page 219, entry [43]Open original source
١٢ - أحمدُ بن أحمدَ بن محمد بن إسماعيلَ بن محمد بن خَلَف الحَضْرَمي، من أهل إشبيليةَ، يُكْنَى أبا العبّاس، ويُعرَفُ بابن رأس غَنَمَة، بالغينِ مُعجَمةً والنون وفتحِهما . رَوَى عن أبي الحَسَن بن محمدِ بن خروفٍ النَّحْوي، وأبي حَفْص بن عُمر واختَصَّ به؛ رَوى عنه أبو بكر بنُ محمد بن عبد العزيز ابن أختِ أبي القاسم بن صافٍ، ورحَلَ إلى المشرق في حدودِ الخمس والتسعينَ وخمس مئة مرافقًا الشهيدَ أبا بكرٍ ابنَ أحمدَ الكِنانيَّ الآتي ذكْرُه في موضِعه من المحمَّدِينَ في هذا الكتاب، فأدَّيا فريضةَ الحجّ ولقِيا هنالك بقايا الشّيوخ فأخَذا عن طائفةٍ منهم، وقَفَلا إلى الأندَلُس واستَصحَبا فوائدَ جمّةً وغرائبَ كتُب لا عهدَ لأهل الأندَلُس بها انتَسخاها هنالك، وتوافَقا على أن يَنسَخَ أو يقابِلَ أحدُهما غيرَ ما يَنسَخُه رفيقُه أو يُقابلُه استعجالاً لتحصيلِ الفائدة، حتّى إذا ألقيا عصا التَّسْيار بمقَرِّهما إشبيليةَ انتسَخَ كلُّ واحد منهما من قِبَل صاحبِه ما فاتَه نَسْخُه بتلك البلاد. فكان ممّا جَلَباه: "الكشّاف عن حقائقِ التنزيل" صَنعةُ جارِ الله العلّامة الأوحَد أبي القاسم محمودِ بن عُمرَ بن محمد الخُوارِزْميِّ الزَّمخشَري، وكان مما تولّى نَسْخَه أبو العبّاس هذا من الأصل المُحَبِّسُ بمدرسة القاضي الفاضل أبي عليٍّ عبد الرّحيم بن عليّ بن الحَسَن بن الحَسَن بن أحمدَ البَيْسانيِّ (١)، ﵀، بالقاهرة، وهو مسموعٌ على مصنِّفِه، و"مقاماتُ الزّمخشَريِّ الخمسون" (٢)، و"شرحُ السُّنة" تأليفُ الإمام أبي محمد الحُسَين بن مسعود البَغَويُّ (٣) ﵀، و"تاجُ اللُّغة وصِحاحُ العربية" تصنيفُ أبي نصرِ إسماعيلَ بن حمّاد الفارابي نزيلِ نَيْسابورَ المعروفِ بالجَوْهريِّ ﵀، وهو مما قابَلَه أبو العبّاس هذا، وكانت النُّسخةُ التي جَلَباها من هذا الكتابِ في ثمانية أسفار بخطٍّ مشرِقي (٤)، و"إكمالُ الأفعال" تأليف أبي بكر محمد بن عُمر بن عبد العزيز بن إبراهيمَ بن عيسى الداخِل إلى الأندَلُس ابن مُزاحِم مَوْلى عُمرَ بن عبد العزيز المعروفِ بان القُوطِيّة (١) تكميلُ الشّيخ أبي القاسم عليِّ بن جعفرٍ السَّعديِّ ابن القَطّاع الآتي ذكْرُه في الغُرباءِ من هذا الكتاب إن شاء الله (٢)، إلى غير ذلك من التصانيف. وكان أبو العبّاس نبيلَ الخطِّ نقِيَّ الوِراقة حسَنَ الطريقة، كتَبَ بخطِّه الكثيرَ من دواوين العلم عمومًا ومن هذه المُسمّاة خصوصًا، باقتراح رؤساءِ عصرِه من الأُمراءِ والقضاة واغتنامِهم ما يكونُ بخطِّه عندَهم وإجزالِهم له المَثُوبةَ عليه، وكذلك كانوا يَرغَبونَ في مقابلتِه الكُتبَ ومعاناة تصحيحِها ثقةً منهم بإتقانِه وجَوْدةِ ضبطِه. وكان الفقيهُ أبو الحُسَين محمدُ بن محمد بن زَزقُونَ ﵀ -وسيأتي ذكْرُه في موضعِه إن شاء الله (٣) - ينعَى على أبي العبّاس هذا جَلْبَه "الكشّافَ" هذا، لما تضمَّنَه من المذهبِ الاعتزالي، ويقول: قد كانتِ الأندَلُس مُنَزَّهةً عن هذا وأشباهِه (١) ولم يزَلْ أهلُها على مرورِ الأيام أغنياءَ عن النظرِ في مثلِه وإنّ في غيرِه من تصانيفِ أهلِ السُّنةِ في التفسير غُنيةً عنه، ولكلِّ ذي عقل اختيارُه، والله ينفَعُ أبا الحُسَين وأبا العبّاس بمقصدِهما، فكلاهما نَصَحَ، أعظَمَ اللهُ أجرَه. وفي الكتاب المذكور (١) جملةٌ كبيرةٌ جَلِيّة وخَفِيّة ممّا أشار إليه أبو الحُسَين ﵀، ولكنّه على ذلك مُترَعٌ فوائد، ومشحونٌ غرائبَ عِلميّةً لا توجَدُ مجموعةً في كتابِ غيرِه ألبتّةَ سوى ما اختَصَّ به من كثيرِ ما احتوى عليه من التنبيه على حُسنِ نظم القرآنِ العظيم والإرشاد إلى بديع رَصْفِه والكشفِ عن وجوهِ إعجازِه، واللهُ يسمَحُ للجميع ويتقبَّلُ عنهم أحسَنَ ما عمِلوا ويتجاوزُ عن سيّئاتِهم، إنه جوادٌ كريم غفورٌ رحيم (٢). وكان أبو العبّاس هذا شديدَ الشَّغَف بالعلم فطَمِعَ دهرَه في صُحبةِ أهلِه، ولازَمَ أبا حَفْص بنَ عُمرَ طويلًا، وكان مَلِيًّا بأخبارِه ذاكرًا لأشعارِه حسَنَ المحاضرة، يَحضُرُ مجالسَ أهل العلم أقرانُه ومن هو أصغرُ منه، وقد كان يَحضُرُ مجلسَ الأستاذ أبي الحَسَن الدّبّاج وغيره من طبقتِه ومَن هو دونَه. وتوفّي ﵀ بإشبيليةَ في حدودِ ثلاثٍ وأربعينَ وست مئة.