Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

[سخاء الشافعي]

المقريزي - المقفى الكبير · page 2026, entry [2852]

المقفى الكبير — المقريزي

page 2026, entry [2852]Open original source
[سخاء الشافعيّ]: وعن الربيع: قال لنا الشافعيّ: دهمني في هذه الأيّام أمر أمضّني وآلمني، ولم يطّلع عليه غير الله تعالى. فلمّا كان البارحة أتاني آت في منامي فقال: يا محمد بن إدريس، قل: «اللهم إنّي لا أملك لنفسي ضرّا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا أستطيع أن آخذ إلّا [ما] أعطيتني، ولا أتّقي إلّا ما وقيتني. اللهمّ فوفّقني لما تحبّ وترضى من القول والعمل في عافية». فلمّا أصبحت أعدت ذلك، فلمّا ترحّل النهار أعطاني الله طلبتي وسهّل لي الخلاص ممّا كنت فيه، فعليكم بهذه الدعوات فلا تغفلوا عنها! وقال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعيّ: يا أبا موسى، قد أنست بالفقر حتى صرت لا أستوحش منه. وقال عمرو بن سواد: كان الشافعيّ أسخى الناس بالدينار والدرهم والطعام، فقال لي: أفلست في دهري ثلاثة إفلاسات. وكنت أمنح قليلي وكثيري حتّى حلي ابنتي وزوجتي، ولم أرهن قطّ. وعن الربيع: قال عبد الله بن عبد الحكم للشافعيّ: إن عزمت أن تسكن البلد- يعني مصر- فليكن لك قوت سنة ومجلس من السلطان تتعزّز به. فقال الشافعيّ: يا أبا محمد، من لم تعزّه التقوى فلا عزّ له. لقد ولدت بغزّة، وربّيت بالحجاز وما عندنا قوت ليلة، وما بتنا جياعا قطّ. وقال المزنيّ: سمعت الشافعيّ يقول: السخاء والكرم يغطّيان عيوب الدنيا والآخرة بعد أن لا تلحقهما بدعة. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان الشافعيّ من أسخى الناس. وكنت آكل معه تمرا ملوّزا (١) من هذا الجراب. فجاء رجل فقعد وأكل، وكان يجلس إليه. وكان الشافعيّ سخيّا، فلمّا فرغ من الأكل، قال الرجل للشافعيّ: ما تقول في آكل الفجاءة؟ فلوى عنقه وقال: هلّا كان السؤال قبل أن تأكل؟ *** وقال المزنيّ: كنت مع الشافعيّ يوما فخرجنا إلى الأكوام (١) فمرّ بهدف وإذا برجل يرمي بقوس عربيّة، فوقف عليه ينظر، وكان حسن الرمي فأصاب بأسهم، فقال له الشافعيّ: أحسنت- وبرّك عليه. ثمّ قال: أمعك شيء؟ قلت: معي ثلاثة دنانير. فقال: أعطها إيّاه واعذرني عنده إذ لم يحضرني غيرها. وقال الربيع: أخذ رجل بركاب الشافعيّ، فقال لي: يا ربيع، أعطه أربعة دنانير واعذرني عنده. وفي رواية: مسك رجل للشافعيّ الركاب فقال [١٧٠ أ]: يا ربيع، أعطه خمسة دنانير، واعتذر لنا عنده. (قال الربيع: ) فأعطيته، ولو دفع إليه خمسة دراهم لكان كثيرا، ولكنّ نفس الشافعيّ واسعة. قال: وكان الشافعيّ راكب حمار، فمرّ على سوق الحذّائين فسقط سوطه من يده، فوثب غلام من الحذّائين فأخذ السوط ومسحه بكمّه وناوله إيّاه. فقال الشافعيّ لغلامه: ادفع تلك الدنانير التي معك إلى هذا الفتى. قال الربيع: فلست أدري كانت تسعة دنانير أو سبعة. *** قال الربيع: تزوّجت فسألني الشافعيّ: كم أصدقتها؟ قلت: ثلاثين دينارا. قال: وكم أعطيتها. قلت: ستّة دنانير. فصعد داره وأرسل إليّ بصرّة فيها أربعة وعشرون دينارا. *** وقال الربيع: كان الشافعيّ به هذه البواسير، وكانت له لبدة محشوّة بحلبة فكان يقعد عليها. فإذا ركب أخذت تلك اللّبدة (٢) ومشيت خلف حماره. فبينا هو يمرّ إلى منزله ناوله إنسان رقعة فيها: إنّني رجل بقّال أبيع البقلة، ورأس مالي درهم، وتزوّجت امرأة وأريد أن أدخل بها، وليس لي إلّا ذلك الدرهم: تعينني بشيء. فقال: يا ربيع، أعطه ثلاثين دينارا واعذرني عنده! فقلت: أصلحك الله، إنّ هذا يكفيه عشرة دراهم. قال: ويحك يا ربيع! وما نصنع بثلاثين دينارا؟ أفي كذا أم في كذا؟ - يعدّ ما يصنع في جهازه- أعطه ثلاثين دينارا واعذرني عنده! *** وقال الربيع: ولدت لنا شاة في زمان ليس فيه لبأ. فأمرت بلبئها فعمل. ثم تركته حتى برد واستحكم. وصفيّته في جام ولفقته في منديل ديبقيّ وختمته، وأنفذته إلى الشافعي لأتحفه به. فأعجبه وقبله وردّ عليّ الجام وفيه مائة دينار عينا. وقال محمد ابن بنت الشافعيّ: سمعت عمّي إبراهيم بن محمد يقول: باع الشافعيّ ضيعة له بعشرة آلاف درهم فصبّه [ا] على نطع يمينا، فكان من أتاه من الأشراف وأهل العلم والأدب، حثا له بكفّه حتّى بقي شيء يسير على النّطع. فأتاه أعرابيّ من بني سدوس، فقال له: يا فتى عندي لك يد، فكافئني عليها! قال: وما تلك اليد يا عمّ؟ قال: حضرت هذا الموسم، وأنت مع عمومتك وهم يشتهون الأضحية، فضربت يدك إلى قرن شاة، فقلت: «يا عمّ، اشتر لي هذه! » فقلت: «أحسن إلى الفتى! » فأحسن إليك بقولي. فقال الشافعيّ: [١٧٠ ب] إنّ هذه ليد جليلة، خذ النطع وما عليه! *** وقال الزبير بن سليمان القرشيّ عن الشافعيّ: خرج هرثمة فأقرأني سلام أمير المؤمنين هارون وقال: قد أمر لك بخمسة آلاف دينار. (قال): فحمل إليه المال، فدعا بحجّام فأخذ من شعره فأعطاه خمسين دينارا. ثمّ أخذ رقاعا فصرّ من تلك الدنانير صررا، ففرّقها في القرشيّين الذي هم بالحضرة ومن هم بمكّة حتّى ما رجع إلى بيته إلّا بأقلّ من مائة دينار. *** وقال الحميديّ: قدم الشافعيّ من صنعاء إلى مكّة بعشرة آلاف دينار في منديل. فضرب خباءه في موضع خارجا من مكّة. وكان الناس يأتون فيه، فما برح حتى ذهبت كلّها، ثمّ دخل مكّة. وعن إبراهيم بن صوّابة- وكان جليسا للشافعيّ- أنّه قال: دخلت مع الشافعيّ حمّاما، فخرجت قبله- وكان الشافعيّ طوالا جسيما نبيلا، وكان إبراهيم طوالا جسيما. فلبس إبراهيم ثياب الشافعيّ، ولبس الشافعيّ ثياب إبراهيم، والشافعيّ لا يعلم أنّها ثياب إبراهيم، وإبراهيم لا يعلم أنّها ثياب الشافعيّ. فانصرف الشافعيّ إلى منزله فنظر فإذا هي لإبراهيم، فأمر بها فطويت وبخّرت وجعلت في منديل. ونظر إبراهيم فطواها وبخّرها وجعلها في منديل. ثمّ راحا جميعا، فجعل الشافعيّ ينظر إلى إبراهيم ويبتسم إليه، وجعل إبراهيم ينظر إلى الشافعيّ ويبتسم إليه. فلمّا صلّيا العصر قال إبراهيم؛ أصلحك الله، هذه ثيابك. فقال الشافعيّ: وهذه ثيابك. والله لا يعود إليّ منها شيء ولا يلبسها غيرك- فأخذهما إبراهيم جميعا. *** وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان الشافعيّ أسخى الناس بما يجد. وكان يمرّ بنا، فإن وجدني، وإلّا قال: «قولوا لمحمّد إذا جاء يأتيالمنزل، فإنّي لست أتغدّى حتى يجيء». فربّما جئته فإذا قعدت معه على الغداء قال: «يا جارية، اضربي لنا فالوذج [ا]! » فلا تزال المائدة بين يديه حتى تفرغ منه ونتغدّى. وقال أبو ثور: كان الشافعيّ من أجود الناس وأسمحه [م] كفّا. كان يشتري الجارية الصّناع التي تطبخ وتعمل الحلواء ويشترط عليها هو أنّه لا يقربها لأنّه كان عليلا لا يمكنه أن يقرب النساء لباسور كان به. ويقول لنا: تشهّوا ما أحببتم فقد اشتريت جارية تحسن أن تعمل ما تريدون. فيقول لها بعض أصحابنا: اعملي لنا اليوم كذا وكذا! - فكنّا نحن الذين نأمرها بما نريد، وهو مسرور بذلك. وقال الربيع: لمّا قدم الشافعيّ مصر، واجتمع الناس إليه، نظر [١٧١ أ] إليّ، فقال لي: يخفّ عليك يا بنيّ أن تبلغ إلى أبي زكير، فتأخذ لنا منه الدنانير- وكان قد باع فرسا له بستّين دينارا. فقلت له: إيه والله! على الرأس والعين! فقال: اذهب، صانك الله وعلّمك خيرا! فأخذت الستّين دينارا، ثمّ رجعت وقلت له: هذه الدنانير. فقال لي: امسكها معك! فتركتها معي. فلمّا طال مجلسه انصرفت إلى منزلي. ثمّ عدت، فقال لي: نفقتنا معك، فذهبت وتركتنا! فلمّا قام إلى منزله، اتّبعته حتى دخل المنزل، وقعدت على الباب. فكتب إليّ رقعة: إن رأيت أعزّك الله أن تشتري لنا بكذا وكذا- ولم أعرف من هذا قبل ذلك شيئا- فكان هذا مبتدأ أمري معه. ولقد وافق نزول الشافعيّ يوما، وأنا أكتب حسابه، فلاحظني وقال: لا تفسد قرطاسك! والله لا نظرت لك في حساب أبدا! وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء، والشافعيّ ينظر إليّ، هيبة له. وقال: كان أصحاب مالك يفخرون، ويقولون إنّه يحضر مجلس مالك نحو من ستّين معمّما- والله لقد عددت في مجلس الشافعيّ ثلاثمائة معمّم، سوى من شذّ عنّي.
Parsing and provenance details
Local passage ID
945577
Book record
shamela-145334
Source record
1016222
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain