page 2548, entry [4145]Open original source
٣٠٨١ - الصاحب محيي الدين وزير الجزيرة [٥٨١ - ٦٥١] (٢) [١٤ أ] محمد بن محمد بن سعيد بن ندى بن جعفر، الصاحب الكبير، محيي الدين، أبو المظفّر، ابن الصاحب الوزير الفقيه الشهيد شمس الدين، ابن أبي بكر، الجزريّ، أستاذ علم الدين أيدمر التركيّ المحيويّ الشاعر، وأيبك المحيويّ الكاتب الفائق، ويعرف محيي الدين ب «وزير الجزيرة». أصله من ولد شرف الدولة من آل عقيل بن المسيّب صاحب الموصل. وكان جدّه سعيد بن ندى طحّانا. ورأس أبوه محمد بن سعيد (٣)، وترقّى حتى وزر لمعزّ الدين محمود بن سنجر شاه ابن غازي بن مودود صاحب الجزيرة. ثمّ وزر من بعده لابنه سنجر شاه بن محمود، وتوفّي في سنة عشر وستّمائة، وعرف بوزير الجزيرة. وكان فقيها فاضلا. فوزر بعده ابنه عماد الدين أبو محمد القاسم بن محمّد. ثمّ اشتغل محيي الدين هذا بوزارة الجزيرة مدّة. وكان فاضلا محبّا للفضلاء مقرّبا لهم، م [ت] فضّلا عليهم يلازمهم أبدا ويتحفونه بالفوائد ويؤلّفون له التصانيف الحسنة. فممّن كان عنده: الإمام رشيد الدين الفرغانيّ، والشيخ أثير الدين الأبهريّ، وصدر الدين الخاصيّ، وضياء الدين أبو طالب السنجاريّ، والشيخ شرف الدين التيفاشيّ (٤)، وشهاب الدين أبو شامة، وعلي بن سعيد المغربي، وله صنّف كتاب المغرب في محاسن المغرب، وكتاب المشرق في أخبار المشرق، ونجم الدين القمراوي. وكان معروفا بجمع المحاسن مولعا بإحياء الرسوم البرمكيّة. فلمّا فتح السلطان الملك الكامل محمد ابن العادل دمشق، وعبر الفرات، اجتمع به فأحبّه، وأقام يتدرّج في الاجتماع به أربع سنين. ثمّ فاوض صاحب الجزيرة فيه وأضافه إليه وخوّله في نعمه وزاد في برّه. الورقة ١٤ ب من مخطوطة ليدن ٣ وتمثّل عند اجتماعه بالملك الكامل بقول أبي الطيّب المتنبّي [الطويل]: وما شئت إلّا أن أذلّ عواذلي ... على أنّ رأيي في هواك صواب وأعلم قوما خالفوني وشرّقوا ... وغرّبت، أنّي قد ظفرت وخابوا (١) فاشتدّ اهتزاز السلطان لهذا الاستشهاد، وقال: يا محيي الدين، أنت والله أولى بهما من المتنبّي. وكان قد صحب الملك الأشرف موسى ابن العادل وتمكّن منه، فتحوّل إلى القاهرة وبقي في خدمة الملك الكامل. وتوفّي بدمشق يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وستّمائة. [١٤ ب] ودفن بسفح قاسيون. ومولده بجزيرة ابن عمر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وبلغ عند الكامل الغاية، وعمله أكبر أهل الدولة. ونرك ثلاثة أولاد أدباء شعراء: عبد العزيز، وعبد المجيد، ومحمد. وكان حسن الأخلاق، كثير البشر، مكرما للداخل عليه، عديم النظر في فضائله وعلومه وأدبه، يضرب به المثل في مكارمه. وله مصنّفات، منها: لطائف الواردات، وكتاب معالم التدبير، وكتاب مراشد الملك، وكتاب ضوابط الملك، وكتاب وظائف الرئاسة، وكتاب التذكرة الملوكيّة. ومدحه عدّة من الشعراء، مثل زكيّ الدين ابن أبي الإصبع، وأكثر من