Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

مقتل الحسين بن علي صلوات الله عليهما وسلامه

ابن سعد - الطبقات الكبرى - ط الخانجي · page 2599, entry [2068]

الطبقات الكبرى - ط الخانجي — ابن سعد

page 2599, entry [2068]Open original source
مقتل الحسين بن علي صلوات الله عليهما وسلامه قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، قال: حدثني عبد الله بن عمير مولى أم الفضل. قال: وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه. قال: وأخبرنا يحيى بن سعيد بن دينار السّعدي، عن أبيه. قال: وحدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبي وَجْزَة السعدي، عن علي بن حسين. قال: وغير هؤلاء أيضًا قد حدثني. قال محمد بن سعد: وأخبرنا علي بن محمد، عن يحيى بن إسماعيل بن أبي المهاجر، عن أبيه. وعن لوط بن يحيى الغامدي، عن محمد بن نَشْر (¬١) الهَمْدَانِيّ، وغيره. وعن محمد بن الحجاج، عن عبد الملك بن عمير. وعن هارون بن عيسى، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه. وعن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن مجالد، عن الشعبي. قال ابن سعد: وغير هؤلاء أيضًا قد حدثني في هذا الحديث بطائفة فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين رحمة الله عليه ورضوانه وصلواته وبركاته. قالوا: لما بايع معاوية بن أبي سفيان الناسَ ليزيد بن معاوية، كان حسين بن عليّ بن أبي طالب ممن لم يبايع له، وكان أهل الكوفة يكتبون إلى حسين يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، كل ذلك يأبَى. فَقَدِم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية، فطلبوا إليه أن يخرج معهم فأبَى وجاء إلى الحسين فأخبره بما عرضوا عليه وقال: إنّ القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا ويُشِيطُوا (¬٢) دماءنا، فأقام حسين على ما هو عليه مِنَ الهُمُوم، مَرّةً يريد أن يسير إليهم، ومَرّة يُجْمِع الإقامة، فجاءه أبو سعيد الخُدْرِيّ فقال: يا أبا عبد الله إني لكم ناصح وإني عليكم مُشْفِق، وقد بلغني أنه كَاتَبَك قومٌ من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج فإني سمعت أباك ﵀ يقول بالكوفة: والله لقد مَللتهم وأَبْغَضْتُهم، وملّوني وأبغضوني وما بَلَوْت منهم وفاء، ومَن فاز بهم فاز بالسهم الأخْيَب والله ما لهم نِيّات ولا عَزْم أمْر، ولا صَبْر على السيف. قال: وقدم المُسَيَّب بن نَجَبَةَ الفَزَارِيُّ وعِدّة معه إلى الحسين بعد وفاة الحسن فدعوه إلى خلع معاوية وقالوا: قد علمنا رأيك ورأى أخيك فقال: إني أرجو أن يعطي الله أخي على نيّتهِ في حُبِّه الكَفّ، وأن يعطيني على نِيّتي في حبّيّ جهاد الظالمين. وكتب مروان بن الحَكَم إلى معاوية: إني لست آمن أن يكون حسين مُرْصِدًا للفتنة، وأظن يومكم من حسين طويلًا. فكتب معاوية إلى الحسين: إن من أعطى الله صَفَقَة يمينه وعهده لجدير بالوفاء، وقد أنبِئْتُ أن قومًا من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، وأهل العراق مَنْ قد جَرّبْت، قد أفسدوا على أبيك، وأخيك، فاتق الله، واذكر الميثاق فإنك متى تَكِدْني أكِدْك. فكتب إليه الحسين: أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك عني جدير، والحسنات لَا يَهْدي لها إلا الله وما أردتُ لك محاربة ولا عليك خلافًا، وما أظن لي عند الله عذرًا في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر الأمة. فقال معاوية: إِنْ أَثَرْنا بأبي عبد الله إلا أسدًا. وكتب إليه معاوية أيضًا في بعض ما بلغه عنه: إني لأظن أن في رأسك نزوة فوددت أني أدركتها فأغفرها لك. قال: أخبرنا عليّ بن محمد، عن جويرية بن أسماء، عن مسافع بن شيبة، قال: لقي الحسين معاوية بمكة عند الرَّدْم (¬١)، فأخذ بخطام راحلته فأناخ به، ثم سَارّه حسين طويلًا وانصرف، فزجر معاوية راحلته فقال له يزيد: لا يزال رجل قد عرض لك فأناخ بك، قال: دعه فلعلّه يطلبها من غيري فلا يُسَوّغْه فيقتله (¬٢). رجع الحديث إلى الأول: قالوا: ولما حُضِرَ معاوية، دعا يزيد بن معاوية فأوصاه بما أوصاه به وقال: انظر حسين بن عليّ بن فاطمة بنت رسول الله ﷺ، فإنه أحب الناس إلى الناس فصِلْ رَحِمَه، وارفق به يصلح لك أمره، فإن يك منه شيء فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه (¬٣). وتوفي معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستين، وبايع الناس ليزيد، فكتب يزيد مع عبد الله بن عمرو بن أويس العامري - عامر بن لؤي - إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة، أن ادع الناس فبايعهم، وابدأ بوجوه قريش، وليكن أول مَن تبدأ به الحسين بن علي، فإن أمير المؤمنين عهد إليّ في أمره الرفق به واستصلاحه، فبعث الوليد بن عُتبة من ساعته - نصف الليل - إلى الحسين بن عليّ وعبد الله بن الزبير فأخبرهما بوفاة معاوية ودعاهما إلى البيعة ليزيد، فقالا: نصبح وننظر ما يصنع الناس، ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن الزبير وهو يقول: هو يزيد الذي تَعرف، والله ما حَدَثَ له حَزْم ولا مروءة، وقد كان الوليد أَغْلَظَ للحسين فشتمه الحسين، وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه، فقال الوليد: إنْ هِجْنا (¬١) بأبي عبد الله إلا أسَدًا. فقال له مروان أو بعض جلسائه: اقتله قال: إنّ ذاك لدم مضنون في بني عبد مناف. فلما صار الوليد إلى منزله، قالت له امرأته أسماء ابنة عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أسببتَ حُسَينًا؟ قال: هو بدأ فَسَبَّني، قالت: وإن سبك حسين تَسُبّه، وإنْ يسَبّ أباك تسبّ أباه!! قال: لا. وخرج الحسين وعبد الله بن الزبير من ليلتهما إلى مكة، فأصبح الناس فغدوا على البيعة ليزيد، وطُلِبَ الحسين وابن الزبير فلم يُوجَدَا، فقال المِسْورَ بن مَخْرَمة: عَجِلَ أبو عبد الله، وابن الزبير الآن يَلْفِتُه ويزْجِيه إلى العراق ليخلو بمكة. فقدما مكة، فنزل الحسين دار العباس بن عبد المطلب، ولَزِمَ ابن الزبير الحِجْر ولبِسَ المَعَافِري، وجعل يحرض الناس على بني أمية، وكان يغدو ويروح إلى الحسين، ويشير عليه أن يَقْدَمَ العراق ويقول: هم شيعتك وشيعة أبيك. وكان عبد الله بن عباس ينهاه عن ذلك ويقول: لا تفعل. وقال له عبد الله بن مطيع: أي فداك أبي وأمي مَتِّعنا بنفسك ولا تَسِر إلى العراق فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتّخذُنّا خَولًا وعبيدا. ولقيهما عبد الله بن عمر وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة بالأَبْواء منصرِفَيْن من العمرة، فقال لهما ابن عمر: الله أُذكِّركما، إلَا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناسُ، وتنظرا، فإن اجتمع الناس عليه لم تَشُذَّا، وإن افتُرِق عليه كان الذي تُريدان (¬١). وقال ابن عمر لحسين: لا تخرج فإن رسول الله ﷺ خَيّره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنّك (¬٢) بضعة منه ولا تنالها - يعني الدنيا فاعتنقه وبكى وودّعه. فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بن علي بالخروج، ولَعَمْري لقد رأى في أبيه وأخيه عِبْرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس فإن الجماعة خير. وقال له ابن عباس (¬٣): أين تريد يابن فاطمة؟ قال: العراف وشيعتي فقال: إني لكاره لوجهك هذا، تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك حتى تركهم سَخْطَةً ومَلّة لهم، أذكرك الله أن تغرر بنفسك. وقال أبو سعيد الخدري: غلبني الحسين على الخروج، وقد قلت له: اتق الله في نفسك والزم بيتك فلا تخرج على إِمَامِك. وقال أبو واقد الليثي: بلغني خروج حسين فأدركته بِمَلَلَ، فناشدته الله أن لا يخرج، فإنه يخرج في غير وجه خُروج، إنما يقتل نفسه، فقال: لا أرجع. وقال جابر بن عبد الله: كلّمت حسينًا فقلت: اتق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فوالله ما حُمِدتم ما صنعتم فعصاني. وقال سعيد بن المسيِّب: لو أن حسينًا لم يخرج لكان خيرًا له. وقال أبو سَلَمة بن عبد الرحمن: قد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج إليهم، ولكن شجَّعه على ذلك ابن الزبير. وكتب إليه المِسْوَر بن مَخْرَمَة: إياك أن تغتر بكتب أهل العراق، ويقول لك ابن الزبير: الْحَقْ بهم فإنهم ناصروك، إياك أن تبرح الحَرَم، فإنهم إن كانت لهم بك حاجة فسيضربون إليك آباط الإبل حتى يوافوك، فتخرج في قوة وعُدة، فجزاه خيرًا وقال: أستخيرُ الله في ذلك. وكَتَبَتْ إليه عَمْرةُ بنت عبد الرحمن: تعظّم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة، وتخبره أنه إنما يساق إلى مصرعه وتقول: أشهد لحدّثتني عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: يقتل حسين بأرض بابل، فلما قرأ كتابها قال: فَلا بُدَّ لي إذًا من مَصرعي ومضى. وأتاه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال: يا ابن عم، إنّ الرحم تظأرني (¬١) عليك (¬٢)، وما أدري كيف أنا عندك في النصيحة لك؟ قال: يا أبا بكر ما أنت ممن يُسْتغشّ ولا يُتَّهم، فقل. فقال: قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك وأنت تريد أن تسير إليهم وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك مَنْ قد وَعَدَك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فأذكرك الله في نفسك، فقال: جزاك الله يابن عم خيرًا، فلقد اجتهدت رأيك، ومهما يقض الله من أمر يكن، فقال أبو بكر: إنا لله، عند الله نحتسب أبا عبد الله!. وكتب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب إليه كتابًا يحذّره أهل الكوفة، ويناشده الله أن يشخص إليهم، فكتب إليه الحسين: إِنّي رأيت رؤيا، ورأيت فيها رسول الله ﷺ، وأمرني بأمر أنا ماضٍ له، ولستُ بمخبر بها أحدًا حتى أُلَاقي عملي. وكتب إليه عَمرو بن سعيد بن العاص: إني أسأل الله أن يلهمك رُشدك، وأن يصرفك عَمّا يُرْدِيك، بلغني أنك قد اعتزمتَ على الشخوص إلى العراق، فإني أعيذك بالله من الشقاق، فإن كنتَ خائفًا، فأقبل إليّ فلك عندي الأمان والبر والصلة، فكتب إليه الحسين: إنْ كنتَ أردتَ بكتابِك إليّ برّي وصِلَتي فجزيت خيرًا في الدنيا والآخرة، وإنه لم يشاقق مَن دعا إلى الله وعَمِلَ صالحًا وقال إنني من المسلمين، وخير الأمان أمان الله، ولم يؤمن بالله من لم يَخَفْه في الدنيا، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمان الآخرة عنده. وكتب يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن عباس يخبره بخروج الحسين إلى مكة. ونحسبه جاءه رجال من أهل هذا المشرق فَمنّوه الخلافة، وعندك منهم خِبْرة وتجربة. فإن كان فَعَلَ فقد قَطَعَ واشِجَ القرابة، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة. وكتَب بهذه الأبيات إليه وإلى مَنْ بمكة والمدينة من قريش: يا أيها الراكبُ الغادِي لِطَيَّتِه … على عُذَافِرَةٍ في سيرها قُحَمُ أبلغ قريشًا على نَأيْ المزار بها … بيني وبين حسين اللهُ والرَّحِمُ وموقف بفناء البيت أنْشُدُهُ … عهدُ الإله وما تُوْفَى بِهِ الذّمَمُ عَنّيتُمُ (¬١) قَوْمَكم فخرًا بأُمِّكُمُ … أمٌّ لَعَمْرِي حَصَانٌ عَفّةٌ كَرَمُ هي التي لا يُدَانِي فَضْلَها أحدُ … بِنْتُ الرسولِ وخيرُ النّاسِ قد عَلِمُوا وفضلها لَكُمُ فَضْلٌ وغَيرُكُمُ … من قَومكمْ لَهُمُ في فَضْلها قِسَمُ إنّي لأعَلَمُ أوْ ظَنًّا كَعَالِمِهِ … والظنّ يصْدُقُ أحيانًا فينْتَظِمُ أنْ سَوف يتْرُكُكُم ما تَدُّعونَ بها … قَتْلَى تَهادَاكُمُ العِقْبانُ والرّخَمُ يا قومنا لا تُشِبُّوا الحربَ إذ سكنت … وَمَسِّكوا بحال السّلْمِ واعتصموا قد غَرّتِ الحربُ من قد كان قَبلَكُم … من القرونِ وقد بادتْ بها الأُمَمُ فأنْصِفوا قومكم لا تَهْلَكوا بَذَخًا … فرُبَّ ذي بَذَخٍ زَلَّتْ به القَدَمُ قال: فكتب إليه عبد الله بن عباس: إني أرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه، ولست أَدَع النصيحة له فيما يجمع الله به الأُلْفَة ويطْفِئ به النّائِرَة (¬٢). ودخل عبد الله بن عباس على الحسين: فكلَّمه ليلًا طويلًا (¬٣) وقال: أنشدك الله أن تهلك غدًا بحال مَضْيَعَة، لا تأت العراق، وإن كنْتَ لا بد فاعلًا فأقم حتى ينقضي المَوْسِم، وتلقى الناس، تعلم على ما يَصْدُرون، ثم ترى رأيك، وذلك في عشر ذي الحجة سنة ستين. فأبى الحسين إلا أن يمضي إلى العراق، فقال له ابن عباس: والله إني لأظنّك ستقتل غدًا بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان بين نسائه وبناته، والله إني لأخاف أن تكون الذي يُقَاد به عثمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فقال الحسين: أبا العباس إنك شيخ قد كَبِرْت. فقال ابن عباس: لولا أن يُزْرِي ذلك بي أو بك لنَشَّبت يَدَي في رأسك، ولو أعلم أنا إذا تناصينا (¬١) أقمتَ، لفعلتُ، ولكن لا أخَال ذلك نافعي. فقال له الحسين: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي أن تُسْتَحَل بي - يعني مكة - قال: فبكى ابن عباس وقال: أقررتَ عَين ابن الزبير فذلك الذي سَلّى بنفسي عنه. ثم خرج عبد الله بن عباس من عنده وهو مُغْضَب، وابن الزبير على الباب، فلما رآه قال: يابن الزبير قد أتى ما أحببت، قرَّت عينك، هذا أبو عبد الله يخرج ويتركك والحجاز. يا لَكِ مِنْ قُبَّرَةٍ بمَعْمَرِ خَلَا لَكِ الجوُّ فَبِيضِي واصْفِرِي ونَقِّرِي ما شِئِتِ أَنْ تُنَقِّرِي وبعث حسين إلى المدينة، فقدم عليه من خَفّ معه من بني عبد المطلب، وهم تسعة عشر رجلًا، ونساء وصبيان من أخواته وبناته ونسائهم، وتبعهم محمد بن الحنفية فأدرك حسينًا بمكة، وأعْلَمَه أن الخروج ليس له برأي يومه هذا، فأبى الحسين أن يقبل. فحبس محمد بن علي وَلَده فلم يبعث معه أحدًا منهم، حتى وَجَدَ الحسين في نفسه على محمد، وقال: تَرْغَبُ بولدك عن موضع أصَابُ فيه؟! فقال محمد: وما حاجتي أن تصابَ ويُصَابُون معك، وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم! وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم، فخرج متوجهًا إلى العراق في أهل بيته وستين شيخًا من أهل الكوفة، وذلك يوم الاثنين في عَشْرِ ذِي الحجة سنة ستين. فكتب مروان إلى عُبيد الله بن زياد، أما بعد: فإن الحسين بن عليّ قد توجه إليك، وهو الحسين بن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ، وبالله ما أحد يُسلِّمه الله أحب إلينا من الحسين، فإياك أن تهيّج على نفسك ما لا يسده شيء ولا تنساه العامّة ولا تَدَعْ ذِكْرَه، والسلام. وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص. أما بعد: فقد توجه إليك الحسين وفي مثلها تُعتق أو تكون عبدًا تسترق كما تسترق العبيد (*). قال: أخبرنا عبد الله بن الزبير الحميدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثني لَبَطَة بن الفرزدق - وهو في الطواف وهو مع ابن شبرمة - قال: أخبرني أبي، قال: خرجنا حُجاجًا، فلما كنا بالصِّفاح (¬١) إذا نحن بركب عليهم اليَلَامِق (¬٢) ومعهم الدُّرق، فلما دنوت منهم إذا أنا بحسين بن عليّ، فقلت: أي أبو عبد الله. قال: فرزدق ما وراءك، قال: أنت أحب الناس والقضاء في السماء، والسيوف مع بني أمية. قال: ثم دخلنا مكة فلما كُنّا بمنى قلت له: لو أتينا عبد الله بن عمرو فسألناه عن حُسين وعن مخرجِهِ فأتينا منزله بمنى، فإذا نحن بصبية له سود مولّدين يلعبون قلنا أين أبوكم؟ قالوا في الفسْطَاط يتوضأ. فلم نلبث أن خرج علينا من فسْطَاطه. فسألناه عن حسين فقال: أَمَا إنه لا يَحِيكُ فيه السلاح. قال: فقلت له: تقول هذا فيه وأنت الذي قاتلته وأباه، فسبّني فسببته، ثم خرجنا حتى أتينا مَاءً لنا يقال له: تِعْشَار (¬٣)، فجعل لا يمر بنا أَحَدٌ إلا سألناه عن حسين، حتى مر بنا ركب فناديناهم: ما فعل حسين بن علي؟ قالوا: قُتِلَ، فقلت: فعل الله بعبد الله بن عمرو وفعل. قال سفيان: ذهب الفرزدق إلى غير المعنى أو قال الوجه، إنما قال: لا يَحِيْكُ فيه السلاح ولا يضره القتل مع ما قد سبق له (¬١). قال: أخبرنا عبد الله بن الزبير الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا شِيعيّ لنا يقال له العلاء بن أبي العباس، عن أبي جعفر، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال في حسين [حين] خرج: أَمَا إنَّه لا يحيك فيه السلاح (¬٢). قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا معاوية بن عبد الكريم، عن مروان الأصفر، قال: حدثني الفرزدق بن غالب، قال: لما خرج الحسين بن علي ﵀، لقيت عبد الله بن عمرو فقلت له: إنّ هذا الرجل قد خرج فما ترى؟ قال: أرى أن تخرج معه فإنك إن أردتَ دنيا أصبتها وإن أردتَ آخرة أصبتها، قال: فَرَحلْتُ نحوه، فلما كنتُ في بعض الطريق بلغني قتله، فرجعتُ إلى عبد الله بن عمرو فقلت: أين ما قلتَ لي؟ قال: كان رأيا رأيته. قال: أخبرنا عليُّ بن محمد، عن الهُذَلِي، أن الفرزدق قال: لقيت حسينًا فقلت: بأبي أنت، لو أقمتَ حتى يصدر الناس لرجوت أن يَتَقَصّف أهل الموسم معك. فقال: لم آمنهم يا أبا فراس، قال: فدخلت مكة فإذا فسطاط وهيئة فقلت لمن هذا؟ قالوا: لعبد الله بن عمرو بن العاص فأتيته، فإذا شيخ أحمر، فسلمت فقال: من؟ قلت: الفرزدق. أترى أن أنصر حسينًا؟ قال: إذًا تُصِيب أجرًا وذُخْرًا قلت: بِلا دُنْيا؟ فأطرق ثم قال: يابن غالب لَتَتِمَّن خلافة يزيد، فانْظُرَنّ، فكرهت ما قال. قال: فَسَبَبْت يزيد ومعاوية قال: مَهْ قبَّحك الله، فغضبت فَشَتَمْتُه وقمتُ، ولو حضر حَشَمُه لأوجعوني، فلما قضيت الحج رجعت فإذا عِيرٌ فَصَرَخْتُ ألا ما فعل الحسين؟ فردوا عَلَيّ ألا قُتِل. قال: أخبرنا عليُّ بن محمد، عن جويرية بن أسماء، وعلي بن مُدْرِك، عن إسماعيل بن يسار، قال: لقى الفرزدق حسينًا بالصّفَاح فسلم عليه، فوصله بأربعمائة دينار، فقالوا: يا أبا عبد الله، تعطي شاعرًا مُبْتَهِرًا قال: إن خير ما أمضيت من مالك ما وَقَيْتَ به عرضك، والفرزدق شاعر لا يُؤْمَن. فقال قوم: لإسماعيل: وما عسى أن يقول في الحسين، ومكانه مكانه، وأبوه وأمه مَن قد علمت، قال: اسكتوا فإن الشاعر ملعون، إن لم يقل في أبيه وأمه قال في نفسه. قال: أخبرنا عليّ بن محمد، عن حُبَاب (¬١) بن موسى، عن الكلبي، عن بحير بن شداد الأسدي، قال: مر بنا الحسين بالثعْلَبِيّة (¬٢) فخرجت إليه مع أخي، فإذا عليه جُبَّة صفراء لها جيب في صدرها، فقال له أخي: إني أخاف عليك، فضرب بالسوط على عيبة قد حَقَبَها وقال: هذه كتب وجوه أهل المصر. قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن يزيد الرِّشْك، قال: حدثني مَنْ شَافَهَ الحسين، قال: رأيت أبنية مضروبة بفلاة من الأرض فقلت: لِمَنْ هذه؟ قالوا: هذه لحسين قال: فأتيته فإذا شيخ يقرأ القرآن، قال: والدموع تسيل على خدّيه ولحيته، قال: قلت: بأبي وأمي يابن رسول الله، ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد؟ قال: هذه كتب أهل الكوفة إليّ ولا أراهم إلّا قاتليّ، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلّا انتهكوها فيسلّط الله عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من فَرَمِ الأَمة - يعني مقنعتها. ثم رجع الحديث إلى الأول: قالوا: وقد كان الحسين قدّم مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى الكوفة، وأمره أن ينزل على هانئ بن عروة المرادي، وينظر إلى اجتماع الناس عليه ويكتب إليه بِخَبَرِهم، فقدم مسلم بن عقيل الكوفة مستخفيًا، وأتته الشيعة، فأخذ بيعتهم، وكتب إلى حسين بن علي: إني قدمت الكوفة فبايعني منهم إلى أن كتبت إليك ثمانية عشر ألفًا فعجّل القدوم فإنه ليس دونها مانع. فلما أتاه كتاب مسلم أغذّ السّير حتى انتهى إلى زُبَالة (¬١)، فجاءت رُسُل أهل الكوفة إليه بديوان فيه أسماء مائة ألف، وكان النعمان بن بَشير الأنصاري على الكوفة في آخر خلافة معاوية فهلك وهو عليها، فخاف يزيد أن لا يُقْدِمَ النعمانُ على الحسين، فكتب إلى عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان وهو على البصرة، فضم إليه الكوفة، وكتب إليه بإقبال الحسين إليها، فإن كان لك جناحان فطر حتى تسبق إليها، فأقبل عبيد الله بن زياد على الظهر سريعًا حتى قدم الكوفة، فأقبل متعممًا متنكرًا حتى دخل السوق، فلما رأته السّفلة وأهل السوق خرجوا يشتدون بين يديه وهم يظنون أنه حسين، وذاك أنهم كانوا يتوقعونه، فجعلوا يقولون لعبيد الله: يابن رسول الله، الحمدُ لله الذي أراناك. وجعلوا يقبِّلون يده ورِجْله، فقال عبيد الله: لشدّ ما فَسَدَ هؤلاء. ثم مَضَى حتى دخل المسجد فصلى ركعتين ثم صَعد المنبر وكَشفَ عن وجهه فلما رآه الناس مالَ بعضهم على بعض وأقشعوا عنه (¬٢). وبَنَى عبيد الله بن زياد تلك الليلة بأهله أم نافع بنت عمارة بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط، وأتى تلك الليلة برسول الحسين بن علي قد كان أرسله إلى مُسلم بن عقيل يقال له: عبد الله بن بقطر، فقتله. وكان قَدِمَ مع عبيد الله من البصرة شريك بن الأعور الحارثي وكان شيعة لعليّ، فنزل أيضًا على هانئ بن عُروة، فاشتكى شريك، فكان عبيد الله يَعوده في منزل هانئ، ومُسلم بن عقيل هناك لا يعلم به. فهيئوا لعبيد الله ثلاثين رجلًا يقتلونه إذا دخل عليهم وأقبل عبيد الله فدخل على شريك يسأل به، فَجعل شريك يقول: ما تنظرون بسلمى أن تحيّوها اسقوني ولو كانت فيها نفسي. فقال عبيد الله: ما يقول؟ قالوا: يَهْجر (¬٣)، وتحشحش القوم في البيت، فأنكر عبيد الله ما رأى منهم، فَوَثَب فخرج ودعا مولى لهانئ بن عروة كان في الشرطة فسأله فأخبره الخبر، فقال: أولا (¬١)، ثم مضى حتى دخل القصر وأرسل إلى هانئ بن عروة وهو يومئذ ابن بضع وتسعين سنة فقال: ما حملك على أن تُجير عدوّي وتنطوي عليه؟ فقال: يابن أخي إنه جاء حَقٌّ هو أَحَقُّ من حَقِّك وَحَقِّ أهل بيتك، فوثب عبيد الله وفي يده عَنَزَة فضرَبَ بها رأس هانئ حتى خرج الزُجّ واغترز في الحائط ونثر دماغ الشيخ فقتله مكانه (¬٢). وبلغ الخبرُ مُسْلِمَ بن عقيل، فخرج في نحو من أربعمائة من الشيعة، فما بلغ القصر إلّا وهو في نحو ستين رجلًا، فغربت الشمس واقتتلوا قريبًا من الرحبة، ثم دخلوا المسجد وكَثَرَهُمْ (¬٣) أصحاب عبيد الله بن زياد، وجاء الليل فهرب مسلم حتى دخل على امرأة من كِنْدَة يقال لها: طوعة، فاستجارَ بها، وعلم بذلك محمد بن الأشعث بن قَيْس فأخبر به عبيد الله بن زياد، فبعثَ إلى مسلم فجيء به فأنّبه وبكّته وأمر بقتله، فقال: دَعني أوصي. قال: نعم. فنظر إلى عمر بن سعد بن أبي وقّاص فقال: إن لي إليك حاجة وبيني وبينك رَحِم، فقال عبيد الله: انظر في حاجة ابن عمك. فقام إليه فقال: يا هذا إنه ليس ها هنا رجل من قريش غيرك، وهذا الحسين بن علي قد أظلك فأرسلْ إليه رسولًا فلينصرف، فإن القوم غرّوه وخدعوه وكذبوه، وإنه إن قتل لم يكن لبني هاشم بعده نظام، وعليّ دَيْن أخذته منذ قدمت الكوفة فاقضه عني، واطلب جثتي من ابن زياد فَوَارها، فقال له ابن زياد: ما قال لك؟ فأخبره بما قال. فقال: قل له: أمّا مالك فهو لك لا نمنعك منه وأما حُسين، فإن تَرَكَنَا لم نُرِدُه، وأما جثته فإذا قَتلناه لم نبال ما صُنِعَ به (¬٤). ثم أمر به فقتل، فقال عبد الله بن الزَّبِيْر الأسدي في ذلك (¬٥). إن كُنْتِ لا تَدْرِين ما الموتُ فانْظُري … إلى هانئ في السوقِ وابنِ عقيلِ تَرَى جَسَدًا قد غَيَّرَ الموتُ لَونَه … ونَضْحَ دمٍ قد سَالَ كُلَّ مَسِيلِ أصابَهما أمرُ الإمامِ فأصبحا … أحاديثَ من يَهوى بكلِ سبيلِ تَرَىْ بَطَلًا قد هشّم السيفُ رأَسَه … وآخرَ يَهوى من طَمار قتيل أيركبُ أسماءُ الهماليجَ (¬١) آمنًا … وقد طَلَبَتْهُ مَذْحجٌ بقتيلِ فإنْ أنتُم لم تثأروا بأخيكُم … فكونوا بَغَايَا أُرْضِيَت بقليلِ يعني أسماء بن خَارِجة الفَزَاري، كان عُبيد الله بن زياد بعثه وعمرو بن الحجّاج الزبيدي إلى هانئ بن عُروة، فأعطاه العهود والمواثيق، فأقبل معهما حتى دخل على عبيد الله بن زياد فقتله. قال: وقضَى عمر بن سعد دَيْن مُسلم بن عَقِيل، وأخذ جثته فكفّنه ودفنه، وأرسل رجلًا إلى الحسين فحَمَله على ناقة وأعطاه نفقة، وأمره أن يبلّغه ما قال مُسلم بن عقيل، فلقيه على أربعِ مراحل فأخبره. وبعثَ عُبيد الله برأس مُسْلم بن عقيل وهانئ بن عُروة إلى يزيد بن معاوية (¬٢). وبلغ الحُسين قَتْلُ مسلم وهانئ فقال له ابنه على الأكبر: يا أبه، ارجع فإنهم أهل [العراق] (¬٣) وغَدْرهم، وقِلّة وفائهم، ولا يَفون لك بشيء. فقالت بنو عقيل لحسين: ليس هذا بحين رجوع، وحرَّضُوه على المضي. فقال حسين لأصحابه: قد تَرون ما يأتينا، وما أرى القوم إلّا سَيخذلوننا، فمن أحبَّ أن يرجع فليرجع، فانصرفَ عنه [الذين] صاروا إليه في طريقه وبقي في أصحابه الذين خرجوا مَعَهُ مِنْ مَكّة (¬٤) ونُفَيْرٌ مِنْ صَحْبِهِ في الطريق، فكانت خيلهم اثنين وثلاثين فرسًا. قال: وجَمع عُبيد الله المقاتلة وأمر لهم بالعطاء، وأعطى الشُرَطَ، ووجّه حصينَ بن تميم الطُّهْوي إلى القادسية، وقال له: أقم بها فمن أَنْكَرْتَه فخذه، وكان حسين قد وجّه قيس بن مسهر الأسدي إلى مسلم بن عقيل قبل أن يبلغه قتله، فأخذه حصين فوجّه به إلى عبيد الله، فقال له عبيد الله: قد قتل الله مسلمًا فأقم في الناس فاشتم الكذاب ابن الكذاب، فصعد قيس المنبر فقال: أيها الناس إني تركت الحسين بن علي بالحاجر، وأنا رسوله إليكم وهو يستنصركم فأمر به عبيد الله فطرح من فوق القصر فمات (¬١). ووجه الحُصَين بن تميم: الحر بن يزيد اليربوعي من بني رياح في ألف إلى الحسين وقال: سايره ولا تَدَعه يرجع حتى يدخل الكوفة وجَعْجِعْ به. ففعل ذلك الحر بن يزيد. فأخذ الحسين طريق العُذَيْب (¬٢) حتى نزل الجوف مسقط النجف (¬٣) مما يلي المائتين (¬٤)، فنزل قصر أبي مقاتل، فَخَفَقَ خَفْقَة ثم انتبه يسترجع، وقال: إني رأيتُ في المنام آنفًا فارسًا يسايرنا ويقول: القومُ يَسْرُون والمنايا تَسْرِي إليهم، فعلمتُ أنه نُعي إلينا أنفسنا، ثم سار حتى نزل بكَرْبلاء فاضطرب فيه (¬٥). ثم قال: أي منزلٍ نحن به؟ قالوا: بكربلاء. فقال: يوم كربٍ وبَلَاء، فوجه إليه عبيد الله بن زياد عمر بن سعد بن أبي وقّاص في أربعة آلاف، وقد كان استعمله قبل ذلك على الرَّي وهَمذان، وقطع ذلك البعث معه، فلما أمره بالمسير إلى حسين تأبّى ذلك وكَرِهَه واستعفى منه، فقال له ابن زياد: أُعْطِي الله عهدًا لئن لم تَسر إليه وتُقدِم عليه، لأعزلنك عن عَملك، وأَهدم دارك، وأضرب عنقك، فقال: إذًا أفعل، فجاءته بنو زهرة، قالوا: ننشدك الله أن تكون أنت الذي تَلِي هذا من حسين، فتبقى عداوة بيننا وبين بني هاشم. فرجع إلى عبيد الله فاستعفاه فأبى أن يُعْفِيَه، فصمّم وسار إليه. ومع حسين يومئذ خمسون رجلًا، وأتاهم من الجيش عشرون رجلًا، وكان معه من أهل بيته تسعة عشر رجلًا، فلما رأى الحسين عمر بن سعد، قد قَصَدَ له فيمن مَعَه قال: يا هؤلاء اسمعوا يرحمكم الله ما لنا ولكم؟ ما هذا بكم يا أهل الكوفة؟ قالوا: خِفْنا طرح العطاء قال: ما عند الله من العطاء خير لكم. يا هؤلاء: دعونا فلنرجع من حيث جئنا. قالوا: لا سبيل إلى ذلك قال: فدعوني أمضي إلى الرّي فأجاهد الدّيْلم. قالوا: لا سبيل إلى ذلك. قال: فدعوني أذهب إلى يزيد بن معاوية فأضع يَدِي في يَدِه، قالوا: لا، ولكن ضع يَدَكَ في يَدِ عبيد الله بن زياد. قال: أما هذه فلا. قالوا: ليس لك غيرها. وبلغ ذلك عبيد الله بن زياد فهَمّ أن يُخلِّي عنه، وقال: والله ما عرض لشيء من عملي وما أراني إلا مخل سبيله يذهب حيث شاء، فقال (¬١) شِمْر بن ذي الجوشَن الضبابي إِنك والله إن فعلت وَفَاتَك الرجل لا تستَقِيلها أبدًا، وإنما كان هِمّةُ عبيد الله أن يثبت على العراق، فكتب إلى عمر بن سعد: الآن حين تَعلْقَتْه حِبَالُنا … يَرْجُو النجاة وَلَاتَ حِينَ مَنَاصِ (¬٢) فناهِضْه وقال لشِمْر بن ذي الجوشن: سر أنت إلى عمر بن سعد فإن مضى لما أمَرْتُه وقاتل حسينًا، وإلا فاضرب عنقه وأنت على الناس. قال: وجعل الرجل والرجلان والثلاثة يتسللون إلى حسين من الكوفة، فبلغ ذلك عبيد الله فخرج فعسكر بالنخَيْلة، واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث، وأخذ الناسَ بالخروج إلى النخيلة وَضَبَطَ الجسر، فلم يترك أحدًا يجوزه، وعقد عبيد الله للحصين بن تميم الطُّهْوِي على ألفين، ووجهه إلى عمر بن سعد، مددًا له، وقدم شِمْر بن ذي الجوشن الضبابي على عمر بن سعد بما أمره به عبيد الله عشية الخميس لتسع خلون من المحرم سنة إحدى وستين بعد العصر، فنودِي في العسكر فركبوا، وحسين جالس أمام بيته محتبيًا، فنظر إليهم قد أقبلوا فقال للعباس بن علي بن أبي طالب: الْقَهم فاسألهم ما بدا لهم. فسألهم، فقالوا: أتانا كتاب الأمير يأمرنا أن نعرض عليك أن تنزل على حكمه أو نناجزك، فقال: انصرفوا عنا العشية حتى ننظر ليلتنا هذه فيما عرضتم، فانصرف عمر (¬١). وجمع حسين أصحابه في ليلة عاشوراء ليلة الجمعة فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي ﷺ وما أكرمه الله به من النبوة وما أنعم به على أمته وقال: إني لا أحسب القوم إلا مقاتلوكم غدًا وقد أذنت لكم جميعًا فأنتم في حِلّ مني، وهذا الليل قد غشيكم فمن كانت له منكم قوة فليضمَّ رجلًا من أهل بيتي إليه، وتفرقوا في سوادكم حتى يأتي الله ﴿بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [سورة المائدة: ٥٢]. فإن القوم إنما يطلبونني فإذا رأوني لَهَوْا عن طلبكم. فقال أهل بيته: لا أبقانا الله بعدك، لا والله لا نفارقك حتى يصيبنا ما أصابك، وقال ذلك أصحابه جميعًا. فقال: أثابكم الله على ما تَنْوُون الجنة (¬٢). قال أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم الشيباني، عن سفيان، عن أبي الجحّاف، عن أبيه، أن رجلًا من الأنصار أتى الحسين فقال: إن عَلَيَّ دينًا فقال: لا يقاتل معي من عليه دين (¬٣). قال: أخبرنا علي بن محمد، عن أبي الأسود العبدي، عن الأسود بن قيس العبدي، قال: قيل لمحمد بن بشير الحضرمي: قد أسر ابنك بثغر الري! قال: عند الله احتسبه ونفسي، ما كنت أحب أن يؤسر، ولا أن أبقى بعده، فسمع قوله الحسين فقال له: رحمك الله أنت في حِلّ من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك، قال: أكلتني السباع حيًا إن فارقتك قال: فاعط ابنك هذه الأثواب والبرود يستعين بها في فكاك أخيه، فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار. رجع الحديث إلى الأول: فلما أصبح يَوْمَه الذي قتل فيه رحمة الله عليه قال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة، وأنت وليّ كل نعمة وصاحب كل حسنة. ثم قال حسين لعمر وأصحابه: لا تعجلوا حتى أخبركم خبري، والله ما أتيتكم حتى أتتني كتب أَمَاثِلكم، بأن السُّنَّة قد أُميتت، والنفاق قد نجم، والحدود قد عُطِّلت، فاقدمْ لعلّ الله ﵎ يصلح بك أمة محمد ﷺ فأتيتكم، فإذا كرهتم ذلك فأنا راجع عنكم، وارجعوا إلى أنفسكم فانظروا هل يصلح لكم قتلي أو يحل لكم دمي؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن ابن عَمِّه؟ وابن أول المؤمنين إيمانًا؟، أَوَ لَيْس حمزة والعباس وجعفر عمومتي؟ أو لم يبلغكم قول رسول الله ﷺ فِيَّ وفي أخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ فإن صدقتموني وإلا فاسألوا جابر بن عبد الله، وأبا سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وزيد بن أرقم. فقال شِمْر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول (¬١). فأقبل الحر بن يزيد أحد بني رِيَاح بن يربوع على عمر بن سعد فقال: أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: نعم. قال: أما لكم في واحدة من هذه الخصال التي عرض رضًا؟ قال: لو كان الأمر إليّ فعلت. فقال سبحان الله ما أعظم هذا، أن يعرض ابن بنت رسول الله ﷺ عليكم مما يعرض فتأبونه، ثم مال إلى الحسين فَقَاتَل معه حتى قُتِل (¬٢). ففي ذلك يقول الشاعر المتوكل الليثي: لَنِعم الحر حُر بني رِيَاح … وحُر عند مُختلف الرّماحِ ونِعم الحر ناداه حسين … فَجَادَ بنفسه عند الصّباح وقال الحسين: أما والله يا عمر ليكونن لما ترى يوم يسوءك، ثم رفع حسين يده مَدًّا إلى السماء فقال: اللهم إن أهل العراق غرّوني وخدعوني، وصنعوا بحسن بن علي ما صنعوا، اللهم شتت عليهم أمرهم وأحصهم عددًا (¬٣). وناهض عمر بن سعد حسينًا، فكان أول من قاتل مولى لعبيد الله بن زياد يقال له: سالم، فصل من الصف فخرج إليه عبد الله بن تميم الكلبي فقتله، والحسين جالس عليه جبة خز دكناء وقد وقعت النبال عن يمينه وعن شماله وابن له ابن ثلاث سنين بين يديه فرماه عقبة بن بشر الأسدي فقتله، ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسين بن علي فقتله، فقال سليمان بن قَتَّة: وَعِنْدَ غَنِيٍّ قطرة من دمائنا … وفي أسَدٍ أخرى تُعَدّ وتُذْكَرُ قال: ولبس حسين لأمته، وأطاف به أصحابه يقاتلون دونه، حتى قتلوا جميعًا، وحسين عليه عمامة سوداء وهو مختضب بسواد يقاتل قتال الفارس الشجاع (¬١). قال: ودعا رجل من أهل الشام، عليّ بن حسين الأكبر - وأمُّه، آمنة بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، وأمها بنت أبي سفيان بن حرب فقال: إن لك بأمير المؤمنين قَرابة ورحمًا فإن شئت أمناك وامض حيث ما أحببت فقال: أما والله لقرابة رسول الله ﷺ كانت أولى أن ترعى من قرابة أبي سفيان، ثم كَرّ عليه وهو يقول: أنا عليُّ بن حُسين بن عَلِيْ نحن وبيتُ الله أَوْلَى بالنّبِيْ مِنْ شَمِرٍ وعُمَر وابن الدّعِيْ (¬٢) قال: وأقبل عليه رجل من عبد القيس يقال له مُرّة بن منقذ بن النعمان، فطعنه، فحُمِل فَوضِع قريبًا من أبيه، فقال له: قتلوك يا بني، على الدنيا بعدك العفاء، وَضَمّه أبوه إليه حتى مات. فجعل الحسين يقول: اللهم دَعَوْنَا لينصرُونا فخذلونا وقتلونا، اللهم فاحبس عنهم قَطْر السماء وامنعهم بركات الأرض فإن متعتهم إلى حين ففرِّقْهم شِيَعًا واجعلهم طرائِقَ قِدَدا، ولا تُرْضِي الولاةَ عنهم أبدًا. وجاء صبي من صبيان الحسين يشتدّ حتى جلس في حِجْر الحسين، فرماه رجل بسهم فأصاب ثُغْرَةَ نَحْرِه فقتله، فقال الحسين: اللهم إن كنتَ حبست عنا النصر فاجعل ذلك لما هو خير في العاقبة وانتقم لنا من القوم الظالمين (¬١). قال: وخرج القاسم بن حسن بن علي وهو غلام عليه قميص ونعلان، فانقطع شِسْع نعله اليسرى، فحمل عليه عمرو بن سعيد الأزدي فضربه، فسقط ونادى: يا عماه، فحمل عليه الحسين فضربه فاتقاها بيده فقطعها من المرفق فسقط وجاءت خيل الكوفيين ليحملوه وحمل عليهم الحسين فجالوا ووطئوه حتى مات (¬٢). ووقف الحسين على القاسم فقال: عَزّ على عَمِّكَ أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا ينفعك، يَوْمٌ كَثُرَ واتِرُه وقَلّ ناصِرُه، وبعدًا لقوم قتلوك، ثم أمر به فحمل ورجلاه تخطَّان في الأرض حتى وضِعَ مع علي بن حسين، وعَطِشَ الحسين، فاستسقى وليس معهم ماء فجاءه رجل بماء فتناوله ليشرب، فرماه حصين بن تميم بسهم فوقع في فيه، فجعل يتلقى الدّم بيده ويحمد الله، وتوجه نحو المُسناة يريد الفرات، فقال رجل من بني أبَان بن دارم: حولوا بينه وبين الماء، فعرضوا له فحالوا بينه وبين الماء، وهو أَمَامَهُم. فقال حسين: اللهم أظْمِه. ورماه الأباني بسهم فأثبته في حَنَكِه، فانتزع السهم وتلقى الدم فملأ كَفّه وقال: اللهم إني أشكوا إليك ما فعل هؤلاء، فما لَبِثَ الأباني إلا قليلًا حتى رئي وإنَّه ليؤتى بالقُلّة أو العس، إنْ كَانَ لَيَرْوِي عِدّة، فيشرَبَه فإذا نَزَعه عن فِيْه قال: اسقوني فقد قتلني العطش فما زال بذلك حتى مات (¬٣). وجاء شِمْر بن ذي الجوشن فحال بين الحسين وبين ثَقَله، فقال الحسين: رَحْلِي لكم عن ساعة مباح، فامنعوه مِن جُهّالِكم وطَغَامِكم وكونوا في دنياكم أحرارًا إذا لم يكن لكم دين، فقال شِمْر: ذلك لك يابن فاطمة. قال: فلما قتل أصحابُه وأهل بيته بقي الحسين عامّة النهار لا يُقْدِم عليه أحد إلا انصرفَ حتى أحاطت به الرجّالة، فما رأينا مكثورًا قط أربط جأشًا منه، إنْ كَان ليقاتلهم قتال الفارس الشجاع، وإنْ كان ليشدّ عليهم فينكشفون عنه انكشاف المِعْزَى شَدّ فيها الأسَدُ، فمكث مَلِيًا مِنَ النّهَار والناس يتدافعونه ويكرهون الإقدام عليه، فصاح بهم شِمْر بن ذي الجَوْشَن: ثكلتكم أمهاتُكم ماذا تنتظرون به؟ أقْدِمُوا عليه، فكان أول من انتهى إليه، زُرْعَة بن شَرِيك التميمي فضرب كتفه اليسرى، وضربه حسين على عاتقه فصرعه، وبرز له سِنَان بن أنس النخَعِي فطعنه في تَرقُوَتهِ، ثم انتزع الرمح فطعنه في بَوَانِي (¬١) صدره، فخرّ الحسين صريعًا، ثم نزل إليه ليحتز رأسه ونزل معه خَوْلِي بن يزيد الأصبُحِي فاحتز رأسه (¬٢). ثم أتى به عبيد الله بن زياد فقال: - أوقِرْ رِكَابِي فِضّةً وذَهَبَا … أنا قتلتُ المَلِكَ المُحَجَّبَا قتلتُ خيرَ الناس أُمًّا وأَبَا … وخيرهم إذ يُنْسَبُون نَسَبَا قال: فلم يعطه عبيد الله شيئًا. قال: ووجدوا بالحسين ثلاثًا وثلاثين جراحة، ووجدوا في ثوبه مائة وبضعة عشر خَرْقًا من السهام وأثر الضرب، وقتل يوم الجمعة يوم عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين، وله يومئذ ست وخمسون سنة وخمسة أشهر. وكان جعفر بن محمد يقول: قتل الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة. وقتل مع الحسين، اثنان وسبعون رجلًا، وقتل من أصحاب عمر بن سعد، ثمانية وثمانون رجلًا. وقتل مع الحسين بن علي بن أبي طالب (¬٤) ﵁: - - الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵁، قتله سنان بن أنس النخعي، وأجهز عليه وحَزّ رأسه - الملعون - خَوْلي بن يزيد الأصبحي. والعباس بن علي بن أبي طالب الأكبر، قتله زيد بن رقاد الجَبَنيّ، وحكيم السِّنْبسِيّ من طَيِّئ وجعفر بن علي بن أبي طالب الأكبر، قتله هانئ بن ثُبَيت الحضرمي. وعبد الله بن علي بن أبي طالب، قتله هانئ بن ثبيت الحضرمي، قال: وقد كان العباس بن علي، قال لجعفر وعبد الله ابْنَي عليّ: تقدما، فإن قتلتما ورثتكما، وإن قتلتُ بعدكما ورثني ولدي، وإن قتلت قبلكما ثم قتلتما ورثكما، محمد بن الحنفية، فتقدما فقتلا ولم يكن لهما ولد، ثم قتل العباس بعدهما. وعثمان بن علي بن أبي طالب، رماه خَوْلِي بن يزيد بسهم فأثبته وأجهز عليه رجل من بني أَبَان بن دارم وأبو بكر بن علي بن أبي طالب، يقال: إنه قتل في ساقية ومحمد بن علي بن أبي طالب الأصغر، وأمه أم ولد، قتله رجل من بني أبان بن دارم وعلي بن حسين بن علي الأكبر، قتله مُرّة بن منقذ بن النعمان العبدي وعبد الله بن الحسين، قتله هانئ بن ثُبَيت الحضرمي وجعفر بن الحسين، وأبو بكر بن الحسين، قتلهما عبد الله بن عُقْبَةَ الغَنَوِي وعبد الله بن الحسن، قتله ابن حَرْمَلَة الكاهلي من بني أسد والقاسم بن الحسن، قتله سعيد بن عمرو الأزدي وعون بن عبد الله بن جعفر، قتله عبد الله بن قُطْبَة الطائي ومحمد بن عبد الله بن جعفر، قتله عامر بن نهشل التميمي ومسلم بن عقيل بن أبي طالب، قتله عبيد الله بن زياد بالكوفة صَبْرًا وجعفر بن عقيل، قتله بشر بن حَوْطِ الهَمْدَاني ويقال: عروة بن عبد الله الخثعمي وعبد الرحمن بن عقيل، قتله عثمان بن خالد بن أسير الجهني، وبشر بن حَوط وعبد الله بن عقيل، وأمه أم ولد قتله عمرو بن صُبْح الصّدَائِي وعبد الله بن عقيل، الآخر، وأمه رقية بنت علي بن أبي طالب (¬١)، قتله عمرو بن صُبْح الصّدَائِي، ويقال: قتله أسيد بن مالك الحضرمي ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل، قتله لَقِيط الجهني ورجل من آل أبي لهب، لم يُسَمّ لنا ورجل من آل أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، يقال له: أبو الهياج، وكان شاعرًا وسليمان مولى الحسين بن علي، قتله سليمان بن عوف الحضرمي ومنْجِح، مولى الحسين بن علي وعبد الله بن بُقْطر، رضيع للحسين (¬١)، قتل بالكوفة، رُمِيَ به من فوق القصر، فمات وهو الذي قيل فيه: وآخر يَهْوى من طَمَارِ قتيل وكان مَن قُتِلَ معه ﵁ من سائر الناس من قبائل العرب، من القبيلة الرجل، والرجلان، والثلاثة، ممن صبر معه. وقد كان ابنا عبد الله بن جعفر، لجأا إلى امرأة عبد الله بن قُطبة الطائي، ثم النبهاني وكانا غلامين لم يبلغا، وقد كان عمر بن سعد، أَمَرَ مناديًا فنادى: من جاء برأس فله ألف درهم، فجاء ابن قُطبة إلى منزله. فقالت له امرأته: إنّ غلامين لجأا إلينا فهل لك أن تشرف بهما فتبعث بهما إلى أهلهما بالمدينة قال: نعم، أرنيهما، فلما رآهما ذبحهما وجاء برءوسهما إلى عُبيد الله بن زياد، فلم يعطه شيئًا، فقال عُبيد الله: وَدِدْتُ أنه كان جَاءَني بهما حَيّين فمنَنَتُ بهما على أبي جعفر - يعني عبد الله بن جعفر - وبلغ ذلك عبد الله بن جعفر، فقال: وددت أنه كان جاءني بهما فأعطيته ألفي ألف. ولم يَفْلتْ من أهل بيت الحسين بن علي الذين معه، إلا خمسة نفر: علي بن حسين الأصغر، وهو أبو بَقيّة ولد الحسين اليوم، وكان مريضًا فكان مع النساء. وحسن بن حسن بن علي وله بقية وعمرو بن حسن بن علي ولا بقية له. والقاسم بن عبد الله بن جعفر ومحمد بن عقيل الأصغر فَإنّ هؤلاء استضْعِفُوا، فَقُدِمَ بهم، وبنساء الحسين بن علي، وهُنَّ: زينب، وفاطمة ابنتا علي بن أبي طالب، وفاطمة، وسُكَينة ابنتا الحسين بن علي، والرباب بنت أُنَيْفْ الكلبية امرأة الحسين بن علي، وهي أم سكينة، وعبد الله المقتول ابني الحسين بن علي وأم محمد بنت حسن بن علي، امرأة علي بن حسين وموالي لهم، ومماليك عبيد، وإماء، فَقُدِم بهم على عبيد الله بن زياد، مع رأس الحسين بن علي، ورءوس من قتل معه ﵁ وعنهم. ولما قُتل الحسين ﵁ انتهب ثَقَله فأخَذَ سَيْفَه: القُلَانِس النهْشلِي، وأخذ سيفًا آخر: جميع بن الخلق الأودي، وأخذ سراويله، بَحْر - الملعون - بن كعب التميمي فتركه مُجَرَّدًا، وأخذ قطيفته: قَيْس بن الأشعث بن قيس الكِندي، فكان يقال له: قيس قطفه وأخذ نَعليه: الأسود بن خالد الأودي، وأخذ عمامته: جابر بن يزيد، وأخذ: بُرْنُسَه - وكان من خز -: مالك بن بشير الكندي (¬١). وأخذ رجلٌ من أهل العراق: حُلِيَ فاطمة بنت حسين وهو يبكي فقال: لم تبكي؟ فقال: أسلب ابنة رسول الله ﷺ ولا أبكي؟ فقالت: دَعْه. قال: إني أخاف أن يأخذه غيري. وكان علي بن حسين الأصغر، مريضًا نائمًا على فراش فقال شِمْر بن ذي الجوشن - الملعون -: اقتلوا هذا، فقال له رجلٌ من أصحابه: سبحان الله!! أتقتل فتى حدثا مريضًا لم يقاتل، وجاء عمر بن سعد فقال: لا تَعْرِضوا لهؤلاء النّسْوة ولا لهذا المريض (¬٢). قال علي بن حسين، فغيَّبني رجل منهم وأكرم نزلي واحتضنني (¬٣) وجعل يبكي كلما خرج ودخل، حتى كنت أقول: إن يكن عِنْدَ أحدٍ من الناس وفاءً فعند هذا، إلى أن نادى مُنَادِي ابن زياد: ألا من وجد علي بن حسين، فليأتِ به فقد جَعَلْنا فيه ثلاثمائة درهم قال: فدخل - والله - عَليّ وهو يبكي، وجعل يربط يَدَيّ إلى عنقي وهو يقول: أخاف، فأخرجني - والله - إليهم مربوطًا حتى دفعني إليهم وأخذ ثلاثمائة درهم وأنا أنظر إليها (¬٤). فأُخِذْتُ فأُدخِلْتُ على ابن زياد فقال: ما اسمك؟، فقلت: علي بن حسين، قال: أو لم يقتل الله عليًا؟، قال: قلتُ: كان لي أخ يقال له: عليُّ أكبَرَ مني قتله الناس. قال: بل الله قَتَلَه. قلتُ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [سورة الزمر: ٤٢]. فأمر بقتله، فصاحت زينب بنت علي: يا ابن زياد حَسْبك من دمائنا، أسألك بالله إن قتلته إلا قتلتني معه، فتركه (¬١). قال: ولما أمر عُمر بن سعد بثَقَلِ الحسين أن يدخل الكوفة إلى عبيد الله بن زياد وبعث إليه برأسه مع خَوْلِي بن يزيد الأصبحي. فلما حُمِلَ النساء والصبيان فمروا بالقتلى صرخت امرأة منهن (¬٢): يا محمداه، هذا حسين بالعراء مُرَمل بالدماء وأهله ونساؤه سبايا، فما بقى صديق ولا عدو إلا أكبَّ باكيًا (¬٣). ثم قُدِمَ بهم على عبيد الله بن زياد، فقال عبيد الله: من هذه؟ فقالوا: زينب بنت علي بن أبي طالب فقال: فكيف رأيتِ الله صنع بأهل بيتك، قالت: كُتِبَ عليهم القَتْلُ فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بيننا وبينك وبينهم. قال: الحمد لله الذي قتلكم وأكذب حديثكم: قالت: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمدٍ وطَهّرنا تطهيرا (¬٤). فلما وُضِعَت الرءوس بين يدي عبيد الله بن زياد، جعل يضرب بقضيب معه على فِي الحسين وهو يقول: يُفَلِّقْنَ هامًا من رجال (¬٥) أعزّة علينا وَهُم كانوا أَعَقَّ وأَظْلَمَا (¬٦) فقال له زَيد بن أرقم: لو نَحّيْتَ هذا القضيب، فإن رسول الله ﷺ: كان يضع فَاهُ على موضع هذا القضيب. قال: أخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن أنس بن مالك قال: شهدت عبيد الله بن زياد حيث أتى برأس الحسين ﵁، قال: فجعل ينكت بقضيب معه على أسنانه ويقول: إن كان لَحَسَنُ الثَّغْرِ قال: فقلت والله لأسوءنك فقلت: أما إني قد رأيت رسول الله ﷺ يقبل مَوْضِعَ قضيبَك مِنْ فِيْه. رجع الحديث إلى الأول: - قالوا: وأَمَرَ عبيد الله برأس الحسين فنصب. قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عطاء بن مسلم، عمّن أخبره، عن عاصم بن أبي النجود، عن زِرّ بن حُبَيْش، قال: أول رأس رفع على خشبةٍ رأسُ الحسين. قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عيسى بن عبد الرحمن السلمي، عن الشعبي، قال: رأس الحسين أول رأس حمل في الإسلام. قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا شيبان، عن جابر، عن عامر، قال: رأيت رأس الحسين بن علي بعد أن قُتِلَ قَدْ نَصَلَ (¬١) الشّيب من صِبْغ السّواد. رجع الحديث إلى الأول: - قال: وأمر عبيد الله بن زياد بحبس مَنْ قُدِمَ به عليه من بقية أهل الحسين معه في القصر، فقال ذكوان أبو خالد: خَلّ بيني وبين هذه الرءوس فأدفنها، ففعل. فكفنها ودفنها بالجَبّانة، وركب إلى أجسادهم فكفنهم ودفنهم. وكان زهير بن القَيْن قد قتل مع الحسين فقالت امرأته، لغلام له يقال له شجرة: انطلق فكفن مولاك، قال: فجئت فرأيت حسينًا ملقى فقلت: أكفن مولاي وأدع حسينًا!! فكفنت حسينًا، ثم رجعت، فقلت ذاك لها، فقالت: أحسنت وأعطتني كفنًا آخر، وقالت: انطلق فكفّن مولاك، ففعلت. وأقبل عمر بن سعد، فدخل الكوفة فقال: ما رجع رجل إلى أهله بشر مما رجعتُ به، أطعتُ ابن زياد وعصيتُ الله وقطعتُ الرّحم. قال: وقدم رسول من قبل يزيد بن معاوية يأمر عبيد الله أن يرسل إليه بثَقَل الحسين، ومن بقي من ولده، وأهل بيته، ونسائه، فأسلفهم أبو خالد ذكوان عشرة آلاف درهم فتجهزوا بها. وقد كان عبيد الله بن زياد لما قُتِلَ الحسين: بعث زَحْر بن قيس الجُعْفِي إلى يزيد بن معاوية يخبره بذلك، فقدم عليه فقال: ما وراءك؟ قال: يا أمير المؤمنين أبشر بفتح الله وبنصره، وَرَدَ علينا الحسين بن عليّ، في ثمانية عشر من أهل بيته وفي سبعين من شيعته، فسرنا إليهم فخيّرناهم الاستسلام والنزول على حكم عبيد الله بن زياد، أو القتال، فاختاروا القتال على الاستسلام، فجعلوا يُبَرْقِطُون إلى غير وَزَرِ ويلوذون مِنّا بالآكام والأَمَرِ والحُفَرِ لِواذًا كما لاذ الحمائم مِنْ صَقْرٍ، فَنَصَرَنا الله عليهم، فوالله يا أمير المؤمنين: ما كان إلا جَزْرَ جَزُورٍ أو نَوْمَة قَائلٍ حتى كفى الله المؤمنين مَؤُنَتهم، فأتينا على آخِرِهم فهاتيك أجسادهم مُطَرّحَة مُجَرّدَة وخدودهم معفَّرَة ومناخرهم مرمّلة (¬١) تَسْفِي عليهم الرِّيحُ ذيولَها بقيّ سَبْسَب (¬٢) تنتابهم عُرُج الضبَاع زُوّاهم العِقْبَان والرّخَم. قال: فدمعت عينا يزيد، وقال: قد كنت (¬٣) أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين (¬٤). وقال: كذلك عاقبة البغي والعقوق. ثم تمثل يزيد: مَن يَذُق الحربَ يَجِدْ طَعْمَهَا … مُرًّا وتترُكْهُ بِجَعْجَاعِ قال: وقدم برأس الحسين، مِحْفَزُ بن ثعلبة العائذي - عائذة قريش - على يزيد، فقال: أتيتك يا أمير المؤمنين برأس أحمق الناس وألأمهم، فقال يزيد: ما ولدت أم مِحْفَز أحمق وألأم، لكنّ الرجلَ لم يقرأ كتاب الله ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [سورة آل عمران: ٢٦] (¬٥) ثم قال بالخيزرانة بين شفتي الحسين وأنشأ يقول: يُفَلّقْن هامًا من رجال أعزّةِ … علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما والشعر لحصين بن الحُمَام المري. فقال له رَجل (¬١) من الأنصار حضر: ارفع قضيبك هذا فإني رأيت رسول الله يقبل الموضع الذي وضعته عليه. قال: أخبرنا كثير بن هشام، قال: حدثنا جعفر بن برقان، قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد، قال: لما أُتِيَ يزيد بن معاوية برأس الحسين بن علي، جعل ينكت بمخْصَرةٍ معه سِنّه ويقول: ما كنت أظن أبا عبد الله يبلغ هذا السّن. قال: وإذا لحيته ورأسه قد نصل من الخضاب الأسود (¬٢). رجع الحديث إلى الأول: - قال: ثم أتى يزيد بن معاوية بثَقَلِ الحسين ومن بقي من أهله ونسائه، فأُدخِلوا عليه قد قُرنوا في الحبال، فوقفوا بين يديه، فقال له علي بن حسين: أنشدك بالله يا يزيد ما ظنك برسول الله ﷺ لو رآنا مقرّنين في الحبال، أما كان يرق لنا، فأمر يزيد بالحبال فقطعت وعُرفَ الانكسار فيه. وقالت له سكينة بنت حسين: يا يزيد، أبنات (¬٣) رسول الله ﷺ سبايا!! فقال: يا بنت أخي هو والله عليّ أشدّ منه عليك، وقال أقسمت بالله لو أن بين ابن زياد وبين حسين قرابة ما أقدم عليه ولكن فرقت بينه وبينه سُمية. وقال: قد كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين، فرحم الله أبا عبد الله عَجل عليه ابن زياد، أما والله لو كنت صاحبه ثم لم أَقْدِر على دفع القتل عنه إلا بنقص بعض عمري لأحببت أن أدفعه عنه، ولوددتُ أني أُتيت به سالمًا، ثم أقبل على عليّ بن حسين فقال: أبوك قطع رحمي ونازعني سلطاني فجزاه الله جزاء القطيعة والإثم. فقام رجل من أهل الشام فقال: إن سباياهم لنا حلال. فقال علي بن حسين: كذبت ولؤمت ما ذاك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتأتي بغير ديننا فأطرق يزيد مليا، ثم قال للشامي: اجلس. ثم أمر بالنساء فأدخلن على نسائه وأمر نساء آل أبي سفيان فأقمن المأتم على الحسين ثلاثة أيام، فما بقيت منهن امرأة إلا تلقتنا تبكي وتنتحب، ونُحْنَ على حسين ثلاثًا. وبكت أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كُرَيز عَلَى حسين، وهي يومئذ عند يزيد بن معاوية فقال يزيد: حُقّ لها أن تُعْوِل عَلَى كَبِير قريش وسيدها. وقالت فاطمة بنت علي لامرأة يزيد: ما تُرك لنا شيء. فأبلغت يزيد ذلك، فقال يزيد: ما أَتَى إليهم أعظم، ثم ما ادعوا شيئًا ذهب لهم إلا أضعفه لهم، ثم دعا بعلي بن حسين، وحسن بن حسن، وعمرو بن حسن، فقال لعمرو بن حسن وهو يومئذ ابن إحدى عشرة سنة: أتصارع هذا؟ يعني خالد بن يزيد، قال: لا، ولكن أعطني سكينًا وأعطه سكينا حتى أقاتله، فضمه إليه يزيد، وقال: شِنْشِنَةٌ (¬١) أعرفها من أخْزَمَ، هل تلد الحية إلا حية (¬٢)؟! ثم بعث يزيد إلى المدينة: فقُدِم عليه بعِدّةِ من ذوي السِّن من موالي بني هاشم، ثم من موالي عليّ (¬٣)، وضم إليهم أيضًا عِدّةً من موالي أبي سفيان، ثم بعث بثَقَل الحسين ومن بقى من نسائه وأهله وولده معهم، وجهزهم بكل شيء لم يدع لهم حاجة بالمدينة إلا أمر لهم بها، وقال لعلي بن حسين: إن أحببت أن تقيم عندنا فنصل رحمك ونعرف لك حقك فعلت. وإن أحببت أن أردك إلى بلادك وأصلك، قال: بل تردني إلى بلادي. فرده إلى المدينة ووصله، وأمر الرّسل الذين وجّههم معهم أن ينزلوا بهم حيث شاءوا، ومتى شاءوا، وبعث بهم مع مُحْرز بن حُريث الكلبي، ورجل من بهراء، وكانا من أفاضل أهل الشام. قال: وبعث يزيد برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد بن العاص وهو عامل له يومئذ على المدينة فقال عمرو: وددت أنه لم يبعث به إليّ، فقال مروان: اسكت، ثم تناول الرأس فوضعه بين يديه، وأخذ بأرنبته فقال: يا حَبّذَا بَرْدُكَ في اليدينِ … ولونك الأحمر في الخدّينِ كأنما باتا بِمُجْسَدَيْنِ (¬٤) والله لكأني أنظر إلى أيام عثمان، وسمع عمرو بن سعيد الصّيحة من دور بني هاشم فقال: عَجّت نساءُ بني زياد عَجّةً … كَعَجِيْجِ نِسْوَتِنَا غداةَ الأرنَبِ والشعر لعمرو بن مَعْدِيكرِب في وقعة كانت بين بني زُبَيد وبين بني الحارث بن كعب (¬١). ثم خرج عمرو بن سعيد إلى المنبر فخطب الناس، ثم ذكر حُسينًا وما كان من أمره، وقال: والله لوددت أن رأسه في جَسَده وروحه في بدنه يَسبُّنا ونمدحه، ويقطعنا ونصِلُه كعادتنا وعادته، فقام ابن أبي حُبَيش، أحد بني أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ فقال: أما لو كانت فاطمة حية لأحزنها ما ترى. فقال عَمرو: اسكت لا سكتّ، أتنازعني فاطمة وأنا من عَفّرَ ظِبَابها (¬٢)، والله إنه لابننا وإن أمه لابنتنا، أجل والله لو كانت حية لأحزنها قَتْلُه، ثم لم تَلُمْ من قَتَله يدفع عن نفسه. فقال ابن أبي حبيش: إنه ابن فاطمة، وفاطمة بنت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى. ثم أمر عمرو بن سعيد: برأس الحسين فكفّن ودفن بالبقيع عند قبر أمه فاطمة. وقال عبد الله بن جعفر: لو شهدته لأحببت أن أقتل معه، ثم قال: عزّ عليّ بمصرع حسين. قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: حدثنا ابن أبي مليكة، قال: بينما ابن عباس جالس في المسجد الحرام وهو يتوقع خَبر الحسين بن عليّ، إلى أن أتاه آتٍ فسارّه بشيء فأظهر الاسترجاع، فقلنا: ما حدث يا أبا العباس؟ قال: مُصيبة عظيمة عند الله نحتسبها (¬٣)، أخبرني مولاي أنه سمع ابن الزبير يقول: قُتل الحسين بن علي، فلم يبرح حتى جاءه ابن الزبير فعزّاه ثم انصرف، فقام ابن عباس فدخل منزله ودخل عليه الناس يعزُّونه. فقال: إنه ليعدل عندي مصيبة حسين شماتَةَ ابن الزبير، أترون مشى ابن الزبير إليّ يعزيني إنْ ذلك منه إلا شَماتة (¬١). قال: أخبرنا محمد بن عُمر، قال: فحدثني ابن جُرَيْج، قال: كان الْمِسوَر بن مَخْرَمَة بمكة حين جاء نَعِيّ الحسين بن عليّ، فلقى ابنَ الزبير فقال له: قد جاءك ما كنت تمنّى، موت حسين بن علي، فقال ابن الزبير: يا أبا عبد الرحمن تقول لي هذا؟ فوالله ليته بقي ما بقي بالجمّاء حجر، والله ما تمنيت ذلك له، قال المسور: أنت أشرتَ عليه بالخروج إلى غير وجه، قال: نعم أشرتُ به عليه ولم أدرِ أنهُ يُقتل، ولم يكن بيدي أجله، ولقد جئتُ ابن عباس فعزّيته، فعرفت أن ذلك يثقل عليه مني، ولو أني تركت تعزيته قال: مثلي يُترك!! لا يعزيني بحسين فما أصنع؟ أخوالي وَغِرَة الصدور عليّ، وما أدري على أي شيء ذلك، فقال له المسور: ما حاجتك إلى ذكر ما مضى وَنَثّه (¬٢)، دع الأمور تمضي وبرّ أخوالك، فأبوك أحمَدُ عندهم منك (¬٣). قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن رجل، قال: سمعت ابن عباس وعنده محمد بن الحنفية، وقد جاءهم نعي الحسين بن علي، وعزاهم الناس. فقال ابن صفوان: إنا لله وإنا إليه راجعون، أي مصيبة يرحم الله أبا عبد الله وآجركم الله في مصيبتكم. فقال ابن عباس: يا أبا القاسم ما هو إلا أن خرج من مكة فكنْتُ أتوقع ما أصابَه. قال ابن الحنفية: وأنا والله، فعند الله نحتسبه ونسأله الأجر وحسن الخلف. قال ابن عباس: يا أبا صفوان، أما والله لا يُخَلّد بَعْدُ صاحبُك الشامتُ بموته، فقال ابن صفوان: يا أبا العباس، والله ما رأيت ذلك منه، ولقد رأيته محزونًا بمقتله كثير الترحّم عليه، قال: يريك ذلك لما يعلم من مودتك لنا فوصل الله رحمك، لا يحبنا ابن الزبير أبدًا. قال ابن صفوان: فخذ بالفضل فأنت أولى به منه. قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا قُرة بن خالد، قال: أخبرني عارم بن عبد الواحد، عن شَهر بن حَوْشَب، قال: إنا لعند أم سَلَمة زوج النبي ﷺ، قال: فسمعنا صارخة، فأقبلت حتى انتهت إلى أم سلمة فقالت: قتل الحسين. قالت: قد فعلوها، ملأ الله بيوتهم أو قبورهم عليهم نارًا، ووقعت مغشيًا عليها. قال: وقمنا (¬١). قال: أخبرنا الفضل بن دُكَين، قال: حدثنا سفيان، عن نُسَيْر بن ذُعْلُوق، عن هبيرة بن خزيمة، قال: قال الربيع بن خُثَيْم حين قُتل الحسين: ﴿اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة الزمر: ٤٦]. قال: أخبرنا الفضل بن دُكَيْن، قال: حدثنا فِطْر، عن منذر، قال: لما قتل الحسين، قال أشياخ من أهل الكوفة فيهم أبو بردة: اذهبوا بنا إلى الربيع بن خثيم حتى نعلم رأيه، فأتوه، فقالوا: إنه قد قتل الحسين، قال: أرأيتم لو أن رسول الله ﷺ دخل الكوفة وفيها أحد من أهل بيته فيمن كان ينزل إلا عليهم؟ فعلموا رأيه. قال: أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا سفيان، عن شيخ، قال: لما أصيب الحسين بن علي، قال الربيع بن خثيم: لقد قتلوا صِبْية لو أدركهم رسول الله ﷺ لأجلسهم في حِجْره ولوضع فمه على أفمامهم. قال: أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا فِطر، عن منذر، قال: كنا إذا ذكرنا الحسين بن علي ومَن قُتِلَ معه، قال محمد بن الحنفية: قد قَتَلوا سبعة عشر شابًا كلهم قد ارتكضوا في رَحِمَ فاطمة. قال: أخبرنا عمرو بن خالد المصري، قال: حدثنا ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، قال: لقيني رأس الجالوت، فقال: والله إنّ بيني وبين داود لسبعين أبًا، وإن اليهود لتلقاني فتعظمني، وأنتم ليس بينكم وبين نبيكم إلا أب واحد قتلتم ولده. قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي، قال: حدثني عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي، قال: مر عمر بن سعد - يعني ابن أبي وقاص - بمجلس بني نَهْد حين قَتل الحسين فسلم عليهم، فلم يَردوا ﵇، قال مالك: فحدثني أبو عُيينة البارقي، عن عبد الرحمن بن حميد، في هذا الحديث قال: فلما جازَ قال: أتيتُ الذي لم يأتِ قبلي ابنُ حُرّة … فَنَفْسي ما أخزت وقومي أذلتِ قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل، قال: حدثني الهيثم بن الخطاب النهدي، قال: سمعت أبا إسحاق السبيعي، يقول: كان شِمْر بن ذي الجوشن الضبابي لا يكاد أو لا يحضر الصلاة معنا فيجيء بعد الصلاة فيصلي، ثم يقول: اللهم اغفر لي فإني كريم لم تلدني اللئام، قال: فقلت له: إنك لسيئ الرأي يوم تسارع إلى قتل ابن بنت رسول الله ﷺ قال: دعنا منك يا أبا إسحاق، فلو كنا كما تقول وأصحابك كنا شرًّا من الحمير السّقّاءات. قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: رأيت قَاتِل حُسين بن علي شِمْر بن ذي الجوشن ما رأيت بالكوفة أحدًا عليه طَيْلَسان غيره. قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا شريك، عن مغيرة، قال: قالت مُرْجَانة لابنها عبيد الله بن زياد: يا خَبِيث، قتلتَ ابن رسول الله ﷺ، لا ترى الجنة أبدًا. قال: أخبرنا علي بن محمد، عن سفيان، عن عبد الله بن شريك، قال: رأيت بشر بن غالب يَتَمَرّغ على قبر الحسين ندامةً على ما فاته من نصره. قال: أخبرنا علي بن محمد، عن حُبَاب بن موسى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن حسين، قال: حُمِلْنا من الكوفة إلى يزيد بن معاوية، فغصّت طرق الكوفة بالناس يبكون، فذهب عامة الليل ما يقدِرُون أن يجُوزوا بنا لكثرة الناس، فقلت: هؤلاء الذين قتلونا وهم الآن يبكون. قال: أخبرنا علي بن محمد، عن عبد الحميد بن بَهْرام، عن شَهْر بن حَوْشَب، قال: سمعتُ أم سلمة حين أتاها قتل الحسين: لَعَنتْ أهلَ العراق، وقالت: قتلوه قتلهم الله، غَرّوه ودلّوه لعنهم الله. قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا سليمان بن مسلم، صاحب السّقط عن أبيه، قال: كان أول من طعن في سرادق الحسين عمر بن سعد، قال: فرأيته هو وابنيه ضُرِبَت أعناقهم، ثم علقوا على الخشب، وأْلهِبَ فيهم النيران، قال: ثم أخبرنا به موسى بن إسماعيل بعد ذلك، فقال: حدثنا أبو المعلى العجلي، عن أبيه. قال محمد بن سعد: فحملناه على أنه سليمان بن مسلم. قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري وعبد الملك بن عمرو أبو عامر العقَدي، قالا: حدثنا قُرّة بن خالد، قال: حدثنا أبو رجاء، قال: لا تسبوا عليا يا لَهْفتا على أسهم رَمَيتُه بهنّ يوم الجمل مع ذاك قَصُرْن والحمد لله عنه. قال: إنّ جارًا لنا من بَلْهُجيم جاءنا من الكوفة، فقال: ألم تروا إلى الفاسق ابن الفاسق قتله الله، الحسينِ بن علي، قال: فرماه الله بكوكبين في عينيه فذهب بصره (¬١). قال: أخبرنا الفضل بن دُكَين ومالك بن إسماعيل، قالا: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك بن كُردُوس، عن حاجب عبيد الله بن زياد، قال: دخلت معه القصر حين قتل الحسين، قال فاضطرم في وجهه نارًا أو كلمة نحوها، فقال: هكذا بكمّه على وجهه. وقال لا تحدثن بهذا أحدًا. قال: أخبرنا عفان بن مسلم ويحيى بن عَبّاد وكثير بن هشام ومسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل، قالوا: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا عمار بن أبي عمار، عن أم سلمة قالت: سمعت الجنّ تنوح على الحسين (¬٢). قال: أخبرنا علي بن محمد، عن عليّ بن مجاهد، عن حنش بن الحارث، عن شيخ من النخع، قال: قال الحجاج: من كان له بلاء فليقم؟ فقام قوم فذكروا، وقام سنان بن أنس فقال: أنا قاتل حسين، فقال: بلاء حسن، ورجع سنان إلى منزله، فاعتقِلَ لسانه، وذهب عَقْله، فكان يأكل ويُحْدِث في مكانه. قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثتنا أم شوق العَبْدِية، قالت: حدثتني نَضْرة الأزدية، قالت: لما قُتِلَ الحسين بن عليّ مطرت السماء دمًا، فأصبحت خيامنا وكل شيء مِنّا مُلِئ دَم (¬١). قال: أخبرنا سليمان بن حرب وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا سُلَيم القاصّ، قال: مُطِرنا دمًا يوم قتل الحسين. قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني نَجِيح، عن رجل من آل سعيد يقول: سمعت الزهري، يقول: سألني عبد الملك بن مروان، فقال: ما كان علامة مقتل الحسين؟ قال: لم تكشف يومئذ حجرًا إلا وجدت تحته دَمًا عبيطًا، فقال عبد الملك: أنا وأنت في هذا غريبان (¬٢). قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عمر بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، قال: أرسل عبد الملك إلى ابن رأس الجالوت، فقال: هل كان في قتل الحسين علامة؟ فقال ابن رأس الجالوت: ما كُشِفَ يومئذ حجر إلا وجد تحته دم عبيط. قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال: حدثنا خلاد - صاحب السمسم - وكان ينزل بني جَحدر قال: حدثتني أمي، قالت: كنا زمانًا يوم مقتل الحسين، وإن الشمس تطلع محْمرّة على الحيطان والجُدُر بالغداة والعشي، قالت: وكانوا لا يرفعون حجرًا إلا وجدوا تحته دمًا. قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، قال: لم تُرَ هذه الحُمْرة في آفاق السماء حتى قُتل الحسين بن علي ﵀. قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا يوسف بن عبدة، قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: لم تكن ترى هذه الحُمْرة في السماء عند طلوع الشمس وعند غروبها حتى قُتل الحسين ﵁. قال: أخبرنا عليّ بن محمد، عن علي بن مُدْرِك، عن جَدّه الأسود بن قيس، قال: أحمرّت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستة أشهر يُرَى ذلك في آفاق السماء كأنها الدم (¬١). قال: فحدثت بذلك شَرِيكًا، فقال لي: ما أنت من الأسود؟ قلت هو جَدّي أبو أمي، قال: أما والله إن كان لَصَدُوق الحديث عظيم الأمانة مُكْرِمًا للضيف. قال: أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا عقبة بن أبي حَفْصة السّلولي، عن أبيه، قال: إنْ كان الوَرْس من وَرْس الحسين ليقال به هكذا فيصير رَمادًا (¬٢). رجع الحديث إلى الأول: - قالوا (¬٣): وكان سليمان بن صُرَد الخزاعي فيمن كَتَبَ إلى الحسين بن علي أن يقدَم الكوفة (¬٤)، فلما قَدِمها أمسك عنه ولم يقاتل معه، فلما قُتِلَ الحسين ﵀ ورضي عنه، ندم هو والمسيّب بن نَجَبَة الفزاري وجميع من خذل الحسين ولم يقاتل معه، فقالوا: ما المخرج والتوبة مما صنعنا؟! فخرجوا فعسكروا بالنُّخَيْلَة لمستهلّ شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وولوا أمرهم سليمان بن صُرَد، وقالوا: نخرج إلى الشام فنطلبُ بدم الحسين، فسموا التوابين، وكانوا أربعة آلاف فخرجوا فأتوا عين الوردة وهي بناحية قَرْقِيسِياء، فلقيهم جَمْع أهل الشام وهم عشرون ألفًا عليهم الحُصَين بن نُمَير فقاتلوهمْ فترجّل سليمان بن صُرَد وقاتل، فرماه يزيد بن الحُصَين بن نُمَير بسهم فقتله فسقط وقال: فُزْتُ ورب الكعبة، وقُتِل عامّة أصحابه ورجع من بقي منهم إلى الكوفة. قالوا: وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجَّاج بن يوسف، أما بعد يا حجَّاج، فجنبني دماء بني عبد المطلب فإني رأيتُ آل حرب لما قتلوهم لم يُنَاظَروا. وقال سليمان بن قَتَّة يرثي الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄: - وإِنَّ قَتِيلَ الطَّفِّ مِنْ آلِ هاشمٍ … أَذَلَّ رِقابًا من قريشٍ فَذَلّتِ مررت على أبيات آلِ محمدٍ … فألفيتُها أمثالُها حين حُلّتِ وكانوا لنا غُنْمًا فعادوا رَزِيّةً … لقد عَظُمَتْ تلك الرزايا وجَلّتِ فلا يُبْعِدِ الله الديارَ وأهلَها … وإن أصبحتْ منهم بِرَغْمِي تَخلَّتِ إذا افتقرت قيسٌ جَبَرنا فقيرَها … وتقتلنا قيسٌ إذا النّعلُ زَلّتِ وعند غَنِيٍّ قطرةٌ من دمائنا … سنجزيهمُ يومًا بها حيث حَلّتِ ألم تر أن الأرض أضحت مريضة … لفقد حسينٍ والبلادُ اقشعرّتِ (¬١) فقال له عبد الله بن حسن بن حسن ويحك ألا قلت: أَذلّ رَقَاب المسلمين فَذَلّتِ وقال أبو الأسود الدِّيْلي في قتل الحسين ﵁. أقولُ وذاك من جزع وَوَجدٍ … أزال الله مُلكَ بني زيادِ وأبعدهم بما غَدرُوا وخانُوا … كما بَعُدَت ثمودُ وقومُ عادِ هموا خَشَمُوا الأنوف وكن شُمّا … بقتل ابن القعَاسِ أخي مُرادِ قتيلُ السّوق يا لكَ من قتيلٍ … به نَضْحٌ مِن أحْمَر كالجِسَادِ وأهل نَبيّنا من قَبلُ كانوا … ذَوي كرم دعائم للبلادِ حسين ذو الفضول وذو المعالي … يَزِيْن الحاضِرين وكُلَّ بَادٍ أصابَ العِزَّ مَهْلِكُهُ فَأَضحَى … عَمِيدًا بَعْدَ مَصْرَعِهِ فؤادِي وقال أبو الأسود الديلي أيضًا: - أيرجو مَعشرٌ قَتَلُوا حُسينًا … شَفَاعةَ جَدّه يومَ الحِسَابِ قال: ولقى عبيد الله بن الحر الجُعْفي، حسين بن علي فدعاه حسين إلى نصرته والقتال معه فأبَى، وقال: قد أعييت أباك قبلك. قال: فإذا أبيت أن تفعل فلا تسمع الصّيحة علينا فوالله لا يسمعها أحد ثم لا ينصرنا فيرى بعدها خيرًا أبدًا (¬٢). قال عبيد الله: فوالله لَهِبْتُ كَلِمَتَه تلك فخرجت هاربًا من عبيد الله بن زياد، مخافة أن يوجّهني إليه فلم أزل في الخوف حتى انقضى الأمر، فندم عبيد الله على تركه نُصْرةَ حسين ﵁ فقال (¬١): - يقولُ أميرٌ غادِرٌ حَقُّ غادرِ … ألا كنْتَ قاتلْتَ الشهيد ابن فاطِمَهْ! ونفسي على خذلانِه واعتزالِه … وَبَيْعةِ هذا النّاكِث العهد لائِمَه فيا ندمًا ألّا أكونَ نَصَرْتُهُ … ألا كلُّ نفس لا تُسدّدُ نادمَهْ وإنّي لأني لم أكن من حُمَاته … لذُو حسرةٍ ما أن تفارقُ لازمَهْ سقى الله أرواحَ الذين تأزّروا … على نصرهِ سُقْيًا من الغيثِ دائِمَهْ وقفتُ على أجداثهم ومحالِهم … فكاد الحَشَا يَرْفَضّ والعينُ ساجمهْ لَعَمْري لقد كانوا مصاليت في الوَغى … سِراعًا إلى الهَيجا حُمَاةً خَضَارِمَهْ تَأَسَّوْا على نصر ابن بنتِ نبيِّهم … بأسيافهم آسَادَ غِيلٍ ضَراغِمَه وقد طاعنوا من دونه برماحهم … عصائب بورًا نابذتهم مَجَارِمَه فإن يُقْتلُوا فكلُّ نفسٍ زكيّةٍ … على الأرضِ قد أضحَت لكَ اليومَ واجِمَهْ وما إن رأى الراءون أصبر منهم … لدى الموت سادات وزهرا قماقمه أتقتلهم ظلمًا وترجو ودادنا … فدع خطة ليست لنا بملائمهْ!! لعمري لقد رغَّمتمونا بقتلهم … فكم ناقم منا عليكم وناقمهْ أهمّ مرارًا أن أسير بجحفل … إلى فئة زاغت عن الحق ظالمهْ فكفوا وإلا زرتكم في كتائب … أشد عليكم من زحوف الديالمهْ وقال عبيد الله بن الحر أيضًا: - أيرجو ابن الزبير اليوم نَصرى … بعاقبة ولم أنصر حُسينَا وكان تَخلّفي عنه تبابا … وتركي نَصره غُبنا وحَيْنَا ولو أني أواسيه بنفسي … أصبت فضيلة وقررت عَيْنا وقال عبيد الله بن الحر أيضًا: - يا لكِ حسرةً ما دمْتُ حيًا … تردّد بين حَلْقي والتَرَاقي حُسينًا حين يطلبُ بذل نَصْري … على أهل العداوة والشّقاقِ ولو أني أواسِيه بنفْسِي … لَنِلْتُ كَرامةً يَوْمَ التّلاقِ مع ابن المصطفى نفسي فداه … فَولّى ثم ودّعَ بالفِرَاق غداة يقول لي بالقصرِ قولًا … أَتَتْرُكُنا وتُزْمِعُ بانْطِلَاق؟ فلو فَلَقَ التلَهّفُ قَلبَ حَيّ … لَهمّ اليومَ قلبي بانفِلَاقِ فقد فاز الأُولَى نَصَروا حُسينًا … وخَابَ الآخَرُون أولو النّفَاقِ وقال عَبِيدةَ بن عمرو الكندي أحد بني بداء بن الحارث، يرثي الحسين بن علي وولده ﵃ ويذكر قَتْلَهم وَقَتَلَتَهم: صحا القلب بعد الشيب عن أمّ عامر … وأذهَله عنها صروف الدوائرِ وَمَقْتل خَيْر الآدميين والدًا … وجدًّا إذا عُدّتْ مَسَاعي المَعَاشِر دعاه الرجال الحائِرُون لِنَصْرِه … فكلًا رأيناه له غَيْرَ ناصرِ وجدناهُمُ مِنْ بِيْن ناكِثِ بَيْعَة … وساع به عند الإمام وغادِرِ ورامٍ له لما رآه وطاعن … ومُسْلٍ عليه المُصْلِتين وناحِرِ فيا عَينُ أَذْرِي الدمع منك وأسْبِلِي … على خير بادٍ في الأنام وحاضرِ على ابن علي وابن بنت محمدٍ … نبيّ الهُدَى وابن الوصيّ المُهَاجِر تداعتْ عليه من تميم عصابَةٌ … وأُسْرَةُ سوءٍ من كلابِ بن عامر ومن حَيّ وَهْبِيل تداعت عصابة … عليه وأخرى أردفت من يُحَابِر وخمسون شيخًا من أَبَان بن دارم … تداعَوا عليه. كاللّيوث الخَواطِرِ ومن كلّ حَيّ قد تداعى لقتله … ذوو النّكثِ والإفراطِ أهلُ التفاخرِ شفى اللهُ نفسي من سنان ومالكٍ … ومن صاحب الفُتْيا لَقِيط بن ياسرِ ومن مرّة العبدي وابن مساحق … ومن فارس الشقراء كَعْبَ بن جابر ومن أورق الصيداء وابن موزع … ومِنْ بَجْرِ تَيْمِ اللاّت والمرءِ عامر ومن نفرٍ من حضرموتٍ وتغلب … ومن مانعيه الماء في شهر نَاجِرِ وخَوْلِيّ لا يقتلك ربي وهانئٍ … وثعلبةَ المَسْتُوه وابن تباحر ولا سَلّم الله ابن أبجر ما دعت … حَمَامَةُ أَيْكٍ في غُصُون نَوَاضر ومِنْ ذلك الفَدْمُ الأباني والذي … رَمَاه بسهم ضَيْعَةً والمهاجر ولا ابن رقاد لا نَجا من حَذَارِه … ولا ابن يزيد من حَذَار المُحَاذِر ومن روس ضُلّال العراق وغيرهم … تميم ومن ذاك اللَّعين ابن زاجر ولا الحنظليين الذين تتابعت … نِبَالهم في وَجْهه والخَوَاصر ولا نفر من آل سعد بن مذحجٍ … ولا الأبرص الجِلْف اللئيم العناصر ولا عصبة من طَيِّئ أحدقت به … ولا نفرِ منا شِرارَ السرائر ولا الخَثْعَمِيين الذين تنازلوا … عليه ولا من زَاره بالمناسر ولا شَبَثٍ لا سلّم الله نَفسه … ولاقَى ابن سعدٍ حَدّ أبيضَ باتر قال: والقوم الذين سماهم في شعره: سنان بن أنس النخعي. ومالك: رجل من وَهْبيل من النخع. ومرة بن كعب رجل من أشراف عبد القيس. ونوفل بن مساحق من بني عامر بن لؤي. وكعب بن جابر الأزدي. وأورق الصيداء: رجل منهم كان أَفْوَه. وابن موزّع: رجل من همدان. بحر بن مالك من بني تميم بن ثعلبة. وخَوْلِي بن يزيد الأصبحي المحرّق بالنار. وهانئ بن ثُبيت الحضرمي. وثعلبة المستوه: رجل من بني تميم كان مأبونًا، وابن تباحر: رجل من بني تيم الله يقال له: عمرو بن يَبْحر بن أبْجَر حجار بن أبجر. وبجير بن جابر العجلي. والذي رماه الغنوي الذي رمى ابن الحسين فقتله. وابن زاجر: رجل من بني مَنْقِر من بني تميم، والأبرص الجلف: يعني شِمْر بن ذي الجَوْشَن. وشبث بن ربعي الرّياحي. وقال عبيد الله بن الحُرّ أيضًا: - تبيت نساء من أمية نُوّما … وبالطّف هام ما ينام جميمها وما ضَيّع الإسلامَ إلا قبيلةٌ … تأمر نُوَكَاها وطال نعيمها وأضحت قناة الدِّين في كفّ ظالمٍ … إذا اعوجّ منها جانب لا يقيمُها آخر مقتل الحسين بن علي ﵀ ورضي الله عنه وعن أبيه وأخيه وذويه، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم * * *
Parsing and provenance details
Local passage ID
949995
Book record
shamela-146
Source record
1018473
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain
مقتل الحسين بن علي صلوات الله عليهما وسلامه — shamela-146 · Hadith Research Library