Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

[قول ابن خلدون]

المقريزي - المقفى الكبير · page 1713, entry [2315]

المقفى الكبير — المقريزي

page 1713, entry [2315]Open original source
[قول ابن خلدون] والذي يظهر، أنّ هذه الأقوال موضوعة لم يقلها أحد بل افتراها أعداء القوم ونشروها في الناس لينفّروهم عنهم. وقد قال شيخنا العلّامة أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون ﵀ في كتابه الذي سمّاه «العبر وديوان المبتدأ والخبر»: ومن الأخبار (٣*) الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرّخين [٢١٧ ب] في العبيديّين خلفاء الشيعة بالقيروان والقاهرة، من نفيهم عن أهل البيت والطعن في نسبهم إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، يعتمدون في ذلك على أحاديث لفّقت للمستضعفين من خلفاء بني العبّاس، تزلّفا لهم بالقدح فيمن ناصبهم، وتفنّنا في الشمات بعدوّهم حسب ما نذكر [من] بعض هذه الأحاديث في أخبارهم، ويغفلون عن التفطّن لشواهد الواقعات وأدلّة الأحوال التي اقتضت خلاف ذلك من تكذيب دعواهم والردّ عليهم. فإنّهم متّفقون في حديثهم عن مبدإ دولة الشيعة أنّ أبا عبد الله المحتسب لمّا دعا بكتامة للرضيّ من آل محمد ﷺ واشتهر خبره وعلم تحويمه على عبيد الله المهديّ وابنه أبي القاسم، خشيا على أنفسهما فهربا من المشرق محلّ الخلافة واجتازا بمصر، وأنّهما خرجا من الإسكندريّة في زيّ التجّار، ونمى خبرهما إلى عيسى النوشريّ عامل مصر والإسكندريّة، فسرّح في طلبهما الخيالة، حتى إذا أدركا خفي حالهما على تابعهما بما لبّسوا به من الثياب (١) والزيّ فأقبلوا إلى المغرب، وأنّ المعتضد أوعز إلى الأغالبة أمراء إفريقية بالقيروان وبنى مدرار أمراء سجلماسة بأخذ الآفاق عليهما وإذكاء العيون في طلبهما، فعثر اليسع صاحب سجلماسة على خفيّ مكانهما ببلده واعتقلهما مرضاة للخليفة. هذا قبل أن تظهر الشيعة على الأغالبة بالقيروان. ثم كان بعد ذلك ما كان من ظهور دعوتهم بإفريقيّة والمغرب ثمّ بمصر والشام والحجاز، وقاسموا بني العبّاس في ممالك الإسلام وكادوا يلجون عليهم مواطنهم ويديلون (٢) من أمرهم. ولقد أظهر دعوتهم ببغداد وعراقها الأمير البساسيري من موالي الديلم المتغلّبين على خلفاء بني العبّاس في مغاضبة جرت بينه وبين أمراء العجم، وخطب لهم على منابرها حولا كريتا (١*). وما زال بنو العبّاس يغصّون بمكانهم ودولتهم، وملوك بني أميّة وراء البحر ينادون بالويل والحرب منهم. وكيف يقع هذا كلّه لدعيّ في النسب مكذّب في انتحال الأمر؟ واعتبر حال القرمطيّ إذ كان دعيّا في انتسابه كيف تلاشت دعوته وتفرّق أتباعه فظهر سريعا على خبثهم ومكرهم فساءت عاقبتهم وذاقوا وبال أمرهم. ولو كان أمر العبيديّين كذلك لعرف، ولو بعد مهلة [الطويل]: فمهما يكن عند امرئ من خليقة ... وإن [٢١٨ أ] خالها تخفى على الناس، تعلم (٢*) فقد اتّصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة، وملكوا مقام إبراهيم ﵇ ومصلّاه ومواطن الرسول ﷺ ومدفنه، وموقف الحجيج ومهبط الملائكة، ثمّ انقرض أمرهم، وشيعتهم في ذلك كلّه على أتمّ ما كانوا عليه من الصاغية (٣*) إليهم والحبّ فيهم واعتقادهمبنسب الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق. ولقد