Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

[من نثره: رسالته إلى قضاة النواحي]

المقريزي - المقفى الكبير · page 2432, entry [3879]

المقفى الكبير — المقريزي

page 2432, entry [3879]Open original source
[من نثره: رسالته إلى قضاة النواحي] وقال الشهاب ابن فضل الله: ومن نثر القاضي أبي الفتح ما كتب [به] إلى نوّابه في الحكم بالوجه القبليّ والبحريّ عند ما فوّض إليه قضاء القضاة، بعد البسملة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦]. صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السّامي، وفّقه الله لقبول النصيحة، وأتاه لما يقرّبه قصدا صالحا ونيّة صحيحة، أصدرنا إليه بعد حمد الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويمهل حتى يلتبس الإمهال بالإهمال على المغرور. نذكّره بأيّام الله، فإنّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ (١) مِمَّا تَعُدُّونَ [الحجّ: ٤٧]، ونحذّره صفقة من باع آخرته بدنياه، فما أحد سواه مغبون، عسى الله أنيرشده بهذا التذكار، وينفعه وتأخذ هذه النصائح بحجزته عن النار، فإنّي أخاف أن [ي] تردّى فيخرّ من ولّاه والعياذ بالله معه، والموجب لإصدارها ما تلمّحناه من الغفلة المستحكمة على القلوب، ومن [١٦٨ أ] تقاعد الهمم عن القيام بما يجب للربّ على المربوب، ومن أنسهم بهذه الدار وهم يزعجون عنها، وعلمهم بما بين أيديهم من عقبة كئود، وهم لا يتخفّفون منها، ولا سيّما القضاة الذين تحمّلوا أعباء الأمانة على كواهل ضعيفة، وظهروا بصور كبار وهمم نحيفة. فو الله إنّ الأمر لعظيم، وإنّ الخطب لجسيم، ولا أرى أنّ مع ذلك أمنا ولا قرارا، ولا راحة، اللهمّ إلّا رجل نبذ الآخرة ورا (ء) هـ، واتّخذ إلهه هواه (٢)، وقصر همّه وهمّته على حظّ نفسه ودنياه، فغاية مطلبه حبّ الجاه (٣)، والرغبة في قلوب الناس، وتحسين الزيّ والملبس، والركبة والمجلس، غير مستشعر خسّة حاله، ولا ركاكة مقصده. وهذا لا كلام معه فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [الروم: ٥٢]، وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر: ٢٢]، فاتّق الله الذي يراك حين تقوم، واقصر أملك عليه فالمحروم من فضله غير مرحوم. وما أنا وأنتم أيّها النفر إلّا كما قال حبيب العجميّ ﵁ وقد قال له قائل: ليتنا لم نخلق! - فقال: قد وقعتم فاحتالوا! وإن خفي عليك بعض هذا الخطر، وشغلتك الدنيا أن تقضي من معرفته الوطر، فتأمّل قوله ﷺ: «القضاة ثلاثة»، وقوله ﷺ مشفقا: «لا تؤمّرنّ على اثنين ولا تلينّ مال يتيم، لا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم»! [المتقارب]: وما أنا والسير في متلف ... يبرّح بالذّكر الضابط (٤)؟ هيهات! جفّ القلم، ونفذ أمر الله فلا رادّ لما حكم، إيه! ومن هنالك شمّ الناس من فم الصّدّيق رائحة الكبد المشويّ، وقال الفاروق: «ليت أمّ عمر لم تلده! » واستسلم عثمان وقال: «من أغمد سيفه فهو حرّ». وقال عليّ، والخزائن بين يديه مملوءة: «من يشتري منّي سيفي هذا؟ ولو وجدت ما أشتري به رداء ما بعته! » وقطع الخوف نياط عمر بن عبد العزيز فمات خشية العرض. وعلّق بعض السلف في بيته سوطا يؤدّب به نفسه إذا فتر. أفترى في ذلك سدى، أم وضح أنّا نحن المقرّبون وهم البعداء؟ وهذه أحوال لا تؤخذ من كتاب السلم والإجارة والجنايات، نعم، إنّما تنال بالخضوع والخشوع، وبأن تظمأ وتجوع، وتحمي عينيك الهجوع. وممّا يعينك على الأمر الذي دعوت إليه، ويزوّدك في مسيرك إلى العرض عليه، أن تجعل لك وقتا تعمّره بالتفكّر والتدبّر، فإنّها تجعلها معدّة لجلاء قلبك فإنّه إن [١٦٨ ب] استحكم صداه (٥) صعب تلا فيه، وأعرض عنه من [هو] بما فيه. واجعل أكثر همومك الاستعداد للمعاد، والتأهّب لجواب الملك الجواد، فإنّه يقول: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: ٩٢]. ومهما وجدت من همّتك قصورا، أو استشعرت من نفسك عمّا يذلّلها نفورا، فاجأر (١) إليه وقف ببابه واطلب منه، فإنّه لا يعرض عمّن صدق، ولا يعزب عن علمه خفايا الضمائر، ألا يعلم من خلق؟ هذه نصيحتي إليك، وحجّتي بين يدي الله إن فرّطت عليك. أسأل الله لي ولك قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، ونفسا مطمئنّة، بمنّه وكرمه.
Parsing and provenance details
Local passage ID
946600
Book record
shamela-145334
Source record
1016515
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain
[من نثره: رسالته إلى قضاة النواحي] — shamela-145334 · Hadith Research Library