Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

أحمد بن محمد بن حنبل

أبو الحسين ابن أبي يعلى - طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين · page 108, entry [41]

طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين — أبو الحسين ابن أبي يعلى

page 108, entry [41]Open original source
أَحْمَدْ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلِ (¬١) بنِ هِلَالِ بنِ أَسَدِ بنِ إِدْرِيْسَ بنِ عَبْدِ الله بْنِ حَيَّانَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أَنَسِ بنِ عَوْفِ بنِ قَاسِطِ بنِ مَازِنِ بنِ ذُهْلِ بنِ شَيْبَانَ ابن ثَعْلَبَةَ بنِ عُكَّابَةَ بنِ صَعْبِ بنِ عَليِّ بنِ بَكْرِ بنِ وَائِلِ بنِ قَاسِطِ بنِ هُنْبِ ابن أَفْصَى بنِ دُعْمِيِّ بنِ جَدِيْلَةَ بنِ أَسَدِ بن رَبِيْعَةَ بنِ نزَارِ بنِ مَعدِّ بنِ عَدْنَان ابن أُدِّ بنِ أُدَدِ بنِ الهُمَيْسَعَ بن حَمَلِ بنِ النَّبْتِ بنِ قَيْدَارِ بنِ إِسْمَاعيلَ بنِ إِبراهيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهُ وَعَلى جَميع النَّبِيِّينَ. هكَذَا أَخْبَرَنَا المُبَارَكُ بنُ عَبدِ الجَبَّارِ بن أَحْمد (¬٢) -قرَاءة عَلَيْهِ- قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَليٍّ الحَسَنُ بنُ عَليٍّ التَّمِيْمِيُّ (¬٣)، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْن جَعْفَرِ بنِ مَالكٍ (¬١)، حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْن أَبِي دَاوُدَ (¬٢): كَانَ فِي رَبِيْعَةَ رَجُلَانِ، لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهمَا مِثْلُهُمَا. لَمْ يَكُنْ فِي زَمانِ قَتَادَةَ مِثلُ قَتَادَةَ (¬٣)، ولَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبل مثلُهُ. وهَذَا النَّسَبُ فيه مَنْقَبَةٌ عَمِيْقَةٌ، ورُتْبَةٌ عَظِيْمَةٌ، مِن وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حيثُ تَلَاقَى فِي نَسَبِ رَسُوْلِ الله ﷺ؛ لأنَّ نِزَارَ كَانَ لَهُ ابنَانِ، أَحَدُهُمَا مُضَرُ، ونبيُّنَا ﷺ مِنْ وَلَدِهِ، والآخرُ رَبِيْعَةُ، وإِمَامُنَا أَحْمَدُ مِنْ وَلَدِهِ والوجَهُ الثَّانِي: أَنّهُ عَرَبِيٌّ صَحِيْحُ النَّسَبِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أَحِبُّوا العَرَبَ لِثَلَاثٍ؛ لأنِّي عَرَبِيٌّ، والقُرآنُ عَرَبِيٌّ، ولِسَانُ أَهْلِ الجَنَهِّ عَرَبِيٌّ" هكَذَا ذَكَرَهُ ابنُ الأنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ "الوَقْفِ والابتِدَاءِ" (¬١). وَقَالَ الرَّبِيع بنُ سُلَيْمَان (¬٢): قَالَ لنَا الشَّافِعِيُّ: أَحْمَدُ إِمَامٌ فِي ثَمَانِ خِصَالٍ: إِمَامٌ فِي الحَدِيثِ، إِمامٌ في الفِقْهِ، إِمَامٌ في اللُّغَةِ، إِمَامٌ في القُرْآنِ، إِمَامٌ في الفَقْرِ، إِمَامٌ في الزُّهْدِ، إِمَامٌ في الوَرَعِ، إِمَامٌ في السُّنَّةِ. وَصَدَقَ الشَّافِعِيُّ في هذَا الحَصْرِ. أَمَّا قولُهُ: "إِمَامٌ في الحَدِيْثِ" فَهَذَا ما لا خِلَافَ فِيهِ ولا نِزَاعَ، حَصَلَ بِهِ الوِفَاقُ والإجْمَاعُ، أَكثرَ مِنْه التَّصنيفَ، والجَمْعَ والتَّألِيفَ، ولَهُ الجَرْحُ والتَّعْدِيلُ، والمعرفةُ والتَّعْليلُ، والبَيَانُ والتَّأويلُ، قَالَ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيْلُ (¬٣) يَوْمًا: مَنْ تَعُدُّونَ فِي الحَدِيثِ بِبَغْدَادَ؟ فَقَالُوا: يَحْيى بْنَ مَعِينٍ، وأَحْمَدَ بنَ حَنبلٍ، وأَبا (¬١) خَيْثَمَةَ وَنَحْوَهُمْ. فَقَالَ: مَنْ تَعُدُّونَ بالبَصْرَةِ عَنْدَنَا؟ فَقَالُوا: عليَّ بنَ المَدِيْنِيِّ، وابنَ الشَّاذَكُوْنِيِّ (¬٢)، وغيرَهُمَا. فَقَالَ: مَنْ تَعُدُّونَ بالكُوْفَةِ؟ قُلْنَا: ابنَ أبي شَيْبَةَ (¬٣)، وابنَ نُمَيْرٍ (¬٤)، وغيرَهُمَا، فقَالَ أَبُو عَاصِمٍ -وَتنفَّسَ هَا هَا-: مَا أَحَدٌ مِنْ هَؤُلاءِ إلَّا وَقَدْ جَاءَنَا ورَأَيْنَاهُ، فَمَا رَأَيْتُ في القَوْمِ مِثلَ ذَلكَ الفَتَى أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ. وقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسمُ بنُ سَلّاَمٍ (¬١): انْتَهَى العلمُ إِلى أَرْبَعَةٍ؛ أَحمدَ ابنِ حَنْبَلٍ، وعليِّ بنِ المَدِيْنِيّ، ويَحْيَى بنِ مَعِيْنٍ، وَأَبِي بَكرِ بنِ أَبي شَيْبَةَ (¬٢)، فَكَانَ (¬٣) أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أَفْقَهَهُمْ فيهِ. وَدَخَلَ الشَّافِعِيُّ يَوْمًا عَلى أَحْمَدَ بنِ حَنبلٍ، فَقَالَ: يَا أَبا عَبْدِ اللهِ، كنتُ اليومَ مَعَ أَهْلِ العِرَاقِ في مسأَلةِ كَذَا، فَلَو كَانَ معيَ حَدَيثٌ عَنْ رَسُوْلِ الله ﷺ؟ فَدَفَعَ إِلَيْهُ أَحْمَدُ ثلاثَةَ أَحَادِيْثَ، فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ الله خَيْرًا. وَقَال الشَّافِعِيُّ لإمَامِنَا أَحْمَدَ يَومًا: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بالحَدِيْثِ والرِّجَالِ، فَإِذَا كَانَ الحَدِيثُ الصَّحِيْحُ فَأعلِمُونِي، إِنْ شَاءَ يكونُ كوفيًّا، أو شَامِيًّا (¬١)، حَتَّى أذْهَبَ إِليهِ إِذَا كَانَ صَحِيْحًا. وَهذَا مِنْ دِيْنِ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ سَلَّمَ هذَا العِلْمَ لأَهْلِهِ. وَقَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ الوَرَّاقُ (¬٢): مَا رَأَيْتُ مِثْلَ أَحْمَدَ بنِ حَنْبلٍ. قَالُوا لَهُ: وأَيْشٍ (¬٣) الَّذِي (¬٤) بانَ لَكَ من علمِهِ وفَضْلِهِ عَلى سَائِرِ مَنْ رَأَيْتَ؟ قَالَ: رَجُلٌ سُئِلَ عَن ستِّينَ أَلْفَ مَسْأَلةٍ، فَأَجَابَ فِيْهَا بأَنْ قَالَ: "أَخْبَرَنَا" و"حَدَّثنَا" (¬١). وَقَالَ إِبْرَاهيمُ الحَرْبِيُّ - وَقَدْ ذَكَرَ أَحْمَدَ -: كَأَنَّ الله قَدْ جَمَعَ لَهُ علمَ الأوَّلْينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، يَقولُ مَا يَرَى، ويُمْسِكُ مَا شَاءَ. وقَالَ أَبو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: حَزَرْنَا حِفْظَ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ بالمُذَاكرةِ عَلى سَبْعِمَائَةِ أَلْفِ حَدِيْثٍ. وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: كَانَ أَحمدُ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفٍ، فقِيلَ لَهُ: ومَا يُدْرِيْكَ؟ قَالَ: ذاكرتُهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهُ الأبوابَ. وأَمَّا الخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهي قَولُهُ: "إِمَامٌ فِي الفِقْهِ" فالصِّدْقُ فيه لائحٌ، والحَقُّ (¬٢) واضِحٌ؛ إذْ كَان أَصلَ الفِقْهِ كتابُ اللهِ وسُنَّةُ رسُولِهِ وأَقْوالُ صَحَابَتِهِ، وبَعْدَ هذه الثَّلاثَةِ القِيَاسُ، ثُمَّ قَدْ سُلِّمَ لَهُ الثَّلاثُ، فالقِيَاسُ تابعٌ؛ وإِنَّمَا لم يَكُنْ للمُتَقَدِّمينَ من أئِمَّةِ السُّنَّةِ والدِّيْنِ تَصْنِيْفٌ في الفقهِ، ولا يَرَوْنَ وَضْعَ الكُتُبِ ولا الكلامَ، إِنَّما كَانُوا يَحْفَظُونَ السُّنَنَ والآثارَ، ويَجمَعونَ الأخْبَارَ، ويفتُون بهَا، فَمَنْ نَقَلَ عَنْهُمُ العلمَ والفقهَ كان روايةً يَتَلقَّاهَا عَنْهُم، ودِرَايةً يتَفَهَّمَهَا مِنْهُم، ومَنْ دَقَّقَ النَّظَرَ، وحَقَّقَ الفِكْرَ، شَاهَدَ جَمِيع مَا ذكرتُهُ. وأَمَّا نَقَلَةُ الفِقْهَ عَن إِمَامِنَا أَحْمَدَ فَهُمْ أَعْيَانُ البُلْدَانِ، وأَئِمَّةُ الأزْمَانِ، مِنْهُم؛ ابْنَاهُ صَالِحٌ وعَبْدُ اللهِ، وابنُ عَمِّه حَنْبَلٌ، وإِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ الكَوْسَجُ المَرْوَزِيُّ، وأَبُو دَاودَ السِّجِسْتَانيُّ، وأَبُو إسْحَاقَ إِبْرَاهيمُ الحَرْبِيُّ، وَأبُو بَكْرٍ الأثْرَمُ، وأَبُو بَكْرٍ المَرَّوْذِيُّ، وعَبدُ الملكِ المَيْمُونِيُّ، ومُهَنَّى الشَّامِيُّ، وحَرْبٌ الكِرْمَانِيُّ، وأَبُو زُرْعَةَ، وأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيَّانِ، وأَبُو زُرْعَةَ الدِّمشقيّ، ومُثَنَّى بنُ جَامعٍ الأنْبَاريُّ، وأَبُو طالبٍ المُشْكَانِيُّ، والحَسَنُ بنُ ثَوَابٍ، وابنُ مُشَيْشٍ، وابنُ بَدِيْنَا المَوْصِليُّ وأَحمَدُ بن القاسمِ والقَاضِي البِرْتِيُّ (¬١)، وأَحمدُ ابنُ أَصْرَمَ المُزَنِيُّ وعليُّ بنُ سَعِيْدٍ النَّسَوِيُّ وأَبُو الصَّقْرِ، والبُرْزَاطِيُّ، والبَغَويُّ، والشَّالَنْجِيُّ، وعبدُ الرَّحمن المُتَطَبِّبُ، وأَحمدُ بنُ الحَسَن التِّرمِذِيُّ، وأحمدُ بنُ هِشَامٍ الأنْطَاكِيُّ، وأَحمدُ بنُ يَحْيَى الحُلْوَانِيُّ، وأَحمَدُ بنُ محمَّدٍ الصَّائغُ، وأحمدُ بنُ محمدِ بنُ صَدَقَةً، وهم مائةٌ ونيِّفٌ وعُشرونَ نَفْسًا. وأَمَّا نَقَلَةُ الحَدِيثِ عَنْهُ: فَقَدْ جُمِعَتْ فِيهمُ المُصَنَّفَاتُ، وساقَهمُ الأئمَّةُ الثِّقَاتُ، وقَالَ الأَثْرَمُ (¬٢): قُلْتُ يومًا - ونَحْنُ عندَ أَبي عُبَيْدٍ القاسمِ ابنِ سَلّاَمٍ - فِي مسْأَلةٍ، فَقَالَ بعضُ مَنْ حَضَرَ: هَذَا قُولُ مَنْ؟ فقُلْتُ: مَنْ لَيْسَ بغَربٍ ولا شَرقٍ أَكْبَرُ منه؛ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: صَدَقَ. وَقَالَ إسحاقُ بن رَاهُوْيَهْ (¬٣): سَمِعْتُ يَحْيى بن آدمَ يقُولُ: أَحْمَدُ ابْن حَنْبَلٍ إمَامُنَا. وقَالَ أَبُو ثَوْرٍ (¬٤): أَحمَدُ بن حَنْبَلٍ: أَعْلَمُ من الثَّوْرِيِّ (¬١) وأفقهُ. وأَمَّا الخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ، وَهِيَ قَوْلهُ: "إِمَامٌ في اللُّغةِ" فَهُو كَمَا قَالَهُ. قَال المَرُّوْذِيُّ (¬٢): كَانَ أَبُو عبدِ الله لا يَلْحَنُ في الكَلَامِ، ولَمَّا نُوْظِرَ بَينَ يَدَي الخَلِيْفَةَ كَانَ يَقُولُ: كَيْفَ أَقُولُ مَا لَم يُقَلْ. وَقَالَ أَحْمَدُ -فِيمَا رَوَاهُ عَنْه مُحَمَّدُ بن حَبِيْبٍ- (¬٣): كتبتُ منَ العَرَبِيَّةِ أكثرُ ممَّا كَتَبَ أَبُو عَمْرِو بنِ العَلَاءِ (¬٤). وَكَانَ يُسأَلُ عَنْ أَلْفَاظٍ مِنَ اللُّغَةِ تَتَعَلَّقُ بالتَّفْسيرِ والأخبارِ، فيُجيبُ عَنْ ذَلكَ بأَوضحِ جَوَابٍ، وأَفْصَحِ خِطَابٍ، فَرَوى عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ: سَأَلْتُ أَبي عَنْ حَدِيْثِ إِسْمَاعِيل بن عُلَيَّة، عَنْ أَيُّوبَ، عن أَبي مَعْشَرٍ، قَالَ: "يَكْرَهُ التَّكْفِيْرَ في الصَّلَاةِ" قَالَ أَبِي: التَّكْفِيْرُ أَنْ يَضَعَ يَمينَهُ عِنْدَ صَدْرِهِ فِي الصَّلَاةِ (¬٥). وَقَالَ عبدُ الله أيضًا: قَرَأْتُ على أَبي: أَبُو خَالدٍ الأحْمَرُ، عَن ابنِ جُرَيْجٍ، عَن عَطَاءٍ، قَالَ: "فِي الوَطْوَاطِ: ثُلُثَا دِرْهَمٍ" سَأَلْتُ أَبي عَنِ الوَطْوَاطِ؟ قَالَ: هُوَ الخُطَّافُ (¬١). وقال عبدُ اللهِ أيضًا: سَألتُ أَبي عَن "نَهْي النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعِ المُجْرِ (¬٢) "؟ فَقَالَ: يَعْنِي مَا في الأَرْحَامِ. وَقَالَ عبدُ اللهِ أيضًا: سُئِلَ أَبي عَن "حَبَلِ الحَبَلَةِ"؟ (¬١) قَالَ: الَّتِي فِي بطنِهَا إِذَا وضَعَتْ وتَحْمِلُ. نهَى (¬٢) النَّبِيُّ ﷺ عَنْه؛ لأنَّهُ غَرَرٌ، يقولُ: نِتَاجُ الجَنِيْن (¬١). وقَالَ عبدُ الله بنُ أَحْمَدَ أيضًا: سَمِعتُ أَبي في حَديثِ ابنِ مَسْعُودٍ "كَفَى بالمَعْكِ ظُلْماً" قَالَ: المَعْكُ: المَطْلُ (¬٢). وَقَالَ عبدُ الله بنُ أَحْمَدَ: حَدَّثَنيْ أَبي، حَدَّثَنَا سُفيانُ، عَن عَمْرِو بن دِيْنَارٍ، عَن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ: "كَانَ رَجُلٌ يُدَاينَ النَّاسَ، لَه كاتِبٌ ومُتَجَازٍ" (¬٣) قَالَ أَبي: "المُتَجَازِي" المُتَقَاضِيْ. وَقَالَ حَرْبٌ الكِرْمَانِيُّ: قلتُ لأحمَدَ: مَا تَفْسِيْرُ: "لَا تَعْضِيَةَ (¬٤) في مِيْرَاثٍ إِلَّا مَا حَمَلَ القَسْمَ"؟ قَالَ: إِنْ كَانَ شَيْئاً إِنْ قُسِمَ أَضَرَّ بالوَرَثَةِ، مِثْلَ الحَمَّام وغيرَ ذَلِكَ ممَّا لا يمكنُ قَسْمُهُ. وأَمَّا الخَصْلَةُ الرَّابِعَةُ، وهي قولُهُ: "إِمَامٌ في القُرْآن" فهو واضحُ البَيَانِ لائِحُ البُرْهَانِ، قَالَ أَبُو الحُسَين بنُ المُنَادِيْ: صَنَّفَ أَحْمدَ في القُرآن "التَّفْسيْرَ" وهُو مائةُ أَلْفٍ وعُشرونَ ألفاً، يعني حَدِيْثًا. و"النَاسِخَ والمَنْسُوخَ" و"المُقدَّم والمُؤَخَّرَ في كِتَابِ الله تَعَالَى"، و"جَوَابَات (¬١) القُرآن" وغيرُ ذلك. وقَالَ عَبْدُ الله بنُ أَحْمَدُ: كانَ أِبي يَقْرَأُ القُرْآنَ في كلِّ أُسبوعٍ خَتْمَتَيْنِ، إِحداهُمَا باللَّيْلِ، والأُخرَى بالنَّهَار، وقَدْ خَتَمَ إِمَامُنَا أَحْمَدَ القُرْآنَ في لَيلةٍ بمكَّةَ مُصَلِّيًا بِهِ (¬٢). وأَمَّا الخَصْلَةُ الخَامِسَةُ، وهي قولُهُ: "إِمَامٌ في الفَقْرِ" فيَالَهَا خَلَّةٌ مَقْصُوْدَةٌ، وحالةٌ مَحْمُودةٌ، منَازِلُ السَّادةِ الأنْبِيَاءِ، والصَّفْوةِ الأتْقِيَاءِ. أَنْبَأَنَا الوَالِدُ السَّعِيْدُ بإِسْنَادِهِ عَن أَبي جَعْفَرٍ في قولهِ تَعَالى (¬٣): ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ قَالَ: الجَنَّةُ ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ قَالَ: على الفَقْرِ في الدُّنْيَا. وبإِسْنَادِهِ عَن أَبي بَرْزةَ الأسْلَمِيِّ (¬١) قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ: "إنَّ فُقَرَاءَ المُسْلِمينَ لَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أغنِيَائِهِم بمقدارِ أربعينَ خَرِيْفًا، [حَتَّى] (¬٢) يَتَمَنَّى أَغْنِيَاءُ المُسْلمينَ يومَ القِيَامَةِ أَنَّهم كانُوا في الدُّنْيَا فُقَرَاءَ". وبإِسْنَادِهِ عَن أَبي سَعِيدٍ (¬٣)، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقُولُ (¬٤): "اللَّهُمَّ تَوَفَّنِي فَقِيْرًا، ولا تَوَفَّنِيْ (¬٥) غَنِيًّا" وبِإِسْنَادِهِ عَن عليٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ (¬٦): "الفَقْرُ عَلى المُؤْمنُ أَزْيَنُ مِنَ العِذَارِ عَلَى خَدِّ الفَرَسِ"، وأَخْبَرَنَا بِهذَّ الحَدِيثِ جَدِّي جَابرٌ (¬٧) قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهرٍ المُخَلِّصُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ العَباسِ بن الفَضْلِ المَرْوَزِيُّ أَبو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسحاق بن بِشْرٍ، حَدَّثَنَا شَريك، عَن أَبي إِسحَق السَّبِيْعِيِّ، عن الحارثِ (¬١) عن عَليٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "الفَقْرُ عَلى المُؤْمنُ أَزينُ من العِذَارِ عَلى خَدِّ الفَرَسِ" وبِإِسْنَادِهِ عَن بِلَالٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "الْقَ الله فَقِيْرًا، وَلَا تَلْقَهُ غَنِيًّا" قَالَ: فقُلتُ: كيفَ لي بذلكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "إِذَا رُزِقْتَ فلَا تَخْبَأ، وإذَا سُئِلْتَ فَلَا تَمْنعَ" قَالَ: قلتُ: وكيفَ لي بذلكَ، يا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "هُوَ ذَاكَ، وإلَّا فالنَّارُ" (¬٢). وأمَّا الخَصْلَةُ السَّادِسَةُ، وهي قَوْلُهُ: "إِمامٌ في الزُّهْدِ" فحالُهُ في ذلك أظهرُ وَأَشْهَرُ، أَتَتْهُ الدُّنْيَا فَأَبَاهَا، والرِّيَاسَةُ فَنَفَاهَا، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الأمْوالُ، وفُوِّضَتْ (¬١) إِلَيْهِ الأحْوَالُ، وهُوَ يَردُّ ذلكَ بتَعَفُّفٍ وتَعَلُّلٍ وتَقَلُّلٍ، ويقولُ: قَلِيْلُ الدُّنْيَا يجزئُ، وكَثِيْرُها لا يُجْزِئُ. ويقولُ: أَنَا أفرحُ إِذَا لَم يَكُنْ عِنْدِي شَيءٌ. ويقولُ: إِنَّمَا هُو طَعَامٌ دونَ طَعَامٍ، ولِبَاسٌ دونَ لِبَاسٍ، وأَيَّامٌ قلائِلُ وقال إِسْحاق بنُ هَانِئٍ: بكَّرتُ يومًا لأعُارضَ أَحمد بالزُّهْدِ (¬٢)، فَبَسَطْتُ لَهُ حَصِيْرًا ومِخَدَّةً، فَنَظَرَ إِلى الحَصِيْرِ والمِخَدَّةِ، فقالَ: مَا هذَا؟ قُلتُ: لِتَجْلِسَ عَلَيْه، فَقَالَ: ارْفَعْهُ، الزُّهْدُ لا يَحْسُنُ إِلَّا بالزُّهْدِ، فرفعتُهُ، وجَلَسَ على التُّرابِ. وقَالَ أَبُو عُمَيْرٍ عِيْسَى بنُ مَحمَّد بن عِيْسَى (¬٣) - وَذُكِرَ عِنْدَهُ أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ - فَقَالَ: ﵀، عَنِ الدُّنْيَا مَا كَانَ أَصْبَرَهُ، وبالمَاضِيْنَ مَا كَانَ أَشْبَهَهُ وبالصَّالِحِيْنَ مَا كَانَ أَلْحَقَهُ، عُرِضَتْ لَهُ الدُّنْيَا فَأَبَاهَا، والبِدَعُ فَنَفَاهَا (¬٤). وأَمَّا الخَصْلَةُ السَّابِعَةُ، وَهِيَ قَولُهُ: "إِمَامٌ فِي الوَرَعِ" فصَدَقَ في قولهِ وبَرَعَ، فمن بعضِ وَرَعِهِ؛ قال أَبو عَبْدِ الله السِّمْسَارُ (¬١): كَانَتْ لأمِّ عبدِ الله بن أَحمد دارٌ مَعَنَا في الدَّرْبِ (¬٢)، يأخذُ منها أَحْمَدُ دِرْهَمًا؛ بحقِّ ميراثِهِ، فاحتَاجَت إلى نَفَقَةٍ لتُصلِحَهَا، فأَصْلَحَهَا (¬٣) ابنُهُ عبدُ الله، فتَرَكَ أَبو عبدِ الله أحمدُ الدِّرْهَمَ الَّذي كَانَ يأْخُذُهُ، وقال: قَدْ أَفْسَدَهُ عليَّ، قلتُ: إِنَّمَا تَوَرَّعَ من أَخذِ حَقِّهِ من الأُجْرَةِ؛ خَشْيَةَ أَن يَكُونَ ابنُهُ أَنْفَقَ عَلى الدَّارِ مِمَّا يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ الخَلِيْفَةِ، ونَهَى وَلَدَيْهِ وعَمَّهُ عن أَخْذِ العَطَاءِ مِن مَالِ الخَلِيْفَةِ، فاعْتَذَرُوا بالحَاجَةِ، فهَجَرَهُم شَهْرًا لأخْذِ العَطَاءِ. ووُصِفَ لَهُ دِهْنُ الَّلوْزِ في مَرَضِهِ، قال حَنْبَلٌ: فَلَمَّا جِئْنَاهُ بِهِ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قُلْنَا: دُهْنُ اللَّوْزِ، فَأَبَى أَنْ يَذُوْقَهُ، وقال: الشِّيْرَجُ (¬٤)، فلَمَّا ثَقُلَ واشتَدَّتْ عِلَّتُهُ جِئْنَاهُ بدُهْنِ الَّلوْزِ، فلَمَّا تَبَيَّنَ أَنَّهُ دُهْنُ الَّلوْزِ كَرِهَهُ وَدَفَعَهُ، فَتَرَكْنَاهُ ولَمْ نَعُدْ لَهُ. ووُصِفَ لَهُ في علَّتِهِ قَرْعَةٌ تُشْوَى ويُؤْخَذُ مَاؤُهَا، فَلَمَّا جاءُوا بالقَرْعَةِ، قال بعضُ مَنْ حَضَرَ: اجعَلُوهَا في تَنُّورِ صَالحٍ، فَإِنَّهُم قَدْ خَبَزُوا، فقالَ بيَدِهِ: لا، وأَبَى أن يُوَجَّهَ بها إلى مَنزلِ صالحٍ، قال حَنْبَلٌ: ومثلُ هذا كَثيرٌ. قَالَ حَنْبَلٌ: وَأَخْبَرَنِي أَبِي -يَعْني إِسْحاقَ عَمَّ أَحمدَ- قَالَ: لَمَّا وصَلْنَا العَسْكَرَ أَنْزَلَنَا السُّلْطَانَ دَارًا لإيْتَاخَ (¬١) ولَم يَعْلَم أَبو عبدِ الله، فسَأَلَ بعدَ ذلكَ؛ لِمَنْ هَذِهِ الدَّارُ؟ فقَالُوا: هذه دارٌ لإيْتَاخَ، فَقَالَ: حَوِّلُونِي واكْتَرُوا لِي دَارًا، قَالُوا: هذِه دارٌ أَنْزَلَكَهَا أَميرُ المُؤْمِنِيْنَ، فَقَالَ: لا أَبِيْتُ هَاهُنا، فاكتَرَيْنَا لَهُ دَارًا غَيْرَها، وتَحَوَّلَ عَنْهَا. وكَانَت تَأْتِيْنَا في كلِّ يومٍ مائدةٌ أَمَرَ بها المُتَوَكِّلُ، فيها أَلْوانُ الطَّعَامِ، والفَاكِهَةِ، والثَّلْجُ، وغيرُ ذلك، فَمَا نَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو عَبْدِ الله، ولا ذاقَ مِنْهَا شَيْئاً، وكَانَت نَفَقَةُ المائدِةِ فِي كلِّ يومٍ مَائةً وعِشْرِيْنَ دِرْهَمًا، فَمَا نَظَرَ إِلَيْها أَبُو عبدِ الله، ودَامت العلَّةُ بأبي عبدِ الله، وضَعُفَ ضَعْفًا شَدِيْدًا، وكَانَ يُواصِلُ، فَمَكَثَ ثَمَانيةَ أيَّامٍ مُواصِلاً؛ لَا يأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، فلمَّا كَانَ اليومُ الثَّامنُ كادَ أَن يَطْفَأ (¬٢)، فقلتُ: يا أَبا عبدِ اللهِ، ابنُ الزُّبيرِ كان يُواصِلُ سبعةَ أيَّامٍ، وهذَا لَكَ اليوم ثَمانيةُ أيَّامٍ، فقال: إنِّي مُطِيْقٌ، قلتُ: بحَقيِّ عليكَ، فقال: إذْ (¬٣) حَلَّفْتَنِيْ بحَقِّكَ فإِنِّي أفْعَلُ، فأتَيتُهُ بسَوِيْقٍ فشَرِبَ. وَأَجْرَى المُتَوَكِّلُ على وَلَدِهِ وأَهْلِهِ أَربعةَ آلافِ درْهمٍ في كلِّ شهرٍ، فبعثَ إِلَيْهُ أَبُو عبدِ اللهِ: إِنَّهم في كفايةٍ، فبَعَثَ إِلَيْه المُتَوَكِّلُ: إِنَّما هذَا لِوَلدِكَ، مَا لَكَ ولِهَذَا؟ فَقَالَ له أحمدُ: يَا عَمِّ، مَا بَقِيَ من أَعْمَارِنَا؟ كَأنَّك بالأمرِ قَدْ نَزَلَ بِنَا (¬١)، فاللهَ اللهَ، فإِنَّ أولادَنَا إِنَّما يُرِيْدُونَ يَتَأكَّلُونَ بِنَا، وإِنَّما هي أَيامٌ قلائلُ، لو كُشِفَ للعَبْدِ عمَّا قد حُجِبَ عَنْه لعَرَفَ ما هو عَليه من خَيرٍ أو شَرٍّ، صَبْرٌ قَلِيْلٌ، وثَوَابٌ طَوِيلٌ، إِنَّما هذه فتنةٌ، فَلَمَّا طَالَت علَّةُ أحمدَ كَان المُتَوَكِّلُ يبعثُ بابن ماسُوْيَهْ (¬٢) المُتَطَبِّبُ، فيَصِفُ له الأدْوِيَةَ، فلا يَتَعَالَجُ، فَدَخَلَ ابنُ مَاسُويه على المُتَوَكِّلُ، فقَالَ له المُتَوَكِّلُ: وَيْحَكَ، ابنُ حَنْبَلٍ، مَا نَجَحَ فِيْه الدَّوَاءُ؟! فَقَالَ لَهُ: يا أَميرَ المُومنين، إِنَّ أَحمدَ بنَ حَنْبَل ليستْ بِهِ عِلَّةٌ في بَدَنِهِ، إِنَّمَا هذَا من قِلَّةِ الطَّعَامِ، وكَثرةِ الصِّيَامِ والعِبَادَةِ، فَسَكَتَ المُتَوَكِّلُ. وَلَمَّا تُوفيَ أَحْمَدُ وَجَّهَ ابنُ طاهرٍ (¬٣) الأكفَانَ، فَرُدَّت عَلَيْه، وقال عَمُّ أَحْمَدَ للرَّسُولِ: قُلْ لهُ: أَحْمَدُ لَمْ يَدَعْ غُلَامِي يُرَوِّحُهُ، يعني خَشْيَةَ أَن أَكُونَ اشتَرَيتُهُ مِن مَالِ السُّلْطَان، فكَيفَ تُكَفِّنُهُ بمالِكَ؟ وقَالَ ابنُ المُنَادي: امتنعَ أحمدُ من التَّحْديثِ قبلَ أَن يموتَ بثمانِ سِنِين، أَو أَقَلَّ، أو أكثرَ، وذلك: أَنَّ المُتَوَكِّلَ وجَّهَ يقرأُ عَليه¬ السَّلامَ، ويَسأَلُهُ أَن يَجْعَلَ المُعْتَزَّ في حِجْرِهِ، ويُعَلِّمَهُ العِلْمَ، فقَالَ للرَّسُولِ: اقرأ عَلَى أَمِيرِ المُومنين السَّلَامَ، وأَعْلِمْهُ أَنَّ عَلَيَّ يَمِيْنًا: أَنِّي لا أُتِمُّ حدِيْثًا حَتَّى أَمُوْتَ، وقَدْ كَان أَعْفَانِي مِمَّا أَكْرَهُ، وهذَا مِمَّا أَكْرَهُ. وقَال المَرُّوْذِيُّ: سَمِعْتُ أحمدَ يقولُ: الخَوْفُ قَدْ مَنَعَنِي أكلَ الطَّعامِ والشَّرابِ فَمَا أشتَهِيْهِ. وكَانَ أحمدُ يَذْرَعُ (¬١) دَارَهُ الَّتي يَسكُنُها، ويُخْرِجُ عَنْها الخَرَاجَ الَّذِيْ وَظَّفَهُ عُمَرُ ﵁ على السَّوادِ. وكَانَ أحمدُ إِذَا نَظَرَ إلى نَصْرَانِيٍّ غَمَّضَ عَيْنَيْهِ، فقيلَ لَهُ فِي ذلِكَ؟ فَقَالَ: لا أَقْدِرُ أَنْظُرُ إِلَى مَنْ افْتَرَى علَى اللهِ وكَذَبَ عَلَيْهِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ عَمُّ أَحْمَدَ: دَخَلْتُ على أَحْمَدَ ويَدُهُ تَحْتَ خَدِّهِ، فقلتُ لَهُ: يا ابنَ أَخِي: أَيُّ شَيءٍ هذَا الحُزْنُ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ وقَالَ: طُوْبَى لِمَنْ أَخْمَلَ اللهُ ذِكْرَهُ. وقَالَ إِسْمَاعيلُ بنُ حَرْبٍ: أُحْصِيَ ما رَدَّ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ حين جِيْءَ به إلى العَسْكَرِ فَإِذَا هو سَبْعُونَ ألفًا. وَقَالَ صَالحُ بنُ أَحْمدَ: كان أَبي لا يَدَعُ أحدًا يَسْتَقِي لَهُ الماءَ لِوُضُوْئِهِ وَأَمَّا الخَصْلَةُ الثَّامِنَةُ، وهي قولُهُ: "إِمامٌ في السُّنَّةِ" فَلَا يَخْتَلِفُ العُلَمَاءُ الأوَائِلُ والأوَاخِرُ أَنَّه في السُّنَّةِ الإمامُ الفاخرُ، والبَحْرُ الزَّاخِرُ، أُوذيَ في اللهِ ﷿ فَصَبَرَ، ولكِتَابِهِ نَصَرَ، ولسُنَّةِ رَسُوْلِ الله ﷺ انْتَصَرَ، أَفْصَحَ الله فيها لِسَانَهُ، وأَوضَحَ بَيَانَهُ، وأَرجَحَ مِيزَانَهُ، لا رَهَبَ مَا حُذِّرَ، ولا جَبُنَ حين أُنْذِرَ، أَبانَ حَقًّا، وقال صِدْقًا، وزَانَ نُطْقًا وسَبْقًا، ظَهَرَ على العُلَمَاءِ، وقَهَرَ العُظَمَاءَ، ففي الصَّادِقِيْنَ مَا أَوْجَهَهُ، وبالسَّابِقِيْنَ مَا أَشْبَهَهُ، وَعَنِ الدُّنْيَا وأَسْبَابِهَا مَا كَانَ أَنْزَهَهُ، جَزَاهُ الله خَيْرًا عَنِ الإسْلَامِ والمُسْلمين، فهو للسُّنَّةِ كَمَا قَال اللهُ في كِتَابِهِ المُبينِ (¬١): ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾. قالَ عليُّ بنُ المَدِيْنِيُّ: أَيَّدَ اللهُ هذَا الدِّينِ برَجُلَيْنِ لا ثَالِثَ لَهُمَا؛ أَبُو بَكْرٍ الصِّديقُ يَوْمَ الرِّدَّةِ، وأَحمدُ بنُ حَنْبَلٍ يَوْمَ المِحْنَةِ. وقِيْلَ لِبِشْرِ بنِ الحَارِثِ (¬٢)، يومَ ضُرِبَ أَحْمَدُ: قَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ أَن تَتكلَّمَ، فَقَالَ: تُرِيْدُونَ مِنِّي مَقَامَ الأنْبيَاءِ؟ لَيسَ هذَا عِنْدِي، حَفِظَ الله أحمدَ بنَ حَنْبَل مِنْ بينِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ قَالَ -بعدَ ما ضُرِبَ أَحْمَدُ-: لَقَدْ أُدْخِلَ الكِيْرَ فَخَرَجَ ذَهْبَةً حَمْرَاءَ. وقَالَ الرَّبيعُ بنُ سُليمان: قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ أَبْغَضَ أَحْمدَ بنَ حَنْبَلٍ فهو كافرٌ، فقلتُ: تُطلِقُ عليه اسمَ الكُفْرِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، مَنْ أَبْغَضَ أحمدَ بنَ حنبلٍ عانَدَ السُّنَّةِ، ومَنْ عَانَدَ السُّنَّة قَصَدَ الصَّحَابَةَ، ومَنْ قَصَدَ الصَّحَابَةَ أبغضَ النَّبِيَّ، ومَنْ أبغضَ النَّبِيَّ ﷺ (¬١) وَسَلَّمَ كَفَرَ باللهِ العَظِيْمِ. وَقَالَ أَحْمدُ بنُ إِسْحَاقَ بن رَاهُويه (¬٢): سمعتُ أبي يقولُ: لولَا أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ وبَذْلُ نَفْسِهِ لِمَا بَذَلَهَا لَذَهَبَ الإسْلَامُ. وقَالَ عبدُ الوَهَّابِ الوَرَّاقُ: أَبُو عبدِ الله أحمدُ بنُ حَنْبَلَ إِمَامُنَا، وهو مِنَ الرَّاسِخْينَ في العِلْمِ، إِذَا وقَفْتُ غدًا بينَ يَدَي الله تَعَالَى فَسَألَنِيْ: بِمَنْ اقتَدَيْتَ؟ أقولُ: بأحمدَ، وأيُّ شيءٍ ذَهَبَ عَلَى أبي عبدِ الله من أَمرِ الإسْلَامِ؟ وقد بُليَ عشرينَ سنةً في هَذا الأمرِ. وأَنبأَنَا محمَّدُ بنُ الآبَنُوسِيِّ (¬٣) عن الدَّارقُطنِيِّ، قال: أَخْبَرَنَا محمَّدُ ابنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ العبَّاسَ الدُّرْوِيَّ يَقولُ: سمعتُ يَحْيَى بن معينٍ يقولُ: أَرَادَ النَّاسُ مِنَّا أَنْ نَكونَ مِثلَ أَحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، لا واللهِ، لا نَقْدِرُ على أَحمدَ، ولا على طريقِ أحمدَ. وحَدَّثنا الوالدُ السَّعِيْدُ - إِمْلاءً بجَامعِ المَنْصُوْرِ - عن عبدِ الله بنِ عبدِ الرَّحْمَن، أَنَّ عبدَ الله بن إِسْحَاقَ المَدَائنِيَّ حَدَّثَهُ، قَالَ: حدَّثَنَا أَبُوالفَضْلِ الوَرَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنِيْ أَحْمدُ بنُ هَانِئٍ، عَن صَدَقَةَ المَقَابِريِّ (¬١) قَالَ: كَانَ في نَفْسِيْ على أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: فَرَأَيْتُ في النَّوْمِ كَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَمْشي في طَرِيْقٍ، وهو آخذٌ بيدِ أَحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، وهُمَا يَمْشِيَانِ على تُؤَدَةٍ ورِفْقٍ، وَأَنَا خَلْفُهُمَا أُجْهِدُ نَفْسِي في أَنْ ألحَقَ بِهِمَا فما أَقْدِرُ، فَلَمَّا استَيْقَظْتُ ذَهَبَ مَا كَان في نَفْسِي، ثم رأيتُ بعدُ كأَنِّي في المَوْسِمِ، وكأَنَّ النَّاسَ مُجْتَمِعُونَ، فَنَادَى مُنَادٍ: الصَّلَاةُ جَامِعَة، فاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَنَادَى يَؤُمُّكُمْ أَحْمَدَ بنُ حَنْبَلٍ، فَإِذَا أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ، فَصَلَّى بالنَّاسِ، وكنتُ بعدُ إِذَا سُئِلْتُ عن شَيْءٍ؟ قُلْتُ: عَلَيْكُم بالإمَامِ، يعْنِيْ أَحمدَ بنَ حَنْبَلٍ. فَهَذ الثَّمَانِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ، ويُقْرَنُ بِهَا أيضًا ثَمَانُ خِصَالٍ انفرَدَ بِهَا. إحدَاها: الإجماعُ على أُصُولهِ الَّتي اعتَقَدَهَا، والأخذُ بصحَّةِ الأخْبارِ الَّتي اعَتَمَدَهَا، حَتَّى مَنْ زَاغَ عن هذَا الأصْلِ كَفَّرُوهُ وحَذَّرُوا منه وهَجَرُوه، فانتَهَتْ إِلَيْه فيها الحُجَّةُ، ووقفتْ دُونَهُ المَحَجَّةُ، وإِنْ كَانَتْ كَذلكَ مَذَاهِبُ المتقدِّمين من أَهلِ السُّنَّةِ والدِّينِ، فصَار (¬١) إِمَامًا مُتَّبَعًا، وعَلَمًا مُلْتَمِعًا، ومَا أَشبَهَهُ بالقِرَاءَاتِ المَأْثُورَةِ عَنِ السَّلَفِ، ثم انتَهَتْ إِلى القُرَّاءِ السَّبْعَة خَيْرُ الخَلَفِ. الثَّانِيَةُ: اتفاقُ الألْسُنِ عليه بالصَّلاحِ، وإِلَيْه يُشَارُ بالتَّوفيقِ والفَلَاحِ، فَإِذَا ذُكِرَ بحَضْرَةِ الكَافَّةِ (¬٢) من العُلَمَاءِ على اختلافِ مَذَاهِبِهِمْ في مَجَالِسِهِمْ أو مَدَارِسِهِمْ قَالُوا: أحمدُ رَجُلٌ من أَهْلِ الحَدِيْثِ صَالحٌ، لَعَمْرِي إِنَّهما خُلتان جَليلتَانِ، سأَل الصَّلَاحَ الأنبياءُ، والتَمَسَهُ الأصْفِيْاءُ، قَالَ الله تَعَالَى (¬١) - في قِصَّة إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣)﴾ وفي قصَّةِ سُلَيْمَان [﵇] (¬٢): ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾ (¬٣). الثَّالِثَةُ: أَنَّه ما أحبَّه أَحَدٌ -إِمِّا مُحِبٌّ صَادِقٌ، وإِمَّا عَدُوٌّ مُنَافِقٌ- إِلَّا وانتَفَتْ عَنْهُ الظُّنُونَ، وأَضيفتْ إِليه السُّنَنُ، ولا انزَوَى عَنْه رَفْضًا، وأظَهرَ له عِنَادًا وبُغْضًا، إِلَّا واتَفَقَتِ الألْسُنُ على ضَلَالَتِهِ، وسُفِّهَ في عَقْلِهِ وجَهَالَتِهِ، وقد قَدَّمنا قوَلَ الشَّافِعِيِّ مَنْ أَبْغَضَ أَحمدَ بنَ حَنْبَل فقد كَفَرَ. وقال قُتَيْبَةُ بنُ سَعْيدٍ (¬٤): أَحمدُ بنُ حَنْبَل إِمامُنَا، مَنْ لم يَرْضَ بِهِ فهو مُبْتَدِعٌ. الرَّابعةُ: ما ألقَى الله ﷿ له في قُلُوبِ الخَلْقِ من هَيْبَةِ أَصْحَابِهِ ومحبِّيه، وأهلُ مَذْهَبِهِ ومُخَالِصِيْه، فلهُمُ التَّعظِيْمُ والإكْبَارُ، والمعروفُ والإنكَارُ، والمَصَالحُ والإِعْمَارُ، والمَقَالُ والفِعَالُ، بَسْطتُهُم ساميةٌ، وسَطْوَتُهُم عَاليةٌ، فالمُوافِقُ التَّقِيُّ يُكرِمُهُم دِيَانة ورِيَاسةً، والمنافقُ الشَّقِيُّ يُعَظِّمهُمُ رِعايةً وسِيَاسةً، وَلَمَّا ذُكِرَ لأميرِ المؤْمنين جَعفِر المُتَوَكِّلِ على الله ﵀ بعدَ مَوْتِ إمامِنَا أحمد - غَفَرَ اللهُ لنَا ولَهُ - أَنَّ أصحابَ إمامِنَا يَأْتُوْنَ على أهْلِ البِدَعِ حتَّى يكونَ بَيْنَهُمَا الشَرُّ. فقال لصَاحبِ الخَبَرِ: لا تَرْفَعْ إليَّ من خَبَرِهِمْ شَيْئا، وشُدَّ على أَيْدِيْهِمْ؛ فإِنَّهم وَصَاحِبَهم مِنْ سَادَاتِ أُمَّة مُحَمَّدٍ ﷺ. وقد عَرَفَ اللهُ تَعَالَى لأحمدَ صَبْرَهُ وبَلَاءَهُ، ورَفَعَ عَلَمَهُ أَيَّامَ حَياتِهِ، وبعدَ مَوتهِ، أَصحابُهُ أَجَلُّ الأصْحَابِ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّ اللهَ يُعَطِيْ أحمدَ ثَوابَ الصِّدَيْقِيْنَ. الخَامِسَةُ: ما أَحَدٌ من الطَّعْنِ سَلِيْمٌ، ومنَ الوَهْنِ مُسْتَقِيْمٌ، لا يُضِافُ إِليه ما يُضَافُ إلى مُخَالفٍ ومُجَانِفٍ مَنْ وُسِمَ ببدعَةٍ، أَو رُسِمَ بشُنْعَةٍ، أو تَحريفِ مَقَالٍ، أو تَقْبِيْحِ فِعَالٍ. السَّادِسَةُ: اتفاقُ القَوْلِ الأخيرِ والقَديمِ أنَّ له الاحتياطَ في التَّحليلِ والتَّحريمِ، يَعْتَمِدُ في فقهِهِ على العَزَائمِ، كَمَا لم تَأْخُذْهُ في أُصولهِ المُقَرِّبَةِ إلى اللهِ ﷿ لَوْمَةُ لائِمٍ، يَعْتَمِدُ على كتابٍ ناطقٍ، أَوْ خَبَرٍ مُوَافِقٍ، أو قولِ صَحَابِيٍّ جَلِيلٍ صَادِقٍ، ويقدِّمُ ذَلكَ على الرَّأيِ والقِيَاسِ. السَّابِعَةُ: أَنَّ كلامَ أحمدَ في أَهْلِ البِدَعِ مَسْمُوعٌ، وإِلَيْه فيهم الرُّجوعُ، فَمَن ظَهَرَ في قولِهِ نَكيرَه، ولما يَعتقده تَغييره، فقد ثَبَتَ تكفيرَه، مثل ما قال في اللَّفظيَّةِ، والمُرجِئَةِ، والرَّافِضَةِ، والقَدَرِيَّةِ، والجَهمِيَّةِ، وإِنْ كَانَ قد سَبَقَ النُّطْقُ بِضَلَالِهِمْ، لكنْ لَهُ القَدَمُ العَالِي في شَرْحِ فَسَادِ مَذَاهِبِهم، وبَيَانِ قَبِيْحِ مَقَالَتِهِم (¬١)، والتَّحْذِيرِ من ضَلَالِهِمْ. الثَّامِنَةُ: مَا أَظْهَرَهُ اللهُ تَعَالَى له في حَيَاتِهِ مِنَ المَرَاتِبِ، ونَشَرَ لَهُ بعدَ مَمَاتِهِ مِنَ المَنَاقِبِ، وَرَفَعَ لَهُ بِذلكَ العَلَمَ بينَ سائرِ الأمَمِ، فتنافسَ حين موتهِ في الصَّلاةِ عليه العُلَمَاءُ والكُبَرَاءُ، والأغْنِيَاءُ والفُقَرَاءُ، والصُّلَحَاءُ والأوْلِيَاءُ؛ لأنَّه تُوفي في شَهر رَبيع الآخر من سنةِ إحْدَى وأربعين ومَائتين، ولَهُ سبعٌ وَسَبْعُوْنَ سنَةٌ. فقَالَ المُتَوكلُ على اللهِ لمُحَمَّدِ بن عبدِ الله بن طاهرٍ: طُوبَى لَكَ، صَلَّيْتَ على أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ. وَرَوَى الأئِمَّةُ الثَّقَاتُ، الحُفَّاظُ الأثْبَاتُ أَنَّ عبدَ الوَهَّابِ الوَرَّاقَ قَالَ: مَا بَلَغَنَا أَنَّه كَانَ للمُسلمينَ جَمْعٌ أكبرُ منهم على جَنَازَةِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، إلَّا جَنَازَة في بني إِسْرَائِيْلَ، وَرَوى أحمدُ بن ثابتٍ الخَطِيْبُ (¬٢) وغَيرُهُ بإسنادِهِ قَالَ: قَالَ الوَرْكَانِيُّ -جارُ أحمدَ بن حَنْبَلٍ- (¬٣): أَسْلَمَ يومَ مَاتَ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ عُشْرونَ ألفًا من اليَهودِ والنَّصَارَى والمَجُوْسِ. وقال الوَرْكَانِيُّ - يَوْمَ ماتَ أحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ -: وَقَعَ المَأْتَمُ والنَّوْحُ في أربعةِ أصنافٍ من النَّاسِ: المُسلمين، واليهودِ، والنَّصَارَى، والمَجُوْسِ. وبإسْنَادِهِ عَن أَحْمَدَ بن شَبُّوْيَهْ (¬١) قَالَ: سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ يقولُ: لولا الثَّوْرِيُّ لمَاتَ الوَرَعُ. ولولا أحمدُ بن حَنْبَلٍ لأحدَثُوا في الدِّينِ، قلتُ لقُتَيْبَةَ: تَضُمُّ أَحمدَ بن حَنْبَلٍ إلى أَحَدِ التَّابِعِيْنِ؟ فَقَالَ: إِلى كِبَارِ التَّابِعِيْنَ. وبإسنادِهِ قالَ إِسْحَاقُ بنُ رَاهُوْيَه: سمعتُ يَحيَى بنَ آدَمَ يقولُ: أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ إِمَامُنَا. وبإِسنادِهِ قال محمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ بنِ إِبْرَاهيْمَ الحَنْظَلِيُّ: سَمِحْتُ أَبي يَقُولُ: أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ حُجَّةٌ بينَ اللهِ وبينَ عَبِيْدِهِ في أَرْضِهِ. وبإسنادِهِ، قال عليُّ بنُ المَدِيْنِيِّ: أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ سَيِّدُنَا. وبإِسنَادِهِ، قَالَ المَيْمُونِيُّ: سَمِعْتُ عليَّ بنَ المَدِيْنِيِّ يقولُ: ما قَامَ أحدٌ بأمرِ الإسلام بعدَ رَسُولِ الله ﷺ ما قَامَ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ. قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يا أَبَا الحَسَن، ولا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيْقُ؟ قال: ولا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيْقُ؛ إِنَّ أَبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كان له أعوانٌ وَأَصْحَابٌ، وأَحْمَدُ بنُ حنْبَلٍ لم يَكُنْ لَهُ أعوانٌ ولا أَصْحَابٌ. وبإسنَادِهِ، عن محمَّدِ بن عليِّ بنِ شُعَيْبٍ (¬١) قَالَ: سَمِعْتُ أَبي يَقُولُ: كانَ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ بالَّذي قال النَّبيُّ ﷺ (¬٢): "كائنٌ في أمَّتِيْ ما كَانَ في بني إسْرَائِيلِ، حتَّى إنَّ المِنْشَارَ ليُوضَعُ على مَفْرِقِ رأسِهِ، ما يَصْرِفُهُ ذلكَ عن دِيْنِهِ" ولَوْلَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَامَ بهذَا، لكانَ عارًا عَلَيْنَا إلى يومِ القِيَامَةِ، إِنَّ قَوْمًا سُبِكُوا فلم يَخْرُجْ منهم أحدٌ. وأنبأنا المُباركُ بنُ عَبْدِ الجبَّارِ، أَخْبَرَنَا أبُو القَاسمِ الأَزَجِيُّ (¬١) -قِراءةً- أخبرَنَا أحمدُ بنُ محمَّد بن غَالبٍ، قالَ: قُرِئَ على عُمَر بن بِشْرَانَ: حدَّثَكُمْ الزُّبيرُ بنُ محمدٍ، قال: سَمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ عبدِ السَّلامِ المَكِّيَّ يقولُ: سمعتُ محمَّدَ بنَ إِسماعيل البُخَارِيَّ يقولُ: سمعتُ أبا الوليدِ الطَّيَالِسِيَّ يقولُ: لو أَنَّ أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ ﵁، في بَنِي إِسْرَائيلَ كُتِبَتْ له سِيْرَةٌ (¬١). رَوَى أَبُو عليٍّ الحَدَّادُ (¬٢) - قُرِئَ عَليه - أَخْبَرَنَا أَبُو العَبَّاسِ أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ يُوسف بن مردة المَسْجدِيُّ -إِجَازةً - حدَّثَنَا عبدُ الوَهَّابِ بنُ جَعْفَرِ بن عليٍّ المَيْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبو بَكرٍ محمَّدُ بنُ عِيْسَى بنِ عبدِ الكَرِيْمِ المَعْرُوْفُ بـ"بُكَيْرٍ" الخَرَّازُ الطَّرَسُوْسِيُّ بدمشق قال: سَمِعْتُ أَبا نَصْرِ المُظَفَّرَ بنَ أَحمدَ بنِ محمَّدٍ الخَياطَ، سَمِعْتُ السَّاجِيَّ - وهو زكَرِيَّا بن يَحْيَى - يقولُ: أحمدُ بن محمَّدٍ (¬١) أفضلُ عندي من مالك، والأوزاعِيِّ (¬٢) والثَّوريِّ، والشَّافِعِيِّ؛ وذلكَ أَنَّ لِهَؤُلَاءِ نُظَرَاءَ وأَحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ فلَا نَظيرَ لَهُ وبإِسْنَادِهِ عَن عبدِ اللهِ بن إِسْحَاقَ المَدَائِنِيِّ (¬٣) قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقولُ: رأَيْتُ كأَنَّ النَّاسَ قَدْ جُمِعُوا إِلى مَكَّةَ، وكأَنَّ الحَجَرَ انْصَدَعَ، فَخَرَجَ مِنْهُ لِوَاءٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيْلَ لِي: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل بَايَعَ اللهَ ﷿. وَبإِسْنَادِهِ قَالَ عبدُ الوَهَّابِ: لَمَّا قَال النَّبيُّ ﷺ: "فَرُدُّوْهُ إِلَى عَالِمِهِ" ردَدْنَاهُ إِلى أَحْمَد بنِ حَنْبَلٍ. وكَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ. وبإِسنَادِهِ قَالَ حَرْمَلَةُ بنُ يَحيى (¬١): سمعتُ الشَّافِعِيَّ يقولُ: خرجتُ من بَغْدَادَ ومَا خَلَّفْتُ بها أحدًا أَتْقَى ولا أَوْرَعَ ولا أَفْقَهَ - أَظُنُّهُ قال: ولا أَعْلَمَ - من أَحْمَدَ بنِ حَنْبلٍ. وبإِسنَادِهِ قَالَ أحمَدُ بنُ إِبْراهيم (¬٢) -يَعْنِي الدَّوْرِقيَّ- مَنْ سَمِعْتُمُوْهُ يذكرُ أحمدَ بنَ حَنبلٍ بسُوْءٍ فاتَّهِمُوْهُ على الإسْلَامِ. وبإِسنَادِهِ عن سَلَمَةَ بنِ شَبِيْبٍ (¬٣) قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عندَ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، فجاءَهُ رَجُلٌ فدقَّ البابَ، وكُنَّا قدْ دَخَلْنَا عَليه خُفْيَةً، فَظَننَّا أَنَّه قد غُمِزَ بِنَا، فَدَقَّ ثانيةً وثالثةً، فَقَال أحمدُ: اُدْخُلْ. قَالَ: فسلَّمَ، وقال: أَيُّكُمْ أَحمدُ؟ فأَشَارَ بعضُنَا إِليه. قال: جئْتُ من البَحْرِ من مسيرةِ أَرْبَعِمَائَةِ فَرْسَخٍ، أتاني آتٍ في منامي، فقَالَ: ائتِ أحمدَ بنَ حنبلٍ وسَلْ عَنْهُ، فإِنَّكَ تُدَلُّ عليه، وقُل له: إِنَّ اللهَ عَنْكَ رَاضٍ، وملائِكَةَ سَمَواتِهِ وملائِكَةَ أرضِهِ عنكَ راضُونَ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ، فَمَا سأَلَهُ عن حَديثٍ ولا مسأَلَةٍ. وبإِسْنَادِهِ قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحمَّدٍ الكِنْدِيُّ (¬١): رأَيْتُ أَحْمَدُ بنَ حَنْبَلٍ في المَنَامِ، فقلتُ: يا أَبا عَبدِ الله، مَا صَنَعَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي، ثُمَّ قَال: يا أَحْمَدُ ضُرِبْتَ فِيَّ؟ قالَ: قلتُ: نَعَم، ياربِّ. قالَ: يا أَحْمَدُ، هَذَا وَجْهِي، فانظُر إِلَيْه، فقد أَبَحْتُكَ النَّظَرَ إِلَيْهِ. وبإِسنادِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَين الأنْمَاطِيُّ (¬٢): كُنَّا في مَجْلِسٍ فيه يَحْيى بنُ مَعِيْنٍ، وأَبُو خَيْثَمَةَ زهُيْرُ بنُ حَرْبٍ، وجماعةٌ من كبارِ العُلَمَاءِ، فَجَعلُوا يثنُونَ على أَحمد بنِ حَنْبَلٍ، ويَذْكُرُونَ فضَائِلَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لا تُكْثِرُوا بَعْضَ هَذَا القَول؛ فقَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: وكثرةُ الثَّنَاءِ على أَحمدَ ابنِ حَنْبَلٍ تُسْتكْثَرُ؟ لو جَلَسْنَا مَجْلِسَنَا بالثَّنَاءِ عَليه ما ذكرنا فَضَائِلَهُ بكَمَالِهَا. أَخبرَنَا المُبارك، أخْبَرَنَا إِبْراهيمُ وعبدُ العزيز، قالا: أَخْبَرَنَا عليُّ بنُ مَرْدَكٍ (¬٣)، حَدَّثنَا عبدُ الرَّحْمن بنُ أبي حَاتِمٍ، قال: سمعتُ عبد الله بن الحُسين بن مُوسَى يقولُ: رَأَيْتُ رجلاً من أهلِ الحَديثِ تُوفي، فرأَيتُهُ فِيمَا يَرَى النَائِمَ، فقلتُ له: باللهِ عَلَيْكَ مَا فَعَلَ الله بِكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لي، فقلتُ: باللهِ؟ قالَ: باللهِ إِنَّه غَفَرَ لي، فقلتُ: بِمَاذَا غَفَرَ اللهُ لَكَ؟ فقَالَ: بِمَحَبَّتِي لأحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، فقلتُ: فَأنتَ في رَاحةٍ؟ فَتَبسَّمَ وقالَ: أَنَّا في راحةٍ وفَرْحَةٍ. أَخْبَرَنَا الوالدُ السَّعِيدُ -قراءةً- عن يُوسفَ الزَّاهدِ، حدَّثنَا محمَّدُ بنُ شُجَاعٍ المَرْوَرُّوْذِيُّ، حَدَّثَنَا أَبو بَكْرٍ عبدُ اللهِ بنُ مُحمَّدٍ القُرَشيُّ، حَدَّثنَا يوسفُ ابن بُخْتَان (¬١) -وَكَانَ مِن خِيَارِ المُسلمين- قَالَ: لَمَّا مَاتَ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ رأى رَجُلٌ في مَنَامِهِ كأَنَّ على كلِّ قبرٍ قَنْدِيلاً. فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فقيلَ لَه: أَمَا علمتَ أَنَّه نُوِّرَ لأهْلِ القُبُورِ قُبُوْرَهُم بنزولِ هذَا الرَّجُل بينَ أَظْهُرِهِمْ؟ وَقَدْ كانَ فيهم مَنْ يُعَذَّبُ فَرُحِمَ (¬٢). ولَوْ ذَهَبْنَا نَذْكُرُ فَضَائِلَهُ والمَنَامَاتِ الَّتِي تطابقَتْ بعدَ وَفَاتِهِ لطالَ بِهَا الكِتَابُ، ولم يكنْ قَصْدُنَا ذكرَ الفَضَائِلِ، وإِنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نذكرَ مَنْ رَوَى عَنْه. ومَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ في فَضَائِلِهِ فليَنْظُرْ في كِتَابِنَا "المُجَرَّدُ" في فضائِلِهِ (¬٣) رحمةُ الله عَلَيْهُ ورِضْوَانُهُ. فلنذكُرِ الآن يا أَخي -عَمَّرَ اللهُ مَجْلِسَكَ، وأَمتَعَ بِكَ مُجَالِسَكَ- طبقاتَ أَصْحَابِنَا، وتجريدَ ما يَسُرُّ الطالِبَ، ويُمَتِعُ الرَّاغِبَ، وقد جَعَلْنَاهُ سِتَّ طَبَقَاتٍ: (الطَّبَقَةُ الأُوْلَى): في ذكرِ أَصْحَابِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ، ومَنْ رَوَى عَنْهُ حَدِيْثًا أَو مَسْأَلَةً، أَوْ حِكَايَةً. وذكرنَا ما انتَهَى إِلَيْنَا من مَوَالِيْدِهِمْ وَوَفَاتِهِمْ ومُصَنَّفَاتِهِمْ، ومَنْ كَانَ مَنْسُوبًا إِلى بَلَدٍ أَوْ غَيْرِهِ (¬١). (والطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ): في ذِكْرِ أَصْحَابِ أَصْحَابِهِ، وكَذَلكَ الطَّبقَاتُ التي بعدَهُم على التَّرْتِيْبِ. وجَعَلْنَا الطَّبَقَةَ الأوْلَى والثَّانِيَةَ على حُرُوفِ المُعْجَمِ في أَوائِلِ الأَسْمَاءِ وكذلك أَسْمَاءَ آبائِهِمِ، ليَسْهُلَ على مَنْ أَرادَ أَن يَنْظُرَ في تَرْجَمَةٍ منها وما بَعْدَهَا من الطَّبَقَاتِ على تَقديمِ العُمْرِ والوَفَاةِ (¬٢). ونسأَلُ اللهَ المَعُوْنَةَ والتَّوفيقَ والمَغْفِرَةَ برَحْمَتِهِ، فمِنْ ذَلكَ:
Parsing and provenance details
Local passage ID
962276
Book record
shamela-1520
Source record
1024878
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain