page 1389, entry [892]Open original source
٣٦٥ - العبّاس بن عبد المطَّلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قُصيّ بن كلاب بن مُرّة بن كعب بن لُؤيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النّضْر بن كنانة بن خُزيمة بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان، وأمّ العبّاس نُتَيلة (¬١) بنت جنَاب بن كُليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر، وهو الضّحْيان بن سعد بن الخزرج بن تَيْم الله بن النّمر بن قاسط بن هِنْب بن أفْصَى بن دُعْميّ بن جَديلة بن أسَد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان. وكان العبّاس يُكنى أبا الفضل. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا خالد بن القاسم البَياضي قال: حدّثني شُعْبة مولى ابن عبّاس قال: سمعتُ عبد الله بن عبّاس يقول: وُلد أبي العبّاس بن عبد المطّلب قبل قدوم أصحاب الفيل بثلاث سنين، وكان أسنّ من رسول الله، ﷺ، بثلاث سنين. قالوا: وكان للعبّاس بن عبد المطّلب من الولد الفضل وكان أكبر ولده وبه كان يُكْنى، وكان جميلًا، وأردفه رسولُ الله، ﷺ، في حجّته ومات بالشّأم في طاعون عَمَوَاسَ وليس له عقب. وعبد الله وهو الحَبْر دعا له رسول الله، ﷺ، ومات بالطائف وله عقب، وعُبيد الله كان جوادًا سخيًّا ذا مالٍ مات بالمدينة وله عقب، وعبد الرحمن مات بالشأم وليس له عقب، وقُثَمُ وكان يُشَبّهُ بالنبيِّ، ﷺ، وكان خرج إلى خراسان مجاهدًا فمات بسمرقند وليس له عقب، ومَعْبَد قُتِل بإفْريقيّة شهيدًا وله عقب، وأمّ حبيبة بنت العبّاس، وأمّهم جميعًا أمّ الفضل وهي لُبابة الكبرى بنت الحارث بن حَزْن بن بُجَير بن الهُزَم بن رُوَيْبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عِكْرِمة بن خَصْفَةَ بن قيس بن عَيْلان بن مضر. وفي ولد أمّ الفضل هؤلاء من العبّاس يقول عبد الله بن يزيد الهلاليّ: ما وَلَدَتْ نجيبَةٌ من فَحْلِ … بجَبَلٍ تَعْلَمُهُ أَوْ سَهْلِ كَسِتَّةٍ من بَطْنِ أُم الفَضْلِ … أَكْرِمْ بها من كَهْلَةٍ وكَهْلِ (¬١) أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: كان يقال: ما رأينا بني أبٍ وأمّ قطّ أبعدَ قبورًا من بني العبّاس بن عبد المطّلب من أمّ الفضل. وكان للعبّاس أيضًا من الولد من غير أمّ الفضل: كثير بن العبّاس بن عبد المطّلب، وكان فقيهًا محدّثًا، وتَمام بن العبّاس وكان من أشدّ أهل زمانه، وصَفِيّة وأميمة وأمهم أمّ ولد، والحارث بن العبّاس وأمّه حُجيلة بنت جُنْدَب بن الربيع بن عامر بن كعب بن عمرو بن الحارث بن كعب بن عمرو بن سعد بن مالك بن الحارث بن تميم بن سعد بن هُذيل بن مُدْرِكة بن إلياس بن مضر بن نزار. وللحارث عقب منهم السّريّ بن عبد الله والي اليمامة وليس لكثيرٍ وتمّامٍ اليوم عقب. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن يزيد الهذلي عن أبي البدّاح عن عاصم بن عديّ عن عبد الرحمن بن عُويم بن ساعدة عن أبيه قال: لما قدمنا مكّة قال لي سعد بن خيثمة ومعن بن عديّ وعبد الله بن جُبير: يا عُويم انطَلق بنا حتى نَأتي رسول الله، ﷺ، فنُسلِمَ عليه فإنّا لم نره قطّ وقد آمنّا به. فخرجتُ معهم فقيل لي هو في منزل العباس بن عبد المطّلب فرحلنا عليه فسلّمنا وقلنا له: متى نلتقي؟ فقال العبّاس بن عبد المطّلب: إنّ معكم من قومكم مَن هو مخالف لكم فأخفوا أمركم حتى يَنْصَدع هذا الحاجّ ونلتقي نحن وأنتم فنوضح لكم الأمرَ فتدخلون على أمر بيّن. فوعدهم رسول الله، ﷺ، الليلةَ التي في صُبْحها النفر الآخر أن يوافيهم أسفَلَ العقبة حيث المسجد اليومَ وأمرهم أن لا ينبّهوا نائمًا ولا ينتظروا غائبًا (¬١). أخبرنا (¬٢) محمد بن عمر عن عُبيد بن يحيَى عن مُعاذ بن رِفاعة بن رافع قال: فخرج القوم تلك الليلة ليلةَ النفر الأوّل بعد هَدْأة (¬٣) يتسلّلون وقد سبقهم رسول الله، ﷺ، إلى ذلك الموضع ومعه العبّاس بن عبد المطّلب ليس معه أحد من الناس غيره، وكان يثق به في أمره كلّه، فلمّا اجتمعوا كان أوّل من تكلّم العبّاس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج، وكانت الأوس والخزرج تُدْعى الخزرج. إنّكم قد دعوتم محمّدًا إلى ما دعوتموه إليه ومحمّد من أعزّ النّاس في عشيرته يمنعُه واللهِ مَن كان منّا على قوله ومن لم يكن منّا على قوله مَنَعةً للحسب والشرف، وقد أبَى محمّدًا الناسُ كلّهم غيركم فإن كنتم أهل قوّةٍ وجَلَد وبَصَر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبةً فإنّها ستَرميكم عن قوس واحدة فارتئوا رأيكم وأتمروا أمركم ولا تفترقوا إلا عن ملإٍ منكم واجتماع فإنّ أحسنَ الحديث أصدقُه، وأُخْرى، صِفوا لي الحربَ كيف تقاتلون عدوّكم. قال فأسكت القوم وتكلّم عبد الله بن عمرو بن حرام فقال: نحن والله أهل الحرب غُذينا بها وَمُرِنّا عليها وورثناها عن آبائنا كابرًا فكابرًا، نَرْمي بالنبل حتى تَفْنى، ثمّ نُطاعن بالرماح حتى تُكْسَرَ الرماح، ثم نمشي بالسيوف فنضارب بها حتى يموت الأعجل منّا أو من عدوّنا. فقال العباس بن عبد المطّلب: أنتم أصحاب حرب فهل فيكم دُروعٌ؟ قالوا: نعم شاملة، وقال البراء بن مَعْرُور: قد سمعنا ما قلتَ، إنّا والله لو كان في أنفسنا غير ما ينطق به لقلناه ولكنّا نريد الوفاء والصدق وبذل مُهَج أنفسنا دون رسول الله، ﷺ. قال وتلا رسول الله، ﷺ، القرآن ثمّ دعاهم إلى الله ورغّبهم في الإسلام وذكر الذي اجتمعوا له فأجابه البراء بن معرور بالإيمان والتصديق فبايعهم رسول الله، ﷺ، على ذلك، والعبّاس بن عبد المطّلب آخذٌ بيد رسول الله، ﷺ، يؤكّد البيعةَ تلك الليلةَ على الأنصار. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرة عن الحارث بن الفضل عن سفيان بن أبي العوجاء قال: حدّثني من حضرهم تلك الليلة والعبّاس بن عبد المطّلب آخذٌ بيد رسول الله، ﷺ، وهو يقول: يا معشر الأنصار أخْفوا جَرْسَكم فإنّ علينا عيونًا، وقدّموا ذوي أسنانكم فيكونون الذين يلون كلامنا منكم فإنّا نخاف قومكم عليكم، ثمّ إذا بايعتم فتفرّقوا إلى مجالكم واكتموا أمركم فإن طويتم هذا الأمر حتى ينصدع هذا الموسم فأنتم الرجال وأنتم لما بعد اليوم. فقال البراء بن معرور: يا أبا الفضل اسمع منّا. فسكت العبّاس فقال البراء: لك والله عندنا كتمان ما تحبّ أن نكتم وإظهار ما تحبّ أن نُظْهِر وبذل مُهَج أنفسنا ورضا ربّنا عنّا، إنّا أهل حلقةٍ وافرة وأهل منعةٍ وعزٍّ، وقد كنّا على ما كنّا عليه من عبادة حجر ونحن كذا فكيف بنا اليوم حين بَصّرَنا الله ما عَمِيَ على غيرنا وأيّدنا بمحمّد، ﷺ؟ ابْسُطْ يدك. فكان أوّل من ضرب على يد رسول الله، ﷺ، البراء بن معرور، ويقال أبو الهيثم بن التيّهان، ويقال أسعد بن زُرارة. قال: حدّثنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرة عن سليمان بن سُحيم قال: تفاخرت الأوس والخزرج فيمن ضرب على يد رسول الله، ﷺ، ليلةَ العقبة أوّل الناس فقالوا: لا أحَدَ أعلم به من العبّاس بن عبد المطّلب، فسألوا العبّاس فقال: ما أحد أعلم بهذا مني، أوّل من ضرب على يد النّبيّ، ﷺ، من تلك الليلة أسعد بن زُرارة ثم البراء بن معرور ثمّ أُسَيْد بن الحُضير. وأخبرنا عبد الله بن نُمير وأسباط بن محمّد وإسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريّاء بن أبي زائدة عن عامر الشعبي قال: انطلق النبيّ، ﵇، بالعبّاس بن عبد المطّلب، وكان العباس ذا رأي، إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة فقال العباس: ليتكلّمْ متكلّمكم ولا يطل الخطبة فإنّ عليكم من المشركين عينًا وإن يعلموا بكم يفضحوكم. فقال قائلهم وهو أبو أُمامة أسعد بن زُرارة: يا محمّد سَلْ لربّكَ ما شئْتَ ثمّ سَلْ لنفسك ولأصحابك ما شئتَ ثمّ أخبرنا ما لنا من الثّواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك، فقال: أسْألكُم لربّي أن تعبدوه ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأسألكم لي ولأصحابي أن تُؤوونا وتنصرُونا وتمنعونا ممّا تمنعون أنفسكم، قال: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: الجنّة، قال: فلَكَ ذلك. قال إسحاق بن يوسف في حديثه: فكان الشّعْبيّ إذا حدّث هذا الحديث يقول ما سمع الشِّيبُ والشّبّان بخطبة أقصر ولا أبلغ منها. قال: أخبرنا عليّ بن عيسى بن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن أبيه عيسى بن عبد الله عن عمّه إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن أبيه عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب أنّ قريشًا لما تفرّقوا إلى بدر فكانوا بمَرّ الظّهْران هبّ أبو جَهْل من نومه فصاح فقال: يا معشر قريش ألا تَبًّا لرأيكم ماذا صنعتم، خلّفتم بني هاشم وراءكم فإن ظفر بكم محمّد كانوا من ذلك بنَحْوِه، وإن ظفرتم بمحمّد أخذوا آثاركم منكم من قريب من أولادكم وأهْليكم، فلا تَذَروهم في بيضتكم وفنائكم ولكن أخْرِجوهم معكم وإن لم يكن عندهم غَناءٌ، فرجعوا إليهم فأخرجوا العبّاس بن عبد المطّلب ونوفلًا وطالبًا وعَقيلًا كُرْهًا. قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: قد كان من كان منّا بمكّة من بني هاشم قد أسلموا فكانوا يكتمون إسلامهم ويخافون يُظْهِرونَ ذلك فَرَقًا من أن يَثِبَ عليهم أبو لَهَبٍ وقريش فيُوثَقُوا كما أوثَقَتْ بنو مخزوم سلمةَ بن هشام وعبّاس بن أبي ربيعة وغيرَهما فلذلك قال النبيّ، ﷺ، لأصحابه يوم بَدر: مَن لقي منكم العبّاس وطالبًا وعقيلًا ونوفلًا وأبا سفيان فلا تقتلوهم فإنّهم أُخرِجوا مُكْرَهين. قال: أخبرنا رُوَيْم بن يزيد المقرئ قال: حدّثنا هارون بن أبي عيسى الشآمي قال: وأخبرنا أحمد بن محمّد بن أيّوب قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد جميعًا عن محمّد بن إسحاق قال: حدّثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب عن عِكْرِمة قال: قال أبو رافع مولى رسول الله، ﷺ: كنتُ غُلامًا للعبّاس بن عبد المطّلب وكان الإسلامُ قد دَخلَنَا أهْلَ البيْت فأسلم العبّاس وأسْلَمَتْ أمّ الفضل وأسلمتُ، فكان العبّاس يَهاب قومَه ويكره خلافَهم فكان يكتم إسلامَه، وكان ذا مالٍ متفرّق في قومه فخرج معهم إلى بدر وهو على ذلك. قال: أخبرنا رُوَيم بن يزيد المُقرئ قال: حدّثني هارون بن أبي عيسى قال: وأخبرنا أحمد بن محمّد قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد عن محمّد بن إسحاق قال: حدّثني العبّاس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عبّاس أنّ النبيّ، ﷺ، قال لأصحابه يومَ بدْر: إني عرفْتُ أنّ رجالًا من بني هاشم وغيرهم قد أُخْرِجوا كُرْهًا لا حاجةَ لهم بقتالنا، فمَن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، مَن لقي العبّاس بن عبد المطّلب عمّ النبيّ، ﷺ، فلا يقتله فإنّمَا أُخْرِجَ مستكرهًا. قال فقال أبو حُذيفة بن عُتبة بن ربيعة: نقتل آباءنَا وأبناءنَا وإخواننا وعشائرنا ونترك العبّاس؟ والله لئن لقيتُه لألحمنّه السيف. قال فبلغت مقالتُه رسولَ الله، ﷺ، فقال لعمر بن الخطّاب: يا أبا حفص، قال عمر: والله إنّه لأوّل يومٍ كناني فيه رسول الله، ﷺ، بأبي حفص، أيُضْرَب وجهُ عمّ رسول الله، ﷺ، بالسيف؟ فقال عمر: دَعْني وَلأضْرِبْ عُنُقَ أبي حُذيفة بالسيف، فوالله لقد نافق قال وندم أبو حُذيفة على مقالته فكان يقول: والله ما أنا بآمنٍ من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ولا أزال منها خائفًا إلا أن يكفّرها الله، ﷿، عنّى بالشهادة. فقُتل يوم اليمامة شَهيدًا. أخبرنا محمد بن كثير عن الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: كان رسول الله، ﷺ، حين لقي المشركين يوم بدرٍ قال: مَن لقي أحدًا من بني هاشم فلا يقتله فإنّهم أُخرجوا كُرْهًا. فقال أبو حُذيفة بن عُتْبة بن ربيعة: والله لا ألقى رجلًا منهم إلّا قتلتُه. فبلغ ذلك رسول الله، ﷺ، فقال: أنتَ القائل كذا وكذا؟ قال: نعم يا رسول الله: شقّ عليّ إذا رأيتُ أبي وعمّي وأخي مُقتّلين فقلتُ الذي قلتُ. فقال له رسول الله، ﷺ، إن أباك وعمّك وأخاك خرجوا جادّين في قِتالنا طائعين غير مُكْرَهين وإنّ هؤلاء أُخرجُوا مُكْرَهين غير طائعين لقتالنا. أخبرنا عليّ بن عيسى بن عبد الله النوفليّ عن أبيه عن عمّه إسحاق بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن الحارث قال: لما كان يوم بدر جمعَتْ قريش بني هاشم وحلفاءَهم في قبّة وخافوهم فوكّلوا بهم مَن يحفظهم ويشدّد عليهم، منهم حَكيمُ بن حزام. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: حدّثنا عُبيد بن أوس: مُقَرِّن، من بَني ظَفَر قال: لمّا كان يوم بَدر أسرتُ العبّاس بن عبد المطّلب وعَقيل بن أبي طالب وحَليفًا للعبّاس فِهْرِيًّا فَقرَّنْتُ العبّاس وعَقيلًا، فلمّا نظر إليهما رسول الله، ﷺ، سمّاني مقرّنًا وقال: أعانك عليهما مَلَك كريم. قال: أخبرنا رُوَيْم بن يزيد قال: حدّثنا هارون بن أبي عيسى الشّآمي قال: وأخبرنا أحمد بن محمّد قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد جميعًا عن محمّد بن إسحاق قال: حدّثني بعض أصحابنا عن مِقْسَم أبي القاسم عن ابن عبّاس قال: كان الذي أسر العبّاس أبو اليَسَر كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان أبو اليَسَر رجلًا مجموعًا وكان العبّاس رجلًا جسيمًا، فقال رسول الله، ﷺ، لأبي اليَسَر: كيف أسرتَ العبّاس يا أبا اليَسَر؟ فقال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيتُه قبلُ ولا بعدُ، هيئته كَذا وهيئتُه كذا، فقال رسول الله، ﷺ، لقد أعانك عليه ملك كريم (¬١). قالوا: وقال غير محمد بن إسحاق في حديثه: انتهى أبو اليَسَر إلى العبّاس بن عبد المطّلب يومَ بدر وهو قائم كأنّه صَنَمٌ فقال له: جَزَتْك الجوازي، أتقتل ابن أخيك؟ فقال العبّاس: ما فعل محمّد أَصَابَهُ القتل (¬٢)، قال أبو اليَسَر: الله أعزّ وأنصر، فقال العبّاس: كلّ شيء ما خلا محمّدًا خَلَلٌ فما تريد؟ قال: إنّ رسول الله، ﷺ، نهى عن قتلك، فقال العبّاس: ليس بأوّل صِلَته وبرّه (¬٣). قال: وأخبرنا رُوَيم بن يزيد المُقرئ قال: حدّثنا هارون بن أبي عيسى قال: وأخبرنا أحمد بن محمّد بن أيّوب قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد جميعًا عن محمد بن إسحاق قال: حدّثني العبّاس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عبّاس قال: لما أمسى القوم يومَ بدر والأسارى محبوسون في الوِثاق فبات رسول الله، ﷺ، ساهرًا أوّل ليلة فقال له أصحابه: يا رسول الله ما لك لا تنام؟ فقال: سمعتُ أنينَ العبّاس في وثاقه. فقاموا إلى العبّاس فأطلقوه فنام رسول الله، ﷺ (¬٤). قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدّثنا جعفر بن بُرْقَان قال: حدّثنا يزيد بن الأصمّ قال: لما كانت أسارى بَدرٍ كان فيهم العبّاس عمّ رسول الله، ﷺ، فسهر النبيّ، ﷺ، ليلتَه فقال له بعض أصحابه: ما أسهرك يا نبيّ الله؟ فقال: أنينُ العبّاس. فقام رجل فأرخى من وِثاقه فقال رسول الله، ﷺ، ما لي لا أسمع أنين العبّاس؟ فقال رجل من القوم: إني أرخيتُ من وثاقه شيئًا، قال: فافعل ذلك بالأسارى كلهم. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قَتادة عن محمود بن لبيد قال: كان العبّاس بن عبد المطّلب حين قُدِمَ به في الأسارى طُلِبَ له قميص فما وجدوا له قميصًا بِيَثْرِبَ يُقْدَرُ عليه إلا قميص عبد الله بن أُبَيّ ألبسه إياه فكان عليه. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا سفيان بن عُيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: لما أُسر العبّاس لم يوجد له قميص يُقدر عليه إلّا قميص ابن أُبَيّ. قال: أخبرنا رُوَيْم بن يزيد المقرئ قال: أخبرنا هارون بن أبي عيسي، وأخبرنا أحمد بن محمّد بن أيّوب قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد جميعًا عن محمّد بن إسحاق قال: قال رسول الله، ﷺ، للعبّاس بن عبد المطّلب حين انتُهيَ به إلى المدينة: يا عبّاس افْدِ نفسك وابن أخيك عَقِيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفَك عُتبة بن عمرو بن جَحْدَم أخا بني الحارث بن فهر فإنّك ذو مال. قال: يا رسول الله إني كنتُ مُسْلِمًا ولكن القوم استكرهوني. قال: الله أعلم بإسلامك، إن يكُ ما تذكر حقًّا فالله يَجزيك به، فأمّا ظاهر أمرك فقد كان علينا، فافْدِ نفسك. وكان رسول الله، ﷺ، قد أخذ منه عشرين أُوقيَّةً من ذهبٍ فقال العبّاس: يا رسولَ الله احسبها لي من فدايَ. قال: لا، ذاك شيء أعطاناه الله منك، قال: فإنّه ليس لي مال، قال: فأين المال الذي وَضَعتَ بمكّة حينَ خرجْتَ، عند أمّ الفضل بنت الحارث ليس معكما أحدٌ (¬١) ثمّ قلْتَ لها إن أُصِبْتُ في سفري هذا فللفضل كذا وكذا ولعبد الله كذا وكذا؟ قال: والذي بعثك بالحقّ ما علم بهذا أحد غيري وغيرها وإنّي لأعلم أنّك رسول الله. ففَدى العبّاسُ نفسَه وابنَ أخِيه وحليفه (¬١). قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدّثني إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة بن أخي موسى بن عقبة عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: قال رجل من الأنصار لرسول الله، ﷺ: ائْذَنْ لنا فَلْنَترك لابن أخينا العبّاس بن عبد المطّلب فِداه، فقال: لا ولا درهمًا. قال: أخبرنا عليّ بن عيسى النوفلي عن أبيه عن عمّه إسحاق بن عبد الله عن عبد الله بن الحارث قال: فدى العبّاس نفسَه وابنَ أخيه عَقيلًا بثمانين أوقيّة ذهب، ويقال ألف دينار. قالوا: وخرج العبّاس إلى مكّة فبعث بفدائه وفداء ابن أخيه ولم يبعث بفداء حليفه فدعا رسول الله، ﷺ، حسّان بن ثابت فأخبره ورجع أبو رافع فكان رسولَ العبّاس بفدائه فقال له العبّاس: ما قال لك؟ فقصّ عليه الأمرَ فقال: وأيّ قول أشدّ من هذا؟ احمل الباقي قبل أن تحُطّ رحلَك، فحمله ففداهم العبّاسُ. قال: أخبرنا محمد بن كَثير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس في قول الله، ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الأنفال: ٧٠]، نزلت في الأسرى يومَ بدر، منهم العبّاس بن عبد المطّلب ونوفل بن الحارث وعَقِيل بن أبي طالب. وكان العبّاس [قد] (¬٢) أُسر يومئذ ومعه عشرون أوقيّة من ذهب. قال أبو صالح مولى أمّ هانئ: فسمعتُ العباس يقول فأُخذَتْ منّي فكلَّمتُ رسولَ الله أن يجعلها من فِدايَ فأبَى عليّ، فأعقبني الله مكانها عشرين عبْدًا كلّهم يُضْرَبُ بمالٍ مكان عشرين أوقيّة، وأعطاني زمزم وما أحبّ أنّ لي بها جميعَ أموال أهل مكّة، وأنا أرجو المغفرة من ربّي، وكلّفني رسول الله، ﷺ، فدى عَقيل بن أبي طالب فقلتُ: يا رسول الله تركتني أسْأل الناس ما بقيتُ، فقال لي: فأين الذهب يا عبّاس؟ فقلتُ: أي ذهب؟ قال: الذي دفعته إلى أمّ الفضل يومَ خرجتَ فقلتَ لها إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فهذا لك وللفضل ولعبد الله وعبيد الله وقُثَمَ فقلتُ له: مَن أخبرك بهذا؟ فوالله ما اطّلع عليه أحد من النّاس غيري وغيرها، فقال رسول الله، ﷺ: الله أخبرني بذلك، فقلتُ له: فأنا أشهد أنّك رسول الله حقًّا وأنّك لصادق وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله، وذلك قول الله: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا (يقول صِدْقًا) يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الأنفال: ٧٠]، فأعطاني مكانَ عشرينَ أوقيّة عشرين عبدًا وأنا أنتظر المغفرة من ربّي (¬١). قال: أخبرنا (¬٢) هاشم بن القاسم أبو النّضْر قال: حدثّنا سليمان بن المغيرة عن حُميد بن هِلال العَدَويّ أنّ العلاء بن الحَضْرمي بعث إلى رسول الله، ﷺ، من البَحْرَين بثمانين ألفًا فما أتى رسولَ الله، ﷺ، مال كان أكثر منه لا قبلُ ولا بعدُ، فأمر بها فنُثرَت (¬٣) على حصيرٍ ونودي بالصّلاة، فجاء رسول الله، ﷺ، فمَثَلَ على المال قائمًا وجاء الناس حين رأوا وما كان يومئذ عدد ولا وزن، ما كان إلا قبضًا. فجاء العبّاس فقال: يا رسول الله إني أعطيتُ فِدايَ وفِدى عَقِيل بن أبي طالب يومَ بدر ولم يكن لعقيل مال، فأعْطِني من هذا المال، فقال: خُذْ، قال فحثا العبّاس في خَميصة كانت عليه ثمّ ذهب ينهض فلم يستطع فرفع رأسه إلى رسول الله، ﷺ، فقال: يا رسول الله ارفع عليّ، فتبسّم رسول الله، ﷺ، حتى خرج ضاحِكُه أو نابُه، قال: ولكن أعِدْ في المال طائفةً وقُمْ بما تُطيق، ففعل فانطلق بذلك المال وهو يقول: أمّا إحدى اللتّين وَعَدَنا الله فقد أنجزها ولا أدري ما يصنع في الأخْرى، يعني قولَه: ﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فهذا خير ممّا أُخِذَ منّي ولا أدري ما يصنع في المغفرة. قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: أسلم كلّ مَن شهد بَدرًا مع المشركين من بني هاشم، فادى العبّاس نفسَه وابنَ أخيه عقيلًا ثمّ رجعوا جميعًا إلى مكّة ثمّ أقبلوا إلى المدينة مهاجرين. قال: أخبرنا عليّ بن عيسى النوفليّ عن إسحاق بن الفضل عن أشياخه قال: قال عقيل بن أبي طالب للنبيّ، ﵇، من قَتَلْتَ (¬١) من أشرافهم، أنحن فيهم؟ قال فقال: قُتل أبو جهل، فقال الآن صُفّيَ لك الوادي. قال وقال له عقيل: إنّه لم يبق من أهل بيتك أحدٌ إلّا وقد أسلم، قال: فقُلْ لهم فَلْيَلْحَقوا بي. فلمّا أتاهم عقيل بهذه المقالة خرجوا وذُكر أنّ العبّاس ونوفلًا وعقيلًا رجعوا إلى مكّة، أُمروا بذلك ليقيموا ما كانوا يقيمون من أمر السقاية والرفادة والرئاسة، وذلك بعد موت أبي لهب. وكانت السقاية والرفادة والرئاسة في الجاهلية في بني هاشم ثمّ هاجروا بعدُ إلى المدينة فقدموها بأولادهم وأهاليهم. قال: أخبرنا عليّ بن عيسى بن عبد الله عن أخيه العبّاس بن عيسى بن عبد الله قال: حدّثنا القُرَشيّون المكّيّون الشّيْبيّون وغيرهم أنّ قدوم العبّاس بن عبد المطّلب ونوفل بن الحارث بن عبد المطّلب على رسول الله، ﷺ، من مكّة كان أيّام الخندق، وشَيّعَهُما ربيعةُ بن الحارث بن عبد المطّلب في مخرجهما إلى الأبواء ثمّ أراد الرّجوع إلى مكّة فقال له عمّه العبّاس وأخوه نوفل بن الحارث: أين ترجع إلى دَار الشّرْك يقاتلون رسول الله، ﷺ، ويكذّبونَه وقد عزّ رسول الله، ﷺ، وكثف أصحابه، امْضِ معنا. فسار ربيعة معهما حتى قدموا إلى رسول الله، ﷺ، مسلمين مهاجرين. قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني قال: حدّثني أبي عن ابن عبّاس بن عبد الله بن معبد بن عبّاس أنّ جدّه عبّاسًا قدم هو وأبو هريرة في رَكْبٍ يُقال لهم ركب أبي شِمْر فنزلوا الجُحْفة يومَ فَتْح النبيّ، ﷺ، خَيْبَرَ فأخبروه أنّهم نزلوا الجُحْفَة وهم عامدون النبيّ، ﷺ، وذلك يوم فتح خيبر، قال فقسم النبيّ، للعبّاس وأبي هُريرة في خيبر. قال محمد بن سعد (¬١): فذكرتُ هذا الحديث لمحمد بن عمر فقال: هذا عندنا وَهَلٌ لا يشكّ فيه أهلُ العلم والرواية، إنّ العبّاس كان بمكّة ورسول الله، ﷺ، بخيبر قد فتحها، وقدم الحجاج بن عِلاط السّلَمي مكّة فأخبر قريشًا عن رسول الله، ﷺ، بما أحبّوا أنّه قد ظُفِر به وقُتِل أصحابُه فسُرّوا بذلك، وأَفْظَع (¬٢) العبّاسَ خبرُه وساءه وفتح بابه وأخذ ابنه قُثَمُ فجعله على صدره وهو يقول: يا قُثَمُ يا قُثَمُ يا شِبْهَ ذي الكَرَمِ حتى أتاه الحجّاج فأخبره بسلامة رسول الله، ﷺ، وأنّه قد فتح خَيْبَر وغنّمَهُ الله تعالى ما فيها، فسُرّ بذلك العبّاس ولبس ثيابه وغدا إلى المسجد فدخله وطاف بالبيت وأخبر قريشًا بما أخبره به الحجّاج من سلامة رسول الله، ﷺ، وأنّه فتح خيبر وما غنّمه الله من أموالهم. فكُبتَ المشركون وساءهم ذلك وعلموا أنّ الحجّاج قد كذبهم (¬٣) في خبره الأول، وسرّ ذلك المسلمين الذين بمكّة وأتوا العبّاس فهنئوه بسلامة رسول الله، ﷺ، ثمّ خرج العبّاس بعد ذلك فلحق بالنبيّ، ﷺ، بالمدينة فأطعمه بخيبر مائتي وَسْق تمر في كلّ سنة، ثمّ خرج معه إلى مكّة فشهد فتح مكّة وحُنين والطائف وتَبُوك، وثبت معه يوم حنين في أهل بيته حين انكشف الناس عنه. قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أُويس قال: حدّثنا عبد العزيز بن محمّد عن محمّد بن عبد الله عن عمّه ابن شهاب عن كثير بن عبّاس بن عبد المطّلب عن أبيه قال: شهدتُ مع رسول الله، ﷺ، يومَ حُنين فلزمتُه أنا وأبو سُفْيان بن الحارث بن عبد المطّلب فلم نفارقه، والنبيّ، ﷺ، على بغلة له بيضاء أهداها له فَرْوَةُ بن نُفاثة الجُذاميّ. فلمّا التقى المسلمون والكُفّار ولّى المسلمون مُدْبِرين وطفق رسول الله، ﷺ، يَرْكُضُ بغلتَه نحو الكُفّار، قال عبّاس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله، ﷺ، أكُفّها إرادة أن لا تُسْرِعَ، وأبو سفيان آخِذٌ بركاب رسول الله، ﷺ. فقال رسول الله، ﷺ: يا عبّاس نادِ يا أصحاب السَّمُرة. قال عبّاس: وكنتُ رجلًا صَيّتًا فقلتُ بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة (¬١)؟ قال فوالله لَكَأنّ عَطْفَتَهم (¬٢) حين سمعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها فقالوا: يا لبّيْكَ يا لبّيْك. قال فاقتتلوا هم والكُفّار والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار، ثمّ قَصُرَت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج يا بني الحارث. قال فنظر رسول الله، ﷺ، وهو على بغلته وهو كالمتطاول عليها إلى قتالهم، قال فقال رسول الله، ﷺ: هذا حين حَمِيَ الوطيسُ، قال ثمّ أخذ حَصيَاتٍ فرمى بهِنّ وجوهَ الكُفّار ثمّ قال: انهزموا وربّ محمّد! قال فذهبتُ أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله، ﷺ، بحصياته ثمّ ركب فإذا حَدّهم كَليلٌ وأمرهم مُدْبِر حتى هزمهم الله. قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: حدّثنا سعيد بن أبي عروبة عن قَتادة قال: كان العبّاس بن عبد المطّلب يومَ حُنين إِذ (¬٣) انهزم الناس بين يدي رسول الله، ﷺ، فقال له النبيّ، ﷺ: نادِ الناسَ، قال وكان رجلًا صَيّتًا، نادِ يا مَعْشَرَ المهاجرين يا معشر الأنصار، فجعل ينادي الأنصار فَخِذًا فَخِذًا فقال له النبيّ، ﷺ: نادِ يا أصحاب السَّمُرة يعني شجرة الرضوان التي بايعوا تحتها، يا أصحاب سورة البقرة. فما زال يُنادي حتى أقبل الناس عُنُقًا واحدًا. قال: أخبرنا زيد بن يحيَى بن عبيد الدمشقي