خرجوا مرارا بعد ذهاب الدولة ودروس أثرها داعين إلى بدعتهم هاتفين بأسماء صبيان من أعقابهم يزعمون استحقاقهم للخلافة ويذهبون إلى تعيينهم بالوصيّة ممّن سلف قبلهم من الأئمّة. ولو ارتابوا في نسبهم لما ركبوا أعناق الأخطار في الانتصار لهم. فصاحب البدعة لا يلبّس أمره ولا يشبّه في بدعته ولا يكذب نفسه فيما ينتحله (١). والعجب من القاضي أبي بكر الباقلّاني (٢) [كيف] يجنح إلى هذه المقالة المرجوحة ويرى هذا الرأي الضعيف. فإن كان ذلك لما كانوا عليه من الإلحاد في الدين، والتعمّق في الرفض، فليس ذلك بدافع في صدر بدعتهم، وليس إثبات منتسبهم بالذي يغني عنهم من الله شيئا في كفرهم. وقد قال تعالى لنوح ﵇ في شأن ابنه: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [هود: ٤٦]. وقال ﷺ لفاطمة يعظها: «يا فاطمة، اعملي، فلن أغني عنك من الله شيئا» (٣). ومتى عرف امرؤ قضيّة أو استيقن أمرا وجب عليه أن يصدع به وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب: ٤]. والقوم كانوا في مجال لظنون الدول بهم وتحت رقبة من الطغاة بتوفّر شيعتهم وانتشارهم في القاصية بدعوتهم، وتكرّر خروجهم مرّة بعد أخرى فلاذت رجالاتهم بالاختفاء ولم يكادوا يعرفون كما قيل [الطويل]: فلو تسأل الأيّام: ما اسمي؟ ما درت ... وأين مكاني، ما عرفن مكانيا (٤) حتى لقد سمّي محمد بن إسماعيل الإمام جدّ عبيد الله المهديّ بالمكتوم، سمّته بذلك شيعتهم لما اتّفقوا عليه من إخفائه حذرا من المتغلّبين عليهم. فتوصّل شيعة آل العباس بذلك عند ظهورهم إلى الطعن في نسبهم وازدلفوا بهذا الرأي الفائل إلى المستضعفين من خلفائهم وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم المتولّون لحروبهم مع الأعداء يدفعون به عن أنفسهم وسلطانهم معرّة العجز عن المقاومة والمدافعة لمن غلبهم على الشام ومصر [٢١٨ ب] والحجاز من البربر الكتاميّين شيعة العبيديّين وأهل دعوتهم حتى لقد أسجل (١*) القضاة ببغداد بنفيهم من هذا النسب، وشهد بذلك من أعلام الناس جماعة ببغداد في يوم مشهود، وذلك سنة ثنتين وأربعمائة في أيّام القادر. وكانت شهادتهم في ذلك على السماع لما اشتهر وعرف بين الناس ببغداد، وغالبها شيعة بني العبّاس الطاعنون في هذا النسب، فنقله الأخباريّون كما سمعوه، ورووه حسب ما وعوه، والحقّ من ورائه. وفي كتاب المعتضد في شأن عبيد الله إلى ابن الأغلب بالقيروان وابن مدرار بسجلماسة أصدق شاهد وأوضح دليل على صحّة نسبهم: فالمعتضد أقعد (٢*) بنسب أهل البيت من كلّ أحد، والدولة والسلطان سوق للعالم تجلب إليه بضائع العلوم والصنائع وتلتمس فيه ضوالّ الحكم وتحدى إليه ركائب الروايات والأخبار، وما نفق فيها نفق عند الكافّة. فإن تنزّهت الدولة عن التعسّف والميل والأفن (٣*) والشقشقة، وسلكت النهج الأمم ولم تجر عن قصد السبيل، نفق في سوقها الإبريز الخالص واللجين المصفّى. وإن ذهبت مع الأغراض والحقود وماجت بسماسرة البغي والباطل، نفق البهرج والزائف. والناقد البصير قسطاس نظره وميزان بحثه وملتمسه (١)، والله الموفّق.
Parsing and provenance details
Local passage ID
945050
Book record
shamela-145334
Source record
1015988
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain