page 2384, entry [3759]Open original source
[استنجاد ابن الحنفيّة بالمختار الثقفيّ] فلمّا هدأت العيون ونام طالع الكلاب (١) ورمق الحرس فوجدهم نياما مستثقلين، دفع إليهم كتابا منه إلى المختار بن أبي عبيد، وإلى من قبله من الشبعة يخبرهم فيه بحالهم وما يتخوّفون من ابن الزبير ويقول فيه: يا غوثنا بالله! يا غوثنا بالله! وقال: إن رأيتم منهم ما تحبّون حمدتم الله على ذلك. وإن رأيتم منهم تقصيرا فأعلموا الناس ما جاء بكم، والحالة التي تركتمونا عليها. فلمّا قرأ المختار الكتاب دعا أصحابه فقرأه عليهم، فوثب جميع من في القصر يبكون ويضجّون ويقولون للمختار: سرّحنا إليه وعجّل! فخطب المختار الناس وقال: هذا كتاب مهديّكم، وصريخ أهل بيت نبيّكم، ومن معهم إخوانكم قد تركوا محظورا عليهم حظر كزرب الغنم ينتظرون القتل والتحريق بالنار، في آناء الليل وتارات النهار. لست بأبي إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا وأصرف إليهم الخيل في آثار الخيل كالسيل يتلوه السيل [١٢٨ أ] حتّى يحلّ بابن الكاهليّة (٢) الويل. وأنفذ المختار جواب كتاب ابن الحنفيّة مع محمد بن نشر والطفيل ابن أبي الطفيل عامر بن واثلة. واحتبس قبله أبا المعتمر وهاني بن قيس ليسرّح معهما جيشا. ثمّ وجّه أبا عبد الله ابن عبد، من ولد واثلة بن عمرو بن تاج بن يشكر بنعدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان- وهو الذي يعرف بأبي عبد الله الجدليّ لأنّ أمّ عدنان بن عمرو وفهم بن عمرو يقال لها: جديلة، فهم ينسبون إليها- في سبعين راكبا. ووجّه أيضا عقبة بن طارق الجشميّ في أربعين راكبا، ويونس بن عمرو بن عمران الجابريّ في أربعين راكبا. وكان يونس قد رجع إلى الكوفة قبل شخوص هؤلاء الأربعة النفر. فسار هؤلاء المائة والخمسون ومن عليهم حتّى وافوا مكّة، ومحمد بن الحنفيّة وأهل بيته وأولئك القوم قد أعدّ لهم عبد الله بن الزبير الحطب ليحرّقهم بالنار حتّى يبايعوه، فعقل القادمون رواحلهم وكبّروا ونادوا: يا لثارات الحسين! ثمّ شدّوا على الحرس الموكّلين بابن الحنفيّة وأصحابه فطردوهم، ودخلوا عليه يفدونه بآبائهم وأمّهاتهم ويقولون: خلّ بيننا وابن الزبير! فقال: لا أستحلّ القتال في الحرم! وقال ابن الزبير: فوا عجبا من هذه الخشبيّة التي اغتزوني في سلطاني ينعون حسينا كأنّي أنا قاتل حسين. والله لو قدرت على قتلته لقتلتهم! - وكان دخولهم على ابن الزبير، وفي أيديهم الخشب، كراهة أن يشهّروا في الحرم والمسجد الحرام السيوف. وقال بعضهم: بل وثبوا على الخشب الذي كان ابن الزبير جمعه حول زمزم لإحراق ابن الحنفيّة، وأخذ كلّ امرئ منهم بيده خشبة فسمّوا «الخشبيّة». وأقبل ابن الزبير على أبي عبد الله الجدليّ وأصحابه فقال: أتروني أخلّي سبيل صاحبكم دون أن يبايع وتبايعوا؟ فقال الجدليّ: وربّ الركن والمقام، والحلّ والإحرام، لتخلّينّ سبيله فينزل من مكّة حيث شاء، ومن الأرض حيث أحبّ، أو لنجالدنّك بأسيافنا! [١٢٨ ب] فقال ابن الزبير- ورأى أصحابه قد ملئوا المسجد، وأنّ أصحاب ابن الحنفيّة لم يبلغوا المائتين-: وما هؤلاء والله لو أذنت لأصحابي فيهم ما كانوا عندهم إلّا كأكلة رأس! فقال صخير بن مالك: أما والله إنّي لأرجو إن رمت ذلك أن يوصل إليك قبل أن ترى فينا ما تحبّ. وقام الطفيل بن عامر فقال [الرجز]: قد علمت ذات الشباب الزود ... والجرم ذي البضاضة الممسود أنّا الأسود بنو الأسود فقال ابن الحنفيّة لعامر: يا أبا الطفيل اومر ابنك فليسكت! وتكلّم ابن الحنفيّة فقال: آمركم بتقوى الله وأن تحقنوا دماءكم. إنّي معتزل لهذه الفتنة حتى تجتمع الأمّة، إذ اختلفت وتفرّقت، فأطيعوني. وقال عبد الله بن عبّاس ﵄ لابن الزبير: قد نهيتك عن هذا الرجل وأعلمتك أنّه لا يريد منازعتك، فاكفف عنه وعن أصحابه! فقال: والله لا أفعل حتّى يبايع. أيبايع يزيد ولا يبايعني؟