قال: حدّثنا سعيد بن عبد العزيز عن أبي عبد الله الأيْليّ قال: جاء أسقف غَزّةَ إلى النبيّ، ﷺ، بتَبوكَ فقال: يا رسول الله هلك عندي هاشم وعبد شمس وهما تاجران وهذه أموالهما. قال فدعا النبيّ، ﷺ، عبّاسًا فقال: اقسم مالَ هاشم على كبراء بَني هاشم، ودعا أبا سفيان بن حرب فقال: اقسم مال عبد شمس على كبراء ولد عبد شمس. قال: أخبرنا عليّ بن عيسى بن عبد الله النوفليّ عن إسحاق بن الفضل عن سليمان بن عبد الله بن الحارث بن نوفل أنّ العبّاس بن عبد المطّلب ونوفل بن الحارث لما قدما المدينة على رسول الله، ﷺ، مهاجرين آخى بينهما وأقطعهما جميعًا بالمدينة في موضع واحد وفرع بينهما بحائط فكانا متجاورين في موضع وكانا شريكين في الجاهليّة متفاوِضَينِ في المال متحابّين متصافيين، وكانت دار نوفل التي أقطعه إيّاها رسولُ الله، ﷺ، في موضع رَحبَة القضاء وما يليها إلى المسجد مسجد رسول الله، ﷺ، وهي اليوم رَحبَة القضاء وهي تقابل دارَ الإمارة التي يقال لها اليوم دار مروان (¬١). وكانت دار العبّاس بن عبد المطّلب التي أقطعه رسول الله، ﷺ، حَديدَها وهي التي في دار مروان إلى المسجد مسجد رسول الله، ﷺ، وهي دار الإمارة التي يقال لها اليوم دار مروان. وأقطع العبّاسَ أيضًا دارَه الأخرى التي بالسوق في الموضع الذي يُسمّى مجزرة (¬٢) ابن عبّاس. قال: أخبرنا أسباط بن محمّد عن هشام بن سعد عن عبيد الله بن عبّاس قال: كان للعبّاس ميزاب على طريق عمر فلبس عمر ثيابه يومَ الجمعة وقد كان ذُبِحَ للعبَّاس فَرْخَانِ، فلمّا وافى الميزاب صُبّ فيه ماءٌ فيه من دم الفرخَين فأصاب عمر فأمرَ عمر بقلعه، ثمّ رجع عمر فطرح ثيابَه ولبس غيرَها ثمّ جاء فصلَّى بالناس، فأتاه العبّاس فقال: والله إنّه للموضع الذي وضعه رسول الله، ﷺ، فقال عمر للعبّاس: فأنا أعزم عليك لِما أصْعدتَ على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله، ﷺ، ففعل ذلك العبّاس (¬٣). قال: أخبرنا محمّد بن ربيعة الكلابيّ وعبيد الله بن موسى العبسيّ قالا: حدّثنا موسى بن عُبيدة عن يعقوب بن زيد أنّ عمر بن الخطّاب خرج في يوم جمعة وقطر عليه ميزابُ العبّاس، وكان على طريق عمر إلى المسجد، فقلعه عمر فقال له العبّاس: قلعتَ ميزابي، والله ما وضعه حيثُ كان إلا رسول الله، ﷺ، بيده، قال عمر: لا جَرَمَ أن لا يكون لك سُلّم غيري ولا يضعه إلّا أنتَ بيدك. قال فحمل عمر العبّاس على عُنُقِه فوضع رجليْه على مَنْكِبَيْ عمر ثمّ أعاد الميزاب حيثُ كان فوضعه موضعَه (¬١). قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو أُميّة بن يَعْلى عن سالم أبي النّضْر قال: لما كثر المسلمون في عهد عمر ضاق بهم المسجد فاشترى عمر ما حول المسجد من الدّور إلا دار العبّاس بن عبد المطّلب وحُجَر أمّهات المؤمنين. فقال عمر للعبّاس: يا أبا الفضل إنّ مسجد المسلمين قد ضاق بهم وقد ابْتَعْتُ ما حوْله من المنازل نُوسّع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارَكَ وحُجَر أمّهات المؤمنين، فأمّا حُجَر أمّهات المؤمنين فلا سبيلَ إليها وأمّا دارك فبِعْنِيها بما شِئْتَ من بيت مال المسلمين أوسّع بها في مسجدهم، فقال العبّاس: ما كنتُ لأفعل، قال فقال له عمر: اخْتَرْ مني إحدى ثلاثٍ، إمّا أن تبيعنيها بما شئتَ من بيت مال المسلمين، وإمّا أن أخطّطك حيثُ شئتَ من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين، وإمّا أن تَصَدّقَ بها على المسلمين فنوسّع بها في مسجدهم، فقال: لا، ولا واحدة منها، فقال عمر: اجعلْ بيني وبينك مَن شئتَ، فقال: أُبَيّ بن كعب. فانطلقا إلى أُبَيّ فقصّا عليه القصّة فقال أُبَيّ: إن شئتما حَدّثْتُكُما بحديث سمعتُه من النبيّ، ﷺ، فقالا: حدثنا، فقال: سمعتُ رسول الله، ﷺ، يقول إنّ الله أوحى إلى داود أنِ ابْنِ لي بيتًا أُذْكَرُ فيه، فخَطّ له هذه الخِطّةَ خِطّةَ بيت المقدس فإذا تربيعها [يُزَوِّيه] (¬٢) بيت رجل من بني إسرائيل، فسأله داود أن يبيعه إيّاه فأبَى، فحدّث داود نفسه أن يأخذ منه فأوحى الله إليه أن يا داود أمرتُك أن تبني لي بيتًا أُذْكَرُ فيه فأردتَ أن تُدْخِلَ في بيتي الغَصْبَ وليس من شأني الغَصْب، وإنّ عقوبتَك أن لا تبْنِيَه، قال: يا ربّ فمِن ولدي؟ قال: من ولدك. قال فأخذ عمر بمجامع ثياب أُبَيّ بن كعب وقال: جئتُك بشيء فجئتَ بما هو أشَدّ منه، لتخرجنّ ممّا قلتَ. فجاء يقوده حتى أدخله المسجد فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله، ﷺ، فيهم أبو ذَرّ فقال: إني نشدتُ الله رجلًا سمع رسولَ الله، ﷺ، يذكر حديث بيت المقدس حين أمر الله داود أن يَبْنيَه إلّا ذكرَه. فقال أبو ذرّ: أنا سمعتُه من رسول الله، ﷺ، وقال آخر: أنا سمعتُه، وقال آخر: أنا سمعتُه، يعني من رسول الله، ﷺ، قال فأرسل عمر أُبيًّا، قال وأقبل أُبَيّ على عمر فقال: يا عمر أتّتّهِمُني على حديث رسول الله، ﷺ؟ فقال عمر: يا أبا المُنذر لا والله ما اتّهَمتُك عليه ولكني كرهتُ أن يكون الحديث عن رسول الله، ﷺ، ظاهرًا. قال وقال عمر للعبّاس: اذهب فلا أعْرِضُ لك في دارك. فقال العبّاس: أما إذا فعلتَ هذا فإني قد تصدّقْتُ بها على المسلمين أوسّع بها عليهم في مسجدهم فأمّا وأنت تخاصمني فلا. قال فخطّ عمر لهم دارهم التي هي لهم اليوم وبناها من بيت مال المسلمين (¬١). قال: أخبرنا سليمان بن حرب وعارم بن الفضل قالا: حدّثنا حمّاد بن سَلَمَة عن عليّ بن زيد عن يوسف بن مِهْران عن ابن عبّاس قال: كانت للعبّاس بن عبد المطّلب دار إلى جنب المسجد بالمدينة فقال عمر: هَبْها لي أو بِعْنيها حتى أُدْخِلَها في المسجد. فأبَى، قال: فاجعل بيني وبينك رجلًا من أصحاب رسول الله، ﷺ، فجعلا أُبَيّ بن كعب بينهما. قال فقضى أُبَيّ على عمر، قال فقال عمر: ما في أصحاب رسول الله، ﷺ، أحد أجْرَأ عليّ من أُبَيّ، قال: أوَ أنصح لك يا أمير المؤمنين؟ أما علمتَ قصّة المرأة أنّ داود لما بنى بيت المقدس أدخل فيه بيتَ امرأة بغير إذنها، فلمّا بلغ حُجَر الرّجال مُنِع بِناؤه فقال: أيْ ربّ إذ منَعْتَني ففي عقبي من بعدي. فلمّا كان بعدُ قال له العبّاس: أليس قد قُضِيَتْ لي؟ قال: بلى، قال: فهي لك قد جعلتُها لله. قال: أخبرنا محمد بن حرب المكّي قال: حدّثنا سفيان بن عُيينة عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر محمّد بن عليّ أنّ العبّاس جاء إلى عمر فقال له: إنَّ النبيَّ، ﷺ، أقطعني البحرين، قال: من يعلم ذلك؟ قال: المغيرة بن شعبة. فجاء به فشهد له، قال فلم يُمْضِ له عمر ذلك كأنّه لم يقبل شهادته، فأغلظ العبّاس لعمر فقال عمر: يا عبد الله خُذْ بيد أبيك. وقال سفيان عن غير عمرو قال: قال عمر والله يا أبا الفضل لأنا بإسلامك كنتُ أسرّ مني بإسلام الخطّاب لو أسلم لمرضاة رسول الله، ﷺ (¬١). قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدّثني محمّد بن طلحة بن عبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن عثمان بن عبيد الله القرشي ثمّ التيميّ قال: حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله بن حارثة بن النعمان عن أبيه عن عبد الله بن حارثة أنّه قال: لما قدم صَفْوان بن أُميّة بن خَلَف الجُمَحِيّ قال له رسول الله، ﷺ: على مَن نزلتَ يا أبا وَهْبٍ؟ قال: نزلتُ على العبّاس بن عبد المطّلب، قال: نزلتَ على أشدّ قريشٍ لقريشٍ حُبًّا. قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدّثني عبد العزيز بن محمّد عن يزيد بن عبد الله عن هِنْد بنت الحارث عن أمّ الفضل أنّ رسول الله، ﷺ، دخل عليهم وعبّاس عمّ رسول الله، ﷺ، يشتكي، فتمنّى عبّاس الموت فقال له رسول الله، ﷺ: يا عمّ رسول الله لا تتمنّ الموتَ فإن تكن مُحْسِنًا فإنْ تُؤخَّرْ تَزْدَدْ إحسانًا إلى إحسانك خيرًا لك، وإن تكن مُسيئًا فإن تُؤخَّرْ فَتسْتعْتِب من إساءتك فلا تتمنّ الموت. قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل النّهْدي قال: حدّثنا كامل عن حبيب، يعني ابن أبي ثابت، قال: كان العبّاس بن عبد المطّلب أقرب الناس شَحْمةَ أذنٍ إلى السماء. قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير عن إسرائيل عن عبد الأعلى عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس قال: كان بين العبّاس وبين ناسٍ شيءٌ فقال النبيّ، ﷺ: إنّ العبّاس مني وأنا منه. قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى العَبْسيّ ومحمد بن كثير قالا: حدّثنا إسرائيل عن عبد الأعلى أنّه سمع سعيد بن جُبير يقول: أخبرني ابن عبّاس أنّ رجلًا وقع في أبٍ للعبّاس كان في الجاهليّة، فلطمه العبّاس فاجتمع قومُه فقالوا: والله لنلطمنّه كما لطمه. ولبسوا السّلاح، فبلغ ذلك رسولَ الله، ﷺ، فجاء فصعد المنبر فحمد اللهَ وأثنى عليه وقال: أيّها الناس أيّ الناس تعلمون أكرمَ على الله؟ قالوا: أنتَ، قال: فإنّ العبّاس مني وأنا منه، لا تسبّوا أمواتَنا فتُؤذوا أحياءنا. قال فجاء القوم فقالوا: يا رسول الله نعوذ بالله من غضبك، استغفِرْ لنا يا رسول الله. قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء عن إسرائيل عن عبد الأعلى عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس قال: صعد النبيّ، ﷺ، المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: يا أيّها النّاس أيّ أهل الأرض أكرم على الله؟ قالوا: أنت، قال: فإنّ العبّاس مني وأنا منه، لا تُؤذوا العبّاس فتُؤذوني. وقال: مَن سَبّ العبّاس فقد سبّني. قال: أخبرنا يزيد بن هارون عن داود بن أبي هند عن العبّاس بن عبد الرحمن أنّ رجلًا من المهاجرين لقي العبّاس بن عبد المطّلب فقال: يا أبا الفضل أرأيتَ عبد المطّلب بن هاشم والغَيْطَلَة كاهنةَ بني سَهْم جمعهما الله جميعًا في النار؟ فصفح عنه، ثمّ لقيه الثانيةَ فقال له مثل ذلك فصفح عنه، ثم لقيه الثالثة فقال له مثل ذلك فرفع العبّاس يده فوجأ أنفَه فكسره، فانْطلق الرجل كما هو إلى النبيّ، ﷺ، فلمّا رآه قال: ما هذا؟ قال: العبّاس. فأرسل إليه فجاءه فقال: ما أردتَ إلى رجل من المهاجرين؟ فقال: يا رسول الله لقد علمتُ أنّ عبد المطّلب في النّار ولكنّه لقيني فقال: يا أبا الفضل أرأيت عبد المطّلب بن هاشم والغيطلة كاهنة بني سهم جمعهما الله جميعًا في النّار؟ فصفحتُ عنه مرارًا ثمّ والله ما ملكتُ نفسي وما إيّاه أراد ولكنّه أرادني. فقال رسول الله، ﷺ: ما بال أحدكم يُؤذي أخاه في الأمر وإن كان حقًّا؟ قال: أخبرنا قبيصة بن عُقبة قال: حدّثنا سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن أبي رَزين عن أبي رَزين عن عليّ قال: قلتُ للعبّاس سَلْ لنا رسول الله، ﷺ، الحجابة. قال فسأله فقال، ﷺ: أعطيكم ما هو خير لكم منها، السقاية تَرْزَؤُكم ولَا تَرْزَءُونها (¬١). قال: أخبرنا أنَس بن عياض اللّيْثي وعبد الله بن نُمير الهَمْداني عن عُبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: استأذن العبّاس بن عبد المطّلب النبيّ، ﷺ، أن يبيتَ ليالي مِنًى بمكّة من أجل سقايته فأذن له. قال: أخبرنا محمد بن فُضَيْل بن غَزْوان عن ليث عن مجاهد قال: طاف رسول الله، ﷺ، على ناقته بالبيت معه مِحْجَنٌ يستلم به الحجر كلّما مرّ عليه، ثمّ أتى السّقاية يستسقي، قال فقال العبّاس: يا رسول الله ألا نأتيك بماءٍ لم تمسّه الأيدي؟ قال: بلى فاسقوني، فسقوه ثم أتى زَمْزَمَ فقال: استقوا لي منها دَلْوًا. فأخرجوا منها دلوًا فمضمض منه ثمّ مجّه من فيه ثمّ قال: أعيدوه فيها، ثمّ قال: إنّكم لعَلى عملٍ صالحٍ، ثمّ قال: لولا أن تغلبوا عليه لَنزلتُ فنزعتُ معكم. قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا مِنْدَل بن عليّ عن حُسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عبّاس قال: حدّثني جعفر بن تمّام قال: جاء رجل إلى ابن عبّاس فقال: أرأيتَ ما تسقون الناسَ من نبيذ هذا الزبيب، أسُنّةٌ تتبعونها أم تجدون هذا أهون عليكم من اللبن والعسل؟ فقال ابن عبّاس: إنّ رسول الله، ﷺ، أتى العبّاس وهو يسقي الناسَ فقال اسْقِني، فدعا العبّاسُ بعِساسٍ من نبيذ فتناول رسولُ الله، ﷺ، عُسًّا منها فشرب ثمّ قال: أحسنتم، هكذا اصنعوا، قال ابن عبّاس: فما يسرّني أنّ سقايتها جَرَتْ عليّ لبنًا وعسلًا مكانَ قول رسول الله، ﷺ، أحسنتم هكذا افعلوا. قال: أخبرنا محمّد بن فُضَيْل بن غزوان عن الحجّاج عن الحكم عن مجاهد قال: اشربْ من سقاية آل العبّاس فإنّها من السّنّة. قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: حدّثنا إسماعيل بن زكريّاء الأسدي عن الحجّاج بن دينار عن الحكم عن حُجَيّةَ بن عديّ عن عليّ بن أبي طالب أنّ العبّاس بن عبد المطّلب سأل رسول الله، ﷺ، في تعجيل صدقته قبل أن تحلّ فرخّص له في ذلك. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا الحجّاج عن الحكم بن عُتيبة أنّ رسول الله، ﷺ، بعث عمرَ بن الخطّاب على الصدقة فأتى العبّاس يسأله صدقةَ ماله، قال: قد عَجَّلْتُ لرسول الله، ﷺ، صدقة سنتين، فرافعه إلى رسول الله، ﷺ، فقال رسول الله، ﷺ: صدق عمّي، قد تعجّلنا منه صدقة سنتين. قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا أبو إسرائيل عن الحكم قال: بعث النبيّ، ﷺ، عمرَ على السعاية فأتى العبّاسَ يطلب منه صدقة ماله فأغلظ له، فأتى عليًّا فاستعان به على النبيّ، ﷺ، فقال، ﷺ: تَرِبَتْ يداك! أما علمتَ أنّ عمّ الرجل صِنْوُ أبيه؟ إنّ العبّاس سلّفنا زكاةَ العام عَامَ أوّلَ (¬١). قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حَمّاد بن سَلَمَةَ قال: أخبرنا ثابت عن أبي عثمان النّهْديّ أنّ رسول الله، ﷺ، قال للعبّاس: ها هنا فإنّك صِنْوي. قال: أخبرنا محمد بن حُميد عن معمر عن قَتادة قال: كان بين عمر بن الخطّاب وبين العبّاس قول فأسرع إليه العبّاس، فجاء عمر إلى النبيّ، ﷺ، فقال: ألم تَرَ عبّاسًا فعل بي كذا وكذا وفعل فأردتُ أن أجيبَه فذكرتُ مكانه منك فكففتُ عنه؟ فقال: يرحمك الله! إنّ عمّ الرجل صِنْوُ أبيه. حدّثنا عبد الوهّاب بن عطاء عن شعبة عن عمارة بن أبي حفصة عن أبي مِجْلَز قال: قال رسول الله، ﷺ، إنّما العبّاس صِنْوُ أبي فمن آذى العبّاس فقد آذاني. أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقّيّ قال: حدّثنا أبو المليح عن عبد الله الورّاق قال: قال رسول الله، ﷺ: لا يَغْسِلُني العبّاسُ فإنّه والدي والوالد لا ينظر إلى عورة ولده. أخبرنا قَبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن موسى عن أبي عائشة عن عبد الله بن أبي رَزين عن أبي رَزين عن عليّ، ﵇، قال: قلتُ للعبّاس سل النبيّ، ﷺ، يستعملك على الصدقة. فسأله فقال: ما كنتُ لأستعملك على غُسالة ذنوب الناس. قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسديّ وقَبيصة بن عقبة قالا: حدّثنا سفيان عن محمّد بن المنكدر قال: قال العبّاس يا رسول الله ألا تُؤمّرني على إمارة؟ فقال: نَفْسٌ تُنْجيها خيرٌ من إمارة لا تُحصيها. قال: أخبرنا أبو سفيان الحِمْيَري الحذّاء الواسطيّ عن الضحّاك بن حُمْرة (¬٢) قال: قال العبّاس بن عبد المطّلب يا رسول الله اسْتَعْمِلْني، فقال له رسول الله، ﷺ: يا عبّاس، يا عمّ النبيّ، نفس تُنْجيها خير من إمارةٍ لا تُحصيها. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حَمّاد بن سَلَمَةَ قال: حدّثنا شُعيب بن الحَبْحَاب عن أبي العالية أنّ العبّاس ابتنى غرفة فقال له النبيّ، ﷺ، ألْقِها، قال العبّاس: أوَ أُنْفِقُ مثل ثمنها في سبيل الله؟ قال: ألْقِها. قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن بكر السهميّ قالا: حدّثنا أبو يونس حاتم بن أبي صغيرة القُشيريّ قال: حدّثني رجل من بني عبد المطّلب قال: قدم علينا عليّ بن عبد الله بن عبّاس فأتيناه فأخبرنا أنّ عبد الله بن عبّاس قال: أخبرني أبي العبّاس أنّه أتى رسولَ الله، ﷺ، فقال يا رسول الله أنا عمّك، كَبرَتْ سني واقترب أجَلي، فعَلّمْني شيئًا ينفعني الله به، فقال: يا عبّاس أنتَ عمّي وإني لا أُغْني عنك من الله شيئًا (¬١) ولكن سَلْ ربّك العَفْوَ والعافية. قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدّثنا حمّاد بن زيد عن أيّوب قال: قال العبّاس يا رسول الله مُرْني بدُعاءٍ، قال: سل الله العفو والعافية. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر الزهري عن عثمان بن محمد الأخنسي وإسماعيل بن محمّد بن سعد بن أبي وقّاص قالا: ما أدركنا أحدًا من الناس إلا وهو يقدّم العبّاس بن عبد المطّلبِ في العقل في الجاهليّة والإسلام. أخبرنا عثمان بن اليمان بن هارون المكّيّ عن أبي بكر بن أبي عون عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي لَيْلى عن جدّه قال: سمعتُ عليًّا بالكوفة يقول يا ليتني كنتُ أطَعْتُ عبّاسًا، يا ليتني كنْتُ أطَعْتُ عبّاسًا، قال قال العبّاس: اذهب بنا إلى رسول الله، فإن كان هذا الأمر فينا وإلّا أوصى بنا الناسَ. قال فأتوا النبيّ، ﷺ، فسمعوه يقول: لعن الله اليهود اتّخَذوا قبور أنبيائهم مساجد. قال فخرجوا من عنده ولم يقولوا له شيئًا. قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاري قال: حدّثني أبي عن ثُمامة بن عبد الله عن أنس بن مالك أنّهم كانوا إذا قُحِطوا على عهد عمر خرج بالعبّاس فاستسقى به وقال: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا، ﵇، إذا قُحِطْنا فتسقينا وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا، ﵇، فاسقنا (¬١). قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: حدّثنا عمرو بن أبي المِقدام عن يحيَى بن مسقلة عن أبيه عن موسى بن عمر قال: أصابَ الناسَ قَحْطٌ فخرج عمر بن الخطّاب يستسقي فأخذ بيد العبّاس فاستقبل به القبلةَ فقال: هذا عمّ نبيّك، ﷺ، جئنا نتوسّل به إليك فاسْقنا. قال فما رجعوا حتى سُقوا. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن محمّد بن عمر بن حاطب عن يحيَى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: رأيتُ عمر آخذًا بيد العبّاس فقام به فقال: اللّهمّ إنّا نستشفع بعمّ رسولك، ﷺ، إليك. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني داود بن عبد الرحمن عن محمد بن عثمان عن ابن أبي نَجيح قال: فرض عمر بن الخطّاب للعبّاس بن عبد المطّلب في الديوان سبعة آلاف. قال محمد بن عمر: وقد روى بعضهم أنّه فرض له خمسة آلاف كفرائض أهل بدر لقرابته برسول الله، ﷺ، فألحقه بفرائض أهل بدر ولم يُفضّل أحدًا على أهل بدر إلا أزواج النبيّ، ﷺ. قال: أخبرنا يزيد بن هارون وعفّان بن مسلم وسليمان بن حرب قالوا: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول إنّ قريشًا رءوس الناس لا يدخل أحد منهم في باب إلّا دخل معه فيه. قال يزيد بن هارون: ناس، وقال عفّان وسليمان: طائفة من الناس، فلم أدْرِ ما تأويل قوله في ذا حتى طُعنَ فلمّا احتُضِرَ أمَرَ صُهَيْبًا أن يصلّي بالنّاس ثلاثة أيّام وأمره أن يجعل للناس طعامًا فليطعموا، وقال عفّان وسليمان: حتى يستخلفوا إنسانًا، فلمّا رجعوا من الجنازة جيء بالطّعام ووُضعت الموائد فأمسك الناس عنها قال يزيد: للحُزْن الذي هم فيه، فقال العبّاس بن عبد المطّلب: أيّها الناس إنّ رسولَ الله، ﷺ، قد مات فأكلنا بعده وشربنا، ومات أبو بكر فأكلنا بعده وشربنا. قال عفّان وسليمان: وإنّه لا بُدّ من الأجَل فكُلوا من هذا الطعام. ثمّ مدّ العبّاس يده فأكل، ومدّ النّاس أيديَهم فأكلوا، فعرفتُ قولَ عمرَ إنّهم رءوس الناس (¬١). قال: أخبرنا المُعلّى بن أسد قال: حدّثنا وهيب عن داود بن أبي هند عن عامر أنّ العبّاس تَحَفّى (¬٢) عمرَ في بعض الأمر فقال له: يا أمير المؤمنين، أرأيتَ أن لو جاءك عمّ موسى مُسْلِمًا ما كُنْتَ صانعًا به؟ قال: كنتُ والله مُحْسنًا إليه، قال: فأنا عمّ محمّد النبيّ، ﷺ، قال: وما رَابَكَ (¬٣) يا أبا الفضل؟ فوالله لأبوك أحبّ إليّ من أبي، قال: آلله؟ قال: آلله (¬٤)، لأنّي كنتُ أعلم أنّه أحبّ إلى رسول الله، ﷺ، من أبى فأنا أُوثرُ حُبّ رسول الله، ﷺ، على حُبّي (¬٥). قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن الحسن قال: بَقيَ في بيت مال عمر شيء بعدما قُسِمَ بين الناس فقال العبّاس لعمر وللناس: أرأيتم لو كان فيكم عمّ موسى أكنتم تُكرِمونه؟ قالوا: نعم، قال: فأنا أحقّ به، أنا عمّ نبيّكم، ﷺ. فكلّم عمرُ الناسَ فأعطوه تلك البقيّة التي بقيت (¬٦). قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا زُهير بن معاوية عن لَيْث قال: حدّثني مجاهد عن عليّ بن عبد الله بن عبّاس قال: أعتق العبّاس عند موته سبعين مملوكًا (¬٧). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا خالد بن القاسم البياضي قال: أخبرني شُعْبة مولى ابن عبّاس قال: سمعتُ ابن عبّاس يقول: كان العبّاس معتدل القناة وكان يُخْبِرنا عن عبد المطّلب أَنّه مات وهو أعدل قناة منه. وتوفّي العبّاس يوم الجمعة لأربع عشرة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان بن عفان وهو ابن ثمانٍ وثمانين سنة، ودُفن بالبقيع في مقبرة بني هاشم. قال خالد بن القاسم: ورأيتُ عليّ بن عبد الله بن عبّاس معتدل القناة، يعني طويلًا، حسنَ الانتصاب على كِبَرٍ ليس فيه حَناء. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني ابن أبي حَبيبة عن داود بن الحُصين عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: كان العبّاس بن عبد المطّلب قد أسلم قبل أن يهاجر رسول الله، ﷺ، إلى المدينة. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني ابن أبي سَبْرة عن حُسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: أسلم العبّاس بمكّة قبل بدر وأسلمَت أمّ الفضل معه حينئذٍ، وكان مُقامه بمكّة، إنّه كان لا يغبّي علي رسول الله، ﷺ، بمكّة خبرًا يكون إلَّا كتب به إليه، وكان من هناك من المؤمنين يتقوّون به ويَصِيرُون (¬١) إليه، وكان لهم عونًا على إسلامهم. ولقد كان يطلب أن يقدم على النبيّ، ﷺ، فكتب إليه رسول الله، ﵇: إنّ مُقامك مُجاهدًا حسن، فأقام بأمر رسول الله، ﷺ. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا عليّ بن عليّ عن سالم مولى أبي جعفر عن محمّد بن عليّ قال: قال رسول الله، ﷺ، يومًا وهو في مجلس بالمدينة وهو يذكر ليلةَ العقبة فقال: أُيّدتُ تلك الليلةَ بعمّي العبّاس وكان يأخذ على القوم ويُعْطيهم. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد العزيز بن محمّد عن العبّاس بن عبد الله بن معبد قال: لمّا دوّن عمر بن الخطّاب الديوان كان أوّل مَن بدأ به في المَدْعى بني هاشم، ثمّ كان أوّلُ بني هاشم يُدْعى العبّاس بن عبد المطّلب في ولاية عمر وعثمان. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم عن العبّاس بن عبد الله بن معبد عن ابن عبّاس قال: كان العبّاس بن عبد المطّلب في الجاهليّة الذي يَلي أَمْرَ بني هاشم. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني يحيَى بن العلاء عن عبد المجيد بن سُهيل عن نملة بن أبي نملة عن أبيه قال: لمّا مات العبّاس بن عبد المطّلب بعَثَتْ بنو هاشم مؤذِّنًا يؤذّن أهل العوالي: رحم الله من شهد العبّاس بن عبد المطّلب، قال فحشد الناس ونزلوا من العوالي (¬١). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني ابن أبي سَبْرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن رُقيش (¬٢) عن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية (¬٣) قال: جاءنا مُؤْذِنٌ يُؤذِنّا بموت العبّاس بن عبد المطلب بقُبَاء على حمارٍ، ثمّ جاءنا آخر على حمار فقلتُ: مَن الأوّل؟ فقال: مولًى لبني هاشم والثاني رسول عثمان، فاستقبل قرى الأنصار قريةً قرية حتى انتهى إلى السافلة في بني حارثة (¬٤) وما ولاها حشد الناس فما غادرنا النساء، فلمّا أُتِيَ به إلى موضع الجنائز تضايق فتقدّموا به إلى البقيع، ولقد رأيتُنا يومَ صلّينا عليه بالبقيع وما رأيتُ مثل ذلك الخروج على أحد من الناس قطّ وما يستطيع أحد من النّاس أن يَدْنوَ إلى سريره، وغُلب عليه بنو هاشم فلمّا انتهوا إلى اللحد ازدحموا عليه فأرى عثمان اعتزل وبعث الشّرْطة يضربونَ الناس عن بني هاشم حتى خلص بنو هاشم، فكانوا هم الذين نزلوا في حُفْرَته ودَلّوه في اللحد، ولقد رأيتُ على سريره بُرْدَ حِبَرَةٍ قد تقطّع من زِحامهم (¬٥). قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثتني عُبيدة بنت نابل عن عائشة بنت سعد قالت: جاءنا رسول عثمان، ﵀، ونحن بقصرنا على عشرة أميال من المدينة أنّ العبّاس قد تُوفّي، فنزل أبي ونزل سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل ونزل أبو هُريرة من السّمرة، قالت عائشة: فجاءنا أبي بعد ذلك بيوم فقال: ما قدرنا على أن نَدْنُوَ من سريره من كثرة الناس، غُلبْنا عليه، ولقد كنْتُ أحِبّ حَمْلَه (¬١). قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني يعقوب بن محمّد عن محمّد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صَعْصَعَة عن الحارث بن عبد الله بن كعب عن أمّ عُمارة قالت: حضرنا نساء الأنصار طُرًّا جنازةَ العبّاس وكنّا أوّلَ مَنْ بكَى عليه ومعنا المهاجرات الأُوَلُ المبايعاتُ. قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا ابن أبي سَبرة عن عباس بن عبد الله بن سعيد قال: لما مات العبّاس أرسل إليهم عثمان إن رأيتم أن أحضرَ غَسْلَه فعلتم، فأذنوا له، فحضر فكان جالسًا ناحيةَ البيت، وغسله عليّ بن أبي طالب، ﵇، وعبد الله وعبيد الله وَقُثَمُ بنو العبّاس، وحدّتْ نساءُ بني هاشم سنةً. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عبد العزيز بن محمّد عن عبّاس بن عبد الله بن معبد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: أوصى العبّاس أن يُكْفَنَ في بُرْدِ حِبَرَةٍ وقال إنَّ رسول الله، ﷺ، كُفِنَ فيه. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا ابن أبي سبرة عن عبد المجيد بن سُهيل عن عيسى بن طلحة قال: رأيتُ عثمان يكبّر على العبّاس بالبقيع وما يقدر من لَغَطِ (¬٢) الناس، ولقد بلغ الناسُ الحِشّانَ (¬٣) وما تخلّفَ أحد من الرجال والنساء والصبيان. * * *