page 1156, entry [684]Open original source
٥٧٤ - مُخَّةُ أُخْتُ بِشْرِ بنِ الحَارِثِ (¬١) وكَانَ لَهُ أُخْتَانِ غَيْرُهَا. إِحْدَاهُمَا: مُضْغةُ. والأُخْرى: زُبْدَةُ. وَكَانَ الثَّلاثُ أَخَوَاتٍ مَذْكُوْرَاتٍ بالعِبَادَةِ والوَرَعِ، وأَكْبَرَهُنَّ مُضْغَةُ، وهي أَكْبَرُ من بِشْرٍ، وكَانَتْ زُبْدَةُ: تُكْنَى بأُمِّ عليٍّ. وقيلَ: لَمَّا مَاتَتْ مُضْغَةُ: تَوَجَّعَ عَلَيْهَا بِشْرٌ تَوَجُّعًا شَدِيْدًا، وبَكَى بُكَاءًا شَدِيْدًا، فَقِيْلَ لَهُ في ذلِكَ. فَقَالَ: قَرَأْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ: أَنَّ العَبْدَ إِذَا قَصَّرَ في خِدْمَةِ رَبِّه سَلَبَهُ أَنِيْسَهُ، وهَذِهِ كَانَتْ أَنِيْسَتِي مِنَ الدُّنْيَا. وقَالَ إِبْرَاهِيْمُ الحَرْبِيّ: إِنَّ بِشْرًّا قَالَ هَذَا يَوْمَ مَاتَتْ أُخْتُهُ مُخَّةَ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ: جَاءَتْ مُخَّةُ أُخْتُ بِشْرِ بنِ الحَارِثِ إِلى أَبِي، فَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي امرَأَةُ رَأْسُ مَالِي دَانِقَيْنِ أَشْتَرِي القُطْنَ، فأُرَدِّنُهُ، فَأَبيْعُهُ بنصْفِ دِرْهَمٍ، فَأَتَقَوَّتُ بدَانِقٍ مِنَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ، فَمَرَّ ابنُ طَاهرٍ الطَّائِفَ، وَمَعَهُ مِشْعَلٌ، فَوَقَفَ يُكَلِّمُ أَصْحَابَ المَصَالِحِ، فاسْتَغْنَمْتُ ضَوْءَ المِشْعَلِ فَغَزَلْتُ طَاقَاتٍ، ثُمَّ غَابَ عَنِّي المِشْعَلُ فَعَلِمْتُ أَنَّ للهِ فيَّ مُطَالَبَةً، فَخَلِّصْنِي خَلَّصَكَ اللهُ، فَقَالَ لَهَا: تُخْرِجِيْنَ الدَّانِقَيْنِ، وتَبْقَيْنَ بِلَا رَأْسِ مَالٍ، حَتَّى يُعَوِّضَكِ اللهُ خَيْرًا. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَقُلْتُ لأبِي: يَا أَبَتِ، لَوْ قُلْتَ لَهَا: لَوْ أَخْرَجْتِ الَّذِيْ أَدْرَكْتِ فِيْهِ الطَّاقَاتِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ سُؤالُهَا لَا يَحْتَمِلُ التّأْوِيْلَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قُلْتُ: مُخَّةُ أُخْتُ بِشْرِ بنِ الحَارِثِ، فَقَالَ: مِنْ هَاهُنَا أُتِيْتُ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ أَيْضًا: كُنْتُ مَعَ أَبِي يَوْمًا مِنَ الأيَّامِ في المَنْزِل، فَدَقَّ داقٌ البَابَ، قَالَ لِيْ: أُخْرُجْ، فانْظُرْ مَنْ بِالبَاب؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا امْرَأَةٌ، قَالَتْ لِي: اسْتَأْذِنْ لِي على أَبي عَبْدِ الله - تَعْنِي (¬١) أَبَاهُ - قَالَ: فَاسْتَأْذَنْتُهُ؛ فَقَالَ: ادْخِلْهَا، قَالَ (¬٢): فَدَخَلَتْ فَجَلَسَتْ، فَسَلّمتْ عَلَيْهِ، وقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ أَنَا امْرَأةٌ أَغْزِلُ باللَّيْلِ في السِّرَاجِ، فرُبَّمَا طَفِيءَ السِّرَاجُ فأغْزِلُ في القَمَرِ، فَعَلَيَّ أَنْ أُبَيِّنَ غَزْلَ القَمَرِ مِنْ غَزْلِ السِّراجِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهَا: إِنْ كَانَ عِنْدَكِ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فَعَلَيْكِ أَنْ تُبَيِّنِي ذلِكَ، قَالَ: قَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، أَنِيْنُ المَرِيْضُ شَكْوَى؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُوْنَ شَكْوَى، ولكِنَّه اشتِكَاءٌ إِلَى الله تَعَالَى (¬٣)، قَالَ: فَوَدَّعَتْهُ وخَرَجَتْ، قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ مَا سَمِعْتُ قَطّ إِنْسَانًا سَأَلَ (¬٤) عَنْ مِثْلِ هَذَا، اتْبَعْ هَذِهِ المَرْأَةَ، فانْظُرْ أَيْنَ تَدْخُلُ؟ قَالَ: فَاتَّبَعْتُهَا، فَإِذَا هِيَ قَدْ دَخَلَتْ إلى بَيْتِ بشْرِ ابنِ الحَارِثِ، وإِذَا هِيَ أَختُهُ، قَالَ: فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: مُحَالٌ أَنْ تَكُوْنَ مِثْلَ هَذِهِ إلَّا أُخْتُ بِشْرٍ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ القَحْطَبِيُّ: كَانَتْ لِبِشْرٍ أُختٌ صَوَّامةٌ قَوَّامَةٌ، وقَالَ بِشْر: تعَلَّمْتُ الوَرَعَ مِنْ أُخْتِي؛ فَإِنَّهَا كَانَتْ تَجْتَهدُ أَن لَا تأْكُلَ مَا لِلْمَخْلُوْقِ فيه صُنْعٌ. وَقَالَتْ زُبْدَةُ أُخْتُ بِشْرٍ: دَخَلَ بِشْرٌ عَلَيَّ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِيْ فَوَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ دَاخِلَ الدَّارِ والأُخْرَى خَارِجَ، وبَقِيَ كَذلِكَ يَتَفَكَّرُ حَتَّى أَصْبَحَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قُلْتُ لَهُ: فِيمَاذَا تَفَكَّرْتَ (¬١) طُوْلَ لَيْلَتِكَ؟ فَقَالَ: تَفَكَّرْتُ في بِشْرٍ النَّصْرَانِيِّ، وبِشْرٍ اليَهْوْدِي، وبِشْرٍ المَجُوْسيِّ، ونَفْسِي واسمِي بِشْرٌ، فَقُلْتُ: مَا الَّذِي سَبَقَ مِنْكَ إِلَيْهِ، حَتَّى خَصَّكَ؟ فَتَفَكَّرْتُ في تَفَضُّلِهِ عَلَيَّ أَنْ جَعَلَنِي مِنْ خَاصَّتِهِ، وأَلْبَسَنِي لِبَاسَ أَحْبَابِهِ.