page 2608, entry [4281]Open original source
٣٢١٧ - الفتح ابن سيّد الناس [٦٧١ - ٧٣٤] (٣) [٦٧ أ] محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن أبي القاسم بن محمد ابن سيّد الناس، فتح الدين، أبو الفتح، ابن أبي عمرو، ابن أبي بكر، ابن أبي العبّاس، اليعمريّ، الأندلسيّ الأصل، المصريّ المولد والدار والوفاة. ولد بالقاهرة في رابع عشر ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وستّمائة وسمع على جماعة بالقاهرة ومصر والإسكندريّة ودمشق. وأجاز له النجيب الحرّاني، وحضر على الشيخ شمس الدين ابن العماد الحنبليّ وسمع من قطب الدين ابن القسطلانيّ، وغازي الحلاويّ، وابن خطيب المزّة وخلق. قال الذهبيّ: كان صدوقا في الحديث حجّة فيما ينقله، له بصر نافذ بالفقه وخبرة بالرجال وطبقاتهم ومعرفة بالاختلاف. وقال العلم البرزاليّ: كان واحد الأعيان معرفة وإتقانا وحفظا وضبطا للحديث وتفهّما في علله وأسانيده، عالما بصحيحه وسقيمه، مستحضرا للسيرة، له حظّ من العربيّة وله الشعر الرائق والنثر الفائق. قال القطب عبد الكريم الحلبيّ في حقّه: إمام محدّث حافظ أديب شاعر بارع، وجمع وألّف وخرّج وانتقى، وبقي له يد طولى في الحديث والأدب وصنعة الشعر، متقنا في علم الحديث، حافظا، حجّة، ثبتا (١) فيما ينقل ويضبط، من أحسن الناس محاضرة. وقال الشهاب أحمد بن يحيى بن فضل الله: أحد أعلام الحفّاظ، وإمام أهل الحديث الواقفين بعكاظ، البحر المكثار، والحبر في نقله الآثار. وله أدب أسلس قيادا من الغمام بأيدي الر [ي] اح، وأسلم مرادا من الشمس في ضمير الصباح. وكان من بيت علم ورئاسة. ولجدّه مصنّف في منع بيع أمّهات الأولاد في مجلّد ضخم يدلّ على علم جمّ. [٦٧ ب] وقال الصلاح الصفديّ: كان حافظا بارعا أديبا متفنّنا بليغا ناظما ناثرا كاتبا مترسّلا، حسن المحاورة، لطيف العبارة، فصيح الألفاظ، كامل الأدوات، جيّد الفكرة، صحيح الذهن، جميل المعاشرة، لا تملّ محاضرته، أدبه غضّ، والإمتاع بأنسه بضّ، كريم الأخلاق، كثير الحياء، زائد الاحتمال، حسن الشكل والعمّة، قلّ أن ترى العيون مثله. وهو من بيت رئاسة وعلم، عنده كتب كثيرة وأصول جيّدة. سمع وقرأ وارتحل وكتب وصنّف وحدّث وأجاز وتفرّد بالحديث في وقته. ولعلّ مشيخته تقارب ألف شيخ. ونسخ بخطّه واختار وانتقى شيئا كثيرا، ولازم الشهادة مدّة. وكان طيّب الأخلاق بسّاما صاحب دعابة ولعب. وكان صدوقا في الحديث حجّة فيما ينقله، له بصر نافذ وخبرة تامّة بالرّجال وطبقاتهم ومعرفة بالاختلاف، ويد طولى في علم اللسان. ومحاسنه جمّة. وكان يكرّر الصلوات كلّ صلاة مرّات كثيرة، وكان صحيح القراءة سريعها، كأنّها السيل إذا تحدّر، سريع الكتابة: كتب ختمة قرآن في جمعة، وكتب السيرة النبوية من تصنيفه في عشرين يوما وهي في مجلّدين كبيرين. وكان صحيح العقيدة، جيّد الذهن، يفهم النكت العربيّة ويسارع إليها، لكنّه جمّد ذهنه لاقتصاره على النقل. وكان الشيخ تقيّ الدين محمد ابن دقيق العيد يحبّه ويؤثره ويركن إليه وإلى نقله. وإذا حضر درسه وجاء ذكر أحد من الصحابة أو من رجال الحديث، سأله عنه فيأخذ في الكلام ويسرد، وابن دقيق العيد مصغ إلى ما يقوله. ولو كان له اشتغال بقدر ذهنه [ل] كان قد بلغ الغاية القصوى، لكنّه كان فيه لعب. على أنّه ما خلّف بعده مثله لأنّه كان متناسب الفضائل، وكان محظوظا ما رآه أحد إلّا أحبّه (٢). واختصّ بالأمير علم الدين سنجر الدواداري فوصله بالسلطان الملك المنصور لاجين فقرّره في جملة الموقّعين بديوان الإنشاء وباشر ذلك ثم استعفى من التوقيع فأعفي وعمل المعلوم له مرتّبا، واستمرّ يتناوله. واختصّ بكريم الدين الكبير ناظر الخاصّ وغيره من الأمراء، وولي عدّة تداريس. وكتب كتبا كثيرة وأمّهات جيّدة وأصول [ا] عديدة، غالبها حضر إليه من بلاد المغرب (١). وصنّف كتاب «عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير»، واختصر [٦٨ أ] ذلك وسمّاه كتاب «نور العيون في سيرة الأمين المأمون»، وكتاب «تحسين (٢) الإصابة في تفضيل الصحابة»، وكتاب «النفح الشذيّ في شرح جامع الترمذيّ» - ولم يكمل، وكتاب «بشرى اللبيب بذكرى الحبيب»، وكتاب «منح المدح»، وكتاب «المقامات العليّة في كرامات الصحابة المرضيّة». وله شعر رقيق سهل التركيب منسجم الألفاظ عذب النظم، وترسّل جيّد. وكان النظم عليه بلا كلفة يكاد لا يتكلّم إلّا بالوزن. وكتب بالخطّ المغربيّ طبقة كما كتب بالخطّ المشرقيّ طبقة. وتوفّي يوم السبت حادي عشر شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة بالقاهرة، ودفن بالقرافة وكانت جنازته عظيمة الجمع. وأصابه مرّة في خدّه نزلة ورم منها ورما فاحشا، واشتدّ به الألم فرأى رسول الله ﷺ في منامه وكأنّه يشكو إليه ذلك فمرّ بيده المقدّسة عليه فانفجر. واستيقظ فإذا بما في خدّه من الموادّ قد سال وزال ألمه. فنظم مجلّدة في مدح رسول الله ﷺ على حروف المعجم، فجاء تسعا وعشرين قصيدة، وتداول الناس كتابتها، وهي التي سمّاها «بشرى اللبيب بذكرى الحبيب». ومن شعره [البسيط]: فقري لمعروفك المعروف يغنيني ... يا من أرجّيه والتقصير يرجيني إن أوبقتني الخطايا عن مدى شرف ... نجا بإدراكه الناجون من دوني أو غضّ من أملي ما شان من عملي ... فإنّ لي حسن ظنّ فيك يكفيني وقوله [السريع]: بادر إلى الخيرات واعمل بها ... فإنّما المرء بأعماله لا بدّ أن يسأل عن جاهه ... كأنّما يسأل عن ماله (٣) وقوله [الهزج]: صرفت الناس عن بالي ... فحبل ودادهم بالي وحبل الله معتصمي ... به علّقت آمالي ومن يسل الورى طرّا ... فإنّي ذلك السالي فلا وجهي لذي جاه ... ولا ميلي لذي مال وذكر جامع السيرة الناصريّة أنه كان في ابتداء أمره مشغوفا بالشرب والمنادمة حتى كانت الأكابر لا يتمّ مجلس أنسهم إلّا به، إلى أن ولي مشيخة الحديث فأقلع، وبقي كثير من الناس تتّهمه أنّه على ما كان [٦٨ ب] عليه. فلمّا مرّت جنازته تحت القلعة، كان السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون جالسا بالشبّاك والنشو بين يديه، فاستعظم الجنازة وبعث يسأل عنها فلمّا قيل له: جنازة فتح الدين ابن سيّد الناس شيخ الحديث، قال للنشو: «يا خوند، هذا كان من أكثر الناس إدمانا لشرب الخمر». فعند ما حضر القضاة من الغد للخدمة السلطانيّة بدار العدل قال السلطان لقاضي القضاة جلال الدين محمد القزويني: من كان هذا الرجل الذي كنتم أمس في جنازته؟ فأخذ هو وبقيّة القضاة في تعظيمه والثناء عليه، فقال: أنتم تشتهو [ن أن] تقولوا وتعظّموا، فقد كان يشرب الخمر ويحضر المجالس. فقال القزويني: لا يسمع السلطان هذا الكلام. ما نعلم الرجل إلّا راوي الحديث عن سيّدنا رسول الله ﷺ، وما نعلم منه غير ذلك. وقال القاضي تقيّ الدين محمد الإخنائيّ المالكي: ما قال يا خوند عن هذا الرجل هذا القول إلّا من هو لا مسلم، فإنّ الرجل يحدّث عن رسول الله ﷺ فسكت السلطان. واتّفق له في اليوم الذي مات فيه أنّه جاء إلى الأمير ناصر الدين محمد بن جنكل [ي] بن البابا، وقد ركب حمارا، وكانت له به خصوصيّة. فلمّا خرج إليه أراده أن ينزل عنده على عادته، فقال: ما حضرت إليك إلّا أن تجعلني في حلّ. فإنّي رأيت رسول الله ﷺ في المنام وألبسني طاقية، وأفهمني أنّي ميّت عن قرب. وإنّي أستودعك الشهادة، وأشهدك أنّي تائب إلى الله تعالى من جميع الذنوب. وانصرف عنه وقت الضحى إلى بيته بأعلى المدرسة الظاهرية بين القصرين، وجلس. فأخذه وجع في باطنه فنزل إلى الطبيب شمس الدين محمد ابن الأكفانيّ بالمدرسة المنصوريّة وعرض عليه ما عنده، فوصف له ما يناسبه وعاد إلى بيته. واستند ساعة فمات ﵀. وولي بعده مشيخة الكامليّة علاء الدين مغلطاي [ابن قليج بإشارة من] الجلال القزويني (١).