page 2499, entry [4054]Open original source
٣٠٠٨ - الكتيلة الجنكيّ (١) محمد بن [فراتقان]، بدر الدين، الماردينيّ، المعروف بالكتيلة الجنكيّ. كان أبوه يعرف بفراتقان، وكان يخدم النجم يحيى الشاعر الموصليّ من صغره، وفيه يقول، وقد ثلم له بركة ماء بحجر رماها به [السريع]: قل للّذي ثلّم لي بركة ... ما يأخذ الثأر ولو هدّها فتحت في أسفله ثغرة ... لو عاش ذو القرنين ما سدّها وخدم في كبره ببلاد ماردين، وولي نظر دنيسر. ونشأ ابناه مسعود ومحمد كتيلة. فمات مسعود شابّا، واشتهر محمّد كتيلة. [فأصله من أبناء الكتّاب، وكتب خطّا حسنا، وقرأ طرفا من العربيّة والنحو] وأتقن علم الموسيقى، وحفظ الكثير من شعر القدماء والمحدثين، ونقل أصواتا مشهورة، وحفظ كثيرا من نوب صفيّ الدين أبي الفضائل عبد المؤمن بن يوسف بن فاخر الأرمويّ، الذي ألّف أشتات الضروب وصنّف النوب. وانخرط في سلك الندماء وأهل المحاضرات، وملح وندر، [وحكى الحكايات والخبر] (١)، وكثرت ملحه ونوادره، وخدم ملوك ماردين، وحظي عند الملك الصالح شمس الدين وراج لديه. فسمع به السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون فاستدعاه، وأقبل عليه غاية الإقبال [حتى تمكّن منه.] وكان له منه مكانة لم يبلغها أحد من أمثاله. وأمره بملازمة الجواري وتعليمهنّ، فكان يتردّد إلى باب الستارة في كلّ يوم، ويخرج إليه الجواري فيعلّمهنّ ويلقي عليهنّ الأصوات حتى تخرّجبه غالب الجواري. وكان مجيدا في الغناء، متقنا لسائره الخفيف والثقيل منه، غاية في ضرب الجنك العجميّ (٢)، وتأليف الأنغام عليه لا [٢٤٩ ب] يكاد يثبت سامعه لشدّة الطرب. وكان يقيم بمصر المدّة الطويلة، ثمّ يسأل في العود إلى ماردين، فيؤذن له، فلا يكاد يصل إلى ماردين ويستقرّ بها حتى يجهّز السلطان في طلبه ويحثّ في سرعة عوده. فإذا وصل ضاعف له الإكرام وعومل بأكثر ممّا يعهد، وحصل له بهذا مال جزيل ونعم كثيرة جدّا. ورتّب له السلطان رواتب سنيّة تزيد على عادة مثله. قال القاضي شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله بعد ما ذكر ما تقدّم ذكره: وحضرت مجلس السلطان مرّة، وعنده الأمير موسى بن مهنّا، وكتيلة هذا يضرب بالجنك بين يديه. فرأيت موسى على سكونه العظيم ووقاره يميل يمنة ويسرة، وكان كتيلة ذلك اليوم كلّه يردّد صوتا صنعه، والصوت [البسيط] يا دار عزّة من للواله الباكي ... بنظرة يتملّى من محيّاك ما هبّ من أيمن الوادي نسيم صبا ... إلّا وكان الهوى العذريّ يمناك تحمّلي واجملي يا نوق واصطبري ... على المسير فهذا من سجاياك فلم يبق أحد من علماء الدار وأعيان الأمراء حتّى هزّه الطرب، ولولا مهابة السلطان لرقصوا، فلمّا فرغ ممّا هو فيه، أثنى السلطان عليه وقال لموسى بن مهنّا: كيف رأيت؟ فقال: والله ظننت أنّه يجذبني إليه، ولو لم أملك نفسي لوقعت عليه. وأمر له السلطان بألف دينار مصريّة ليتّجر بها وكتب توقيع مسامحة بما يجب عليها من الموجبات الديوانيّة في السفر دائما، صادرا وواردا. ومضى يوم عجيب لم ير مثله. (قال): ودخلت على السلطان يوما آخر، وهو عنده، وقد أخذ في صوت صنعه، والصوت [الطويل]: سلام على ليلى، وليلى بعيدة ... ولكنّها طيف إليّ قريب [٢٥٠ أ] بديعة حسن ما لها من مماثل ... إذا طلعت، شمس النهار تغيب كما أنّ قلبي في البلاد متيّم ... كذا حسن ليلى في الحسان غريب (قال): وكان [الكتيلة] يجيء إليّ في حوائجه التي تكون له عند السلطان، وكان كامل الأدب، وافر المروءة، حسن الخلق، جميل العشرة، يرجع إلى كرم وطيب أعراق. وكان بينه وبين الكمال التوريزيّ (١) ما يكون بين أرباب كلّ فنّ من المنافسة والحسد، وكان السلطان قد سمع بالكمال وجاءته الأخبار بأنّه فرد من أفراد الدهر في فنّه، فبعث إليه من يشخصه إليه، وتطلّع إلى مقدمه عليه، فخاف كتيلة من بواره به، فلم تمتدّ الأيّام حتى جاءت الأخبار بأنّ الكمال مات فجأة. فشاع أنّ كتيلة ربّما دسّ عليه من قتله. ولعلّ هذا إنّما هو من تشنيع العوامّ، وأقوال الحسدة الطغام. ثمّ لم يلبث كتيله [بعده] أن عاد إلى ماردين فمات- ﵀ في [ ... ]. [وممّا غنّاه السلطان-[الكامل]: ملك الملوك محمّد، أنت الذي ... ذلّت ملوك الأرض بين يديه شرف الملوك بأن يكونوا عنده ... أو أن يكونوا واقفين لديه جهدوا وما دانوك في أدنى العلا ... هيهات أن يصل الملوك إليه! وإذا هم بلغوا السماء مكانة ... لمّا تراموا في السماح عليه فأجزل له العطاء] (٢).