page 2748, entry [4566]Open original source
[شعر المعتم] وقال يزيد بن محمد المهلّبيّ: قال لي محمد بن عمرو الروميّ: لله درّ المعتصم! ما كان أعقله من رجل! كان له غلام يقال له «عجيب» لم ير الناس مثله قطّ، وكان مشغوفا به، فحارب بين يديه يوما فحسن بلاؤه فدعاني المعتصم فقال: يا محمّد، جليس الرجل صديقه وذو نصحه وموضع أنسه، ولي عليك حقّ الرئاسة والإحسان. فاصدقني عمّا أسألك عنه! فقلت: لعن الله من [لا] يقيم نفسه إلّا مقام العبد الناصح الذي يرى فرضا عليه أن يضيف كلّ حسن إليك وينفي كلّ عيب عنك! قال: قد علمت أنّي دون إخوتي في الأدب لحبّ أمير المؤمنين الرشيد فيّ وميلي إلى اللعب وأنا حدث، فما أبالي ما قالوا. وقد قاتل عجيب بين يديّ وأنت تعلم وجدي به، وقد جاش طبعي بشيء قلته، فإن كان مثله يجوز فاصدقني حتى أذيعه، وإلّا طويته. فقلت: والله لا جزت ما أمرت. فأنشدني [المجتثّ]: لقد رأيت عجيبا ... يحكي الغزال الربيبا الوجه منه كبدر ... والقدّ يحكي القضيبا وإن تناول سيفا ... رأيت ليثا حريبا وإن رمى بسهام ... كان المجدّ المصيبا طبيب ما بي من الح ... بّ ما عدمت الطبيبا إنّي هويت عجيبا ... هوى أراه عجيبا فحلفت بأيمان البيعة أنّه شعر مليح من أشعار الخلفاء الذين ليسوا بشعراء، فطابت نفسه. وقلت له: يحتاج إلى لحن فيه [١٨٧ أ]، فقال: ما أحبّ ذلك لئلّا يمرّ ذكر عجيب. فقلت: فلا نذكر البيتين الذين فيهما ذكر عجيب. قال: أمّا ذلك [ف] نعم. فغنّى به مخارق، ووصلني بخمسين ألفا. وأنشد محمد بن خلف بن المرزبان للمعتصم [الطويل]: أيا منشئ الموتى أعذني من التي ... بها نهكت نفسي سقاما وعلّت لقد بخلت حتى لو انّي سألتها ... قذى العين من سافي التراب لضنّت فإن بخلت فالبخل منها سجيّة ... وإن بذلت أعطت قليلا ومنّت وقوله [الرمل]: قرّب [النحّام] واعجل يا غلام ... واطرح السرج عليه واللجام أعلم الأتراك أنّي خائض ... لجّة الموت فمن شاء أقام وقوله- وقيل لغيره-[الرمل]: لم يزل بابك حتّى ... صار للعالم عبرة ركب الفيل ومن ير ... كب فيلا فهو شهرة وفيه يقول محمد بن عبد الملك الزيّات [الطويل]: يظلّ له سيف النبيّ كأنّما ... له دمعة من لوعة الشوق تذرف حمائله والبرد تعلم أنّه ... هو الطيّب الأولى الذي كان يعرف حلفت ومن حقّ الذي قلت أنّني ... أقول وإنّي بعد ذلك أحلف لما هاب أهل الظلم مثلك سائسا ... ولا أنصف المظلوم مثلك منصف وقال يرثيه [المنسرح]: أقول إذ غيّبوك واصطفقت ... عليك أيد بالترب والطين اذهب فنعم الظهير كنت على ... ال [-] دّنيا ونعم الحفيظ للدّين لا يجبر الله أمّة فقدت ... مثلك إلّا بمثل هارون (١) - يعني هارون الواثق ابن المعتصم. وكان المعتصم ذا شجاعة وقوّة وهمّة عالية، وكان عريا من العلم. وكان من أهيب الخلفاء. وامتحن العلماء بالقول بخلق القرآن، وقيل: إنّه قال في حمّاه التي مات فيها حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: ٤٤]. ولمّا احتضر جعل يقول: ذهبت الحيل فليست حيلة- حتى أصمت. ويروى أنّه جعل يقول: أرفض من بين هذا الخلق. وفي رواية أنّه قال: لو علمت أنّ عمري هكذا قصير ما فعلت ما فعلت. وسمع وهو يقول: اللهمّ، إنّك تعلم أنّي أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلي. وترك من الأولاد هارون- وولي الخلافة بعده ولقّب بالواثق، وهو لأمّ ولد اسمها قراطيس- وجعفرا- وولي الخلافة أيضا ولقّب بالمتوكّل، وأمّه تركيّة اسمها شجاع- ومحمّدا الأكبر، وأحمد، وعليّا، وإبراهيم- وأمّه ابنة بابك الخرّميّ- والعبّاس الأعرج، ومحمّدا أبا أحمد الأعور الأصغر، وإبراهيم، وعبد الله- أمّه سوداء. وقضاته [١٨٧ ب] أحمد بن أبي دؤاد، ومحمّد بن سماعة. ووزراؤه الفضل بن مروان، ثمّ محمّد بن عبد الملك الزيّات. وحاجبه وصيف مولاه. وهو أوّل من تسمّى بخليفة الله، وأوّل من تزيّا بزيّ الأتراك، ولبس التاج، ورفض زيّ العرب، وترك سكنى بغداد، وأوّل من قطع عطاء العرب وأخرجهم من الديوان، وأوّل من أدخل الأتراك الديوان وأثبت عطاءهم فيه، وآخر خليفة غزا بنفسه إلى دار الحرب.