أمداحه، وشرف الدين ابن قديم، وبدر الدين ابن المسجّف، وأحمد بن منهال، وشرف الدين ابن الحلاوي، ووجيه الدين ابن العالم، والوزير شرف الدين محمد بن نظيف وزير الحافظ صاحب جعبر، ويوسف بن عليّ القرشيّ، ونجم الدين ابن النفّاخ الطبيب، ومحمد بن عمّار المكّي، ومحمد بن محمد بن مسكين، وعليّ بن سعيد المغربي، في آخرين. وله ترسّل جيّد، منه ما كتبه إلى أخيه الصاحب عماد الدين محمد، وقد طلب منه شيئا من ملبوسه: «أين أنت ممّا نحن فيه؟ أكتب إليك وتكتب إليّ، والغفلة شاملة، والحيرة شائعة، وقد رين على القلوب وزاد الوله حتى ألهى العقول، وفاض حتى أعشى الأبصار، ولقد كنّا في غفلة من هذا، فوا عجبا كيف لا ينفطر ما لا أسمّيه، وينشقّ لكثرة ما أحوم حول القول فيه، ولا أوفّيه إن شرحت! فاضت نفوس فضلا عن عيون، نرامت إلى مهاوي الإثم فيه ظنون، ولو أبديت بعضه لخفت أن يفطن بعض الناس، وإن أفضت فيه أخشى أن لا يحمله سمع ولا يسعه قرطاس، والرّضا بالقضاء يمنع من استبطاء مقدّر اللقاء. ومن غرائب هذه الحال أنّك تكون في شرق الأرض وأكون في غربها، فتستدرج الآمال الأجسام حتى تجعلها كقاب قوسين أو أدنى، ثمّ يفطن بنا الزمان فيجعل أجسامنا سهاما ويرمينا بقوسه إلى البعد الأقصى [الخفيف]: أيّها المنكح الثريّا سهيلا ... عمرك الله كيف يجتمعان؟ هي شاميّة إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يمان! ولقد عام السابح في بحر الفكر ليستخرج من قعره ما يستعين به على هذا الدهر، فلم ير إلّا أثرا بعد عين، فبعث شعارا بليّة واستدعى دثارا من سامية [١٥ أ] لتلاقي فيها جسوم ما تلاقي، قانعا في الوقت الحاضر بقليل هو كثير، راجيا من الله جمع الشمل، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير [الوافر]: فليت هوى الأحبّة كان عدلا ... يحمّل كلّ قلب ما أطاقا وبالجملة أليس إذا صار المرء في غامض علمه، يقال من حيث الصورة كان أمل بطانته وظهارته أن يصل منه نبأ يقرّ العين ويسرّ السمع ويبهج النفس من كونه في نعيم، وفي غرف من علّيّين، وفي جنّة عالية، قطوفها دانية، وأكلها دائم، وبين أشجار وأنهار وأثمار، فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ. [القمر: ٥٥]. فصاحبكم وبعيدكم في هذه الحالة يتقلّب، وفي هذه النعمة يصلكم خبر التواتر عنه بهذه الحظوة، فليرض بهذا المقدار في الإجماع فاحسبوه في غامض علم الله تعالى من حيث المعنى. ولمّا توجّه فلذة الكبد، وسرّ الروح، وسواد الناظر، وسويداء القلب، وشارفنا ثنايا الوداع، أهملت مشروع التشييع حذرا أن تفيض عيون فتقترح جفون، ويظهر المكتوم، وتلجئني ضرورة إلى ما لا يليق بذي المرائر الأبيّه والنحائز العظيمة [الطويل]: ولمّا شربناها ودبّ دبيبها ... إلى موضع الأسرار قلت لها: قفي! مخافة أن يسطو عليّ دخيلها ... فيظهر منّي بعض ما كان قد خفي فالله المشكور، وبه المستعان في جميع الأمور، وهو الخليفة لي عليكم وعليّ لكم، والسلام».