page 1725, entry [2324]Open original source
[شيء من دهائه] وكان المهدي قد بلغه أنّ اليسع بن مدرار صار إلى هذا الرجل ورفعه إلى قلعة له. فكتب إليه كتابا عن غزويه من غير علمه يرغّبه في المودّة وعقد الأخوّة، ويحضّه في أن يجعل لنفسه من أمير المؤمنين موضعا بالقبض على اليسع وتوجيهه، وأنّه، إن لم يفعل ذلك، خرجت العساكر فأهلكته واستأصلت عشيرته. ووجّه غزويه إلى المهدي رسوله فوصّاه بما أحبّ ودفع إليه الكتاب، وغزويه لا يعلم. فوصل الرسول بالكتابين جميعا: كتاب غزويه بشراء الجمال وما أحبّه من أحواله، والكتاب الثاني الذي دسّه المهديّ. فلمّا وقف الرجل على ذلك قال: «هذه بليّة قد وقعت فيها وامتحنت بها». وكان في ظنّه أنّ أحدا لا يعلم بوصول اليسع إليه. فجمع أهله وشاورهم فقالوا: «لا تكسبنا عداوة المشارقة (١*)، فإنّه لا طاقة لنا بهم». فردّ الجواب بأن يصل من يتسلّم اليسع وأهله وولده. فدعا المهديّ بأبي عبد الله فقال له: ما تجعل لمن دلّك على اليسع؟ فقال: كلّ ما عندي يا مولانا، وما أملك إلّا نفسي، فإن ملّكني مولاي نفسي جعلتها لمن دلّني عليه وأوقعه في يدي. فأطلعه على الكتاب فسجد بين يديه شكرا لله تعالى. فأمره أن يبعث من يختاره فبعث أبا مديني ولهيصة. قال المهدي: «تبيّنت في أبي عبد الله من غير أن يظهر به قولا ولا فعلا، كراهية لأمر غزويه، وإن يكن بلغ منّا هذه المنزلة». وبيّن ذلك أنّ أبا العبّاس جعل يقول: «هذا جزاؤنا، فعلنا وصنعنا»، وأكثر مثل هذا بحضرة المهديّ حتى أغضبه وقال له: «اخرج، فلا أقام الله دولة تقيمها أنت وأخوك! ». فقال أبو عبد الله: وقد بلغت منه حتى أحوجته إلى هذا الكلام إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: ١٥٦]. وحضر المائدة من ذلك اليوم وقد تغيّر وجهه ولونه، وظهر عليه ما حرّكه به أبو العبّاس.