page 1946, entry [2723]Open original source
[المنافسة مع القاضي الخصيبيّ] ثمّ عارض أبو بكر ابن الحدّاد الخصيبيّ في مجلس آخر. فقال له الخصيبيّ: كم تعارضني! فقال له ابن الحدّاد: أعارضك [إذا أخطأت] (٢) وأدقّ عنقك- وحسر عن ساعده، وفرغ المجلس وانصرفوا. فظهر من كافور إنكار ما جرى، تعصّبا للخصيبيّ. وسعى الخصيبيّ وتشفّع إلى كافور بأن يحجب ابن الحدّاد وجماعة الحاضرين، إلّا الخصيبيّ وابنه وشاهدين- وعاونه على ذلك قوم- فحجب في المجلس الآخر ابن الحدّاد وجماعة. وسفر نحرير شويزان في أمر ابن الحدّاد، وركب معه عشيّة إلى كافور واستأذنه. فأذن له وحجب ابن الحدّاد. فقال نحرير: لا أدخل إلّا بالشيخ! - فأذن لهما، فدخلا. فقال نحرير لكافور: أيّها الأستاذ، هذا الشيخ أبو بكر الفقيه الفاضل المتقن. فقال كافور: والخصيبيّ أيضا! فقال نحرير: ولا سواء. هذا الشيخ عالم، ومثله الذي يتجمّل به. والخصيبيّ خاطب الشيخ بما لا يصلح ولا يحسن. فقال كافور: وقد خاطبه هو أيضا. فاغتاظ أبو بكر ابن الحدّاد وقال متمثّلا: فلو كنت ضبّيّا عرفت قرابتي ... فوضع أبو محمد السوكيّ كاتب كافور يده على فم ابن الحدّاد لئلّا يتمّ البيت- لأنّه كان يحفظه. وانصرف ابن الحدّاد، وتخلّف نحرير. فقال كافور: إيش قال؟ شتمني؟ فقيل له: لا. ثمّ لم يبرح تحرير حتّى قرّر حضور ابن الحدّاد المجلس. وكان فيما قال لكافور: أيّها الأستاذ، الصدق أنّه ليس يجمل هذا الشيخ الحضور، وإنّما حضوره يجمل، وتأخّره عظيم يكتب إلى الآفاق به [فتحصل الشفاعة] (١). فقال كافور: ما حجبته.- وتقدّم بإكرامه وأن يرسل إليه. قال ابن زولاق: والبيت الذي أنشده [الطويل]: فلو كنت ضبّيّا عرفت قرابتي ... ولكنّ زنجيّا عظيم المشافر [١٠٣ ب] ثمّ انصرف السوكيّ من عشيّته إلى ابن الحدّاد يلومه على ما أنشد. فقال له: يا أبا محمّد، كنت تدع [ن] ي أتمّ البيت، فو الله ما يصل إليّ ولا يقدر على مكروهي. وتعصّب أبو الفضل جعفر بن الفرات الوزير لأبي بكر ابن الحدّاد فبلّغه في الحضور ما أحبّ. ولم يزل ابن الحدّاد ملازما لمجلس كافور على مضض، إلى أن تأهّب أبو الفضل الوزير للحجّ، فاغتنم ابن الحدّاد ذلك وتجهّز [للحجّ في] ضيق صدر. وحفظ عليه، وقد ركب محمله وهو يقول: هو ذا أخرج وأدع مصر للخصيبيّ! - وسار وهو يقول: اللهمّ، لا تمتني في دار غربة! فاستجيبت الدعوة، واعتلّ في نصف الطريق وهو راجع. وتوفّي في محمله موضع القاهرة اليوم، ودفن في وطنه. وقال القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي في كتاب الخطط: أبو بكر محمد بن أحمد ابن الحدّاد القاضي: توفّي منصرفه من الحجّ في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة بمنية جريج على باب مدينة مصر- وقيل: في موضع القاهرة- وقبره في بحر محمود على يمين من يمضي إلى الخندق، وكان على ظاهر حجرته رخام فقلع. وهو مجاور قبر أبي الحسن بن طاهر الصوّاف. وكان يخلف القضاة، ثمّ ولي القضاء رئاسة. وكان متصرّفا في علوم كثيرة: من علوم القرآن، والفقه، والحديث، والشعر، وأيّام العرب، والنحو واللّغة، وغير ذلك. ولم يكن في زمانه مثله وكان محبّبا إلى الخاصّ والعامّ. وحضر جنازته الأمير أبو القاسم أونوجور ابن الإخشيد، وكافور، وجماعة أهل البلد، وله تسع وسبعون سنة وأربعة أشهر ويومان. وكان مولده في اليوم الذي مات فيه المزنيّ، وهو لستّ بقين من شهر رمضان سنة أربع وستّين ومائتين. وقال السمعانيّ: كان يقال: عجائب الدنيا ثلاث: غضب الجلّاد، ونظافة السّماد، والردّ على ابن الحدّاد. وكان ابن الحدّاد هذا تولّى قضاء مصر دفعتين وتكرّر في نيابة القضاء كرّات. وكان قد حجّ، فلمّا قدم من الحجّ توفّي في طريق الجبّ بين مصر وجبّ عميرة في المحرّم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، ودخل به ميتا في محمله، ودفن بسفح المقطّم عند أبيه وأمّه. وقال ابن خلّكان: توفّي يوم قدومه من الحجّ سنة خمس وأربعين. قال ابن زولاق في حوادث سنة خمس وأربعين: ففي صفر منها وافى حاجّ البرّ [١٠٤ أ] ووافى أبو بكر ابن الحدّاد الفقيه ميتا في محمله، فأخرج من الغد. وكانت جنازته عظيمة، وحضرها الأمير أونوجور والأستاذ كافور. ملحق [تعليقا على البيت الذي تمثّل به ابن الحدّاد]: وقال ابن كناسة: كتب خالد بن عبد الله القسريّ إلى مالك بن المنذر أن خذ الفرزدق فاحبسه! - وكان يحقد عليه أشياء. فأمر مالك أيّوب بن عيسى الضبّيّ، فاحتال له حتّى أخذه. وكانت ضبّة أخوال الفرزدق. فهجا أيّوب بشعر فيه [الطويل]: ستأتي ابن زبّ الخنفساء قصيدة ... تكون له منّي عذابا يباشره مددت له بالرحم بيني وبينه ... فألفيته منّي بعيدا أواصره وقلت: امرؤ من آل ضبّة فاعتزى ... إلى عزّهم جلد استه ومناخره فلو كنت ضبّيّا عرفت قرابتي ... ولكنّ زنجيّا غليظا مشافره (١) فلما ورد بالفرزدق على مالك أمر أن يوقر حديدا ويحبس، فكان يصلّي قاعدا.