page 650, entry [327]Open original source
سريّة أُسامة بن زَيد بن حارثة (¬١) ثمّ سريّة أُسامة بن زيد بن حارثة إلى أهل أُبْنى، وهي أرض السّراة ناحيةَ البَلْقاء. قالوا: لمّا كان يوم الاثنين لأربع ليالٍ بقين من صَفَر سنة إحدى عشرة من مُهاجَر رسول الله، ﷺ، أمر رسول الله، ﷺ، النّاس بالتهيؤ لغزو الروم، فلمّا كان من الغَدِ دعا أسامةَ بن زيد فقال: سِرْ إلى موضع مَقْتل أبيك فأوْطِئْهم الخيلَ فقد ولّيتك هذا الجيش فأغِرْ صباحًا على أهل أُبْنَى (¬٢) وحَرّقْ عليهم وأسْرِع السير تَسْبِق الأخبار، فإن ظَفّرك الله فأقلِلِ اللّبْثَ فيهم وخُذْ معك الأدِلّاء وقدّم العيون والطّلائع أمامك. فلمّا كان يوم الأربعاء بُدئ برسول الله، ﷺ، فحُمّ وصُدّع، فلمّا أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواءً بيده ثمّ قال: اغزُ بسم الله في سبيل الله فقاتِل مَن كفرَ بالله! فخرج بلوائه معقودًا فدفعه إلى بُريدة بن الحُصيب الأسْلَمى وعسكر بالجُرْف فلم يبق أحدٌ من وجوه المهاجرين الأوّلين والأنصار إلّا انتدب في تلك الغزوة فيهم أبو بكر الصدّيق وعمر بن الخطّاب وأبو عُبيدة بن الجرّاح وسعد بن أبي وقّاص وسعيد بن زيد وقَتادة بن النّعمان وسلمة بن أسلم بن حَرِيش، فتكلّم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلامَ على المهاجرين الأولين! فغضب رسول الله، ﷺ، غَضَبًا شديدًا فخرج وقد عصب على رأسه عصابةً وعليه قطيفةٌ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد أيّها النّاس فما مقالةٌ بَلَغَتْنى عن بعضكم في تأميرى أسامة، ولئن طعنتم في إمارتى أُسامةَ لقد طعنتم في إمارتى أباه من قبله! وايم الله إن كان للإمارة لخَليقًا وإنّ ابنه من بعده لخليق للإمارة وإن كان لمن أحبّ النّاس إلى، وإنّهما لمخَيلان لكلّ خير، واستوصوا به خيرًا فإنّه من خياركم! ثمّ نزل فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول، وجاء المُسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودّعون رسول الله، ﷺ، ويمضون إلى العسكر بالجُرْف، وثقُل رسول الله، ﷺ، فجعل يقول: أنْفِذوا بَحْثَ أُسامة! فلمّا كان يوم الأحد اشتدّ برسول الله، ﷺ، وَجعه فدخل أسامة من مُعَسْكَره والنّبيّ مغمور، وهو اليوم الذي لدّوه (¬١) فيه، فَطَأطَأَ أسامة فقبّله ورسول الله، ﷺ، لا يتكلّم فجعل يرفع يديه إلى السّماء ثمّ يضعها على أسامة، قال: فعرفتُ أنّه يدعو لي. ورجع أسامة إلى مُعَسْكَره ثمّ دخل يوم الاثنين وأصبح رسول الله، ﷺ، مفيقًا، صلوات الله عليه وبركاته، فقال له: اغدُ على بركة الله! فودّعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر النّاس بالرحيل: فبينا هو يريد الرّكوب إذا رسول أمّه أمّ أَيْمَن قد جاءه يقول: إنّ رسول الله يموت! فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عُبيدة فانتهوا إلى رسول الله، ﷺ، وهو يموت فتُوفى، صلّى الله عليه صلاة يُحبّها ويرضاها، حين زَاغَت الشمس يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خَلَت من شهر ربيع الأول. ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجُرْف إلى المدينة ودخل بُريدة بن الحُصيب بلواء أسامة معقودًا حتى أتى به باب رسول ﷺ، فَغَرَزَه عنده، فلمّا بُويع لأبى بكر أمر بُريدة بن الحُصيب باللّواء إلى بيت أسامة ليمضى لوجهه، فمضى به بُريدة إلى معسكرهم الأوّل، فلمّا ارتدّت العرب كلّم أبو بكر في حَبس أُسامة فأبَى، وكلّم أبو بكر أسامة في عمر أن يأذن له في التخلّف ففعل. فلمّا كان هلال شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة خرج أسامة فسار إلى أهل أُبْنَى عشرين ليلةً فشنّ عليهم الغارة، وكان شعارهم: يا منصور أمِتْ! فقتل من أشرف له وسَبَى مَن قَدَر عليه وحرّق في طوائفها بالنّار وحرّق منازلهم وحُروثَهم ونَخْلهم فصارت أعاصير من الدّخاخين وأجالَ الخيلَ في عَرَصَاتهم وأقاموا يومهم ذلك في تعبئة ما أصابوا من الغنائم. وكان أسامة على فرس أبيه سَبْحة وقتل قاتِلَ أبيه في الغارة وأسهم للفرس سهمَين ولصاحبه سهمًا وأخذ لنفسه مثل ذلك. فلمّا أمسَى أمر النّاس بالرّحيلِ ثمّ أغَذّ السّيْرَ فوردوا وادى القُرى في تسعِ ليال، ثمّ بعث بشيرًا إلى المدينة يخبر بسلامتهم، ثمّ قصد بعدُ في السّير فسار إلى المدينة ستًّا وما أصيب من المسلمين أحدٌ، وخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقّونهم سرورًا بسلامتهم ودخل على فرس أبيه سَبْحة واللّواءُ أمامه يحمله بُريدة بن الحُصيب حتى انتهى إلى المسجد فدخل فصلّى ركعتين ثمّ انصرف إلى بيته. وبلغ هِرقل وهو بحِمْص ما صنع أسامة فبعث رابصةً يكونون بالبَلْقاء، فلم تزل هناك حتى قدمت البعوث إلى الشأم في خلافة أبي بكر وعمر. * * *