما اعتَدلَ المِشطُ أرى لثْمَهُ مثلَ التيمُّم مُجزِيًا ... فألثُمُهُ حتى أقولَ سينغَطُّ وماهيَ إلّا لوعةٌ وصَبابةٌ ... بقلبي لها قِسطٌ (١) وفي مَدْمَعي سِمْطُ قَذَفتُ الكَرى في الدّمع والصّبرَ في الأسَى ... وهيهاتَ أن يُطفًا ومُوقِدُهُ الشَّحطُ (٢) سيُطفَأُ يومَ الحشْرِ عند لقائهِ ... على الحَوْض بالكاس الرَّويّةِ إذْ أُعْطُوا (٣) تبسَّطَ عبدٌ مُذنبٌ غيرَ أنهُ ... بحُبِّ رسُولِ الله صَحَّ له البَسْطُ عليه سلامُ الله ما عنَّ عارضٌ ... ولاحَ له بَرْقٌ وسَحَّ له نَقْطُ (٤) قال المصنّفُ عَفَا اللهُ عنه: وفي هذه القصيدة أيضًا، على حُسنِها، تعقُّبٌ من وجوه، منها: استعمالُ أمْ مكان أو في قولِه: أم وَخْطُ، وفي حملِها على الانقطاع بعدَه لا يَحْسنُ فيه المعنى إلا على تكلُّف، ومنها: تكريرُ المعنى في قولِه: بقلبي لها سَقْطُ، وفي مَدْمَعي سِمْطُ، فبه افتَتحَ القصيدةَ، وذلك ضِيقُ عَطَنٍ، ومنها: استعمالُ البَسْطُ في قافية البيت الذي قبلَ الأخير منها مكانَ التبسُّط، ومنها، وهو أقبحُها: التضمينُ المَنْعيُّ عليه في القصيدة التي قبلَ هذه، وذلك بينَ البيتَيْن: رأيتُ مثالًا، والذي بعدَه يليه، وفي البيت الثاني منهما معنًى بديعٌ قلَبَه من معنى آخَر ونقَلَ مُعظمَ ألفاظِه، وذلك في قول أبي العلاءِ أحمدَ بن عبد الله بن سُليمان بن محمد بن سُليمان بن أحمدَ بن محمد بن سُليمان بن أحمدَ بن سليمان (٥) بن داودَ بن المُطهَّر بن زيادِ بن رَبيعةَ بن الحارِث بن رَبيعةَ بن أرقمَ بن أنورَ بن أسحَمَ بن النُّعمان -ويقال له: الساطعُ- بن عَدِي بن عبد غَطَفان بن عَمْرو بن بديح بن جَذِيمةَ بن فَهْم، وهو تَنُوخُ بن تَيْم الله بن أسَد بن وَبْرةَ بن ثَعلبِ بن حُلْوان بن عِمران بن الحاف بن قُضَاعةَ التَّنوخيُّ الساطِعيُّ المَعَرِّيّ [الطويل]: قُرَيْطِيّةُ الأخوالِ ألمعَ قُرْطُها ... فسَرَّ الثُّريّا إنها أبدًا قُرْطُ (١) ويتبيَّنُ ذلك بإيراد المقصُود ممّا ذكَرَه الأستاذُ أبو محمد بنُ محمد بن السِّيْد البَطَلْيَوْسيُّ في كلامِه على هذا البيت في شَرْحه ما اختار شَرْحَه من شعرِ العَرِّي، وذلك قولُه (٢): وفي قولِه: "أبدًا" ها هُنا نُكتةٌ ينبغي أن يوقَفَ عليها، وذلك أنّ ابنَ المعتَزِّ قال في تشبيه الثُّريّا [المنسرح]: في الشَّرق كأسٌ وفي مَغارِبها ... قُرطٌ وفي أوسَطِ السماءِ قدَمْ فشبَّهَها وقتَ طلوعِها بكأس ووقتَ غروبها بقُرْط ووقْتَ توسُّطِها في السماء بقَدَم، فوَلّد أبو العلاءِ من هذا المعنى معنىً آخَرَ فقال: إنّ الثُّرَيّا لمّا رأتْ قُرْطَ هذه المرأة سَرَّها ألا تُشَبَّه في جميع أحوالِها إلّا بالقُرط دون غيره مما شُبِّهت به، وفيه نُكتةٌ ثانية، وذلك أنّ طلوعَ النَّجم كأنّه له أشرَفُ أحوالِه وسُقوطَه كأنهُ أدوَنُ أحوالِه، فيقول: لمّا رأتِ الثُّريّا قُرْطَ هذه المرأة سَرَّها أن تكونَ قُرطًا وإن كان ذلك إنّما هو في وقتِ غروبِها، وهذا على مذهبِ ابن المعتَزّ. انتهى المقصُود. فنَقَلَ شيخُنا أبو الحَكَمْ ذلك المعنى إلى هذا المعنى نَقْلًا بَديعًا، فذَكَرَ أنّ الثُّرَيّا إنّما يَسُرُّها لو رأَتْ هذا المثالَ تشبيهًا بالقَدَم دونَ القُرْط والكأس. تنبيهٌ يجبُ بيانُه: وهو أنه قد يَسبِقُ إلى بادي الرّأي أنّ الثُّرَيّا إنّما آثَرَت أن تكونَ قَدَمًا دون ما شُبِّهت بهِ غيرَها لتكونَ واطئةً لهذا المثال، وذلك تقصيرٌ بما يجبُ له من التعظيم والإجلال بانتسابه إلى النَّعْل الكريمة النّبَوّية لحَذْوِه عليها، ومَن للثّريّا بأن تكونَ مَوْطِئًا لهذه النَّعْل الكريمة بل للمثالِ المَحْذوِّ عليها؟ وتَوَفِّيه بما يجبُ له من التشريفِ والتكريم إنّما يكونُ بأعلى رُتبتهِ على الثُّريّا وما هُو أرفع (١) منها مكاناً، والذي ينبغي اعتقادُه أنّ مُرادَ شيخِنا أبي الحَكَم أنّ سرورَ الثُّرَيّا بكوْنِها قَدَمًا لا قُرْطًا لو رأتْ هذا المثالَ لتفوزَ بشَرَفِ المشاركة في هذا الجِنس القَدَميِّ الذي قَدَمُ النبي ﷺ بعضُ أشخاصِه، فبذلك تَحصُلُ فضيلةُ هذا المثالِ الكريم ويُرْبي على الثُّرَيّا، واللهُ أعلم (٢). وقد استَدعَى ذكْرُ هذا المثالِ الكريم إنشادَ ما أنشَدَناهُ فيه، وذلك تبرُّكٌ بالآثارِ الكريمة النَّبَوية. وبالوُدِّ لو أطَلْنا فيه عِنانَ القول حتى نستوعبَ مُعظَمَ ما وقَعَ إلينا من منظوم الناس فيه (١)، وسيأتي له ذكْرٌ في رَسْم أبي أُمَيَّةَ إسماعيلَ بن سعدِ السُّعود بن عُفَيْر (١) وفي رَسْم أبي الرَّبيع بن موسى بن سالم (٢) وفي رَسْم أبي الحَسَن بن إبراهيمَ بن سَعْدِ الخَيْر (٣) إن شاء الله.