page 1706, entry [2308]Open original source
[قول ابن شدّاد الصنهاجي] وقال الأمير عزّ الدين أبو محمد عبد العزيز بن شدّاد بن تميم بن المعزّ بن باديس الحميري في كتاب «الجمع والبيان في أخبار القيروان ومن كان فيها وفي سائر المغرب من الملوك والأعيان»: أوّل من أظهر الزندقة في الإسلام أبو الخطّاب (٣*) محمد بن أبي زينب مولى بني أسد، وأبو شاكر ميمون بن ديصان بن سعيد الغضبان صاحب كتاب «الميدان» في نصرة الزندقة، وأبو سعيد [ ... ] (٤*) من أهل رامهرمز من كورة الأهواز، وكان من خرّميّة المجوس. فألقى هؤلاء إلى من اختصّوا به أنّ لكلّ شيء من العبادات باطنا، وأنّ الله ما أوجب على أوليائه ومن عرف الأئمّة والأبواب (٥*) صلاة ولا زكاة ولا صوما ولا حجّا، ولا حرّم عليهم شيئا من المحرّمات، وأباح لهم نكاح الأمّهات والأخوات. وقال: إنّما هذه العبادات عذاب على الأمّة وأهل الظاهر، وهي ساقطة عن الخاصّة، وإنّ آدم وجميع الأنبياء كذّابون محتالون طلّاب الرئاسة- ولمّا كان في أيّام بني العبّاس اشتدّت شوكتهم مع أبي الخطّاب وأصحابه لانتحالهم التشيّع لبني هاشم، وحماهم بنو العبّاس. فلمّا قامت البيّنة عليهم في الكوفة، وأنّ أبا الخطّاب أسقط العبادات [٢١٤ أ] وحلّل المحرّمات، أخذه عيسى بن موسى الهاشميّ مع سبعين من أصحابه فضرب أعناقهم. وتفرّق باقيهم في البلاد فصار منهم جماعة في نواحي خراسان والهند وصار أبو شاكر ميمون [بن ديصان] بن سعيد الغضبان إلى بيت المقدس مع جماعة من أصحابه وأخذوا في تعليم الشعبذة والنارنجات ومعرفة الزّرق (١) وصفة النجوم والكيمياء، وإظهار الزهد والورع. ونشأ لأبي شاكر ميمون ابن يقال له عبد الله القدّاح، وعرّفه هذه النحلة وإظهار التشيّع. وكان قد ثار في أيّام المأمون مع إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وادّعوا التشيّع في الكرج (٢) وفي أصبهان. وكان من جملتهم رجل يعرف بمحمّد بن الحسين بن جهار لختان (٣) ويلقّب بديدان، وكان بنواحي الكرج وأصبهان له حال واسعة، وكان يبغض العرب. وسمع عبد الله بن ميمون القدّاح به فسار إليه. وكان عبد الله يتعاطى الطبّ وعلاج العين ويقدح (١*) الماء النازل بها، ويظهر أنّه يفعل ذلك حسبة وقربة إلى الله تعالى، فطار له بهذا اسم في نواحي أصبهان والجبل. وسمع به ديدان فأحضره، وأظهر له عبد الله مساويء العرب فأحبّه، وأخذ منه مالا عظيما. وخرج عبد الله القدّاح إلى سواد الكوفة ومعه المال، وبثّ الدعاة، ومات. وقام ابنه أحمد مقامه وبثّ الدعاة، واستدعى رجلا من أهل الكوفة يقال له رستم أبو الحسين بن الكرخين بن حوشب بن زادان النجّار. وكان هذا الرجل من الإماميّة يقول بإمامة موسى الكاظم بن جعفر الصادق، فنقله إلى القول بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق. وكانوا يرصدون من يرد المشاهد بالعراق وكربلاء، فمن كان لهم فيه طمع استدعوه. وورد عليهم أبو الحسن محمد بن الفضل (٢*) من أهل جيشان من أرض اليمن فدخل، وهو يبكي، على الحسين بن علي ﵁، فصبروا عليه حتّى خرج من زيارته، وأخذ الداعي بيده فقال له: قد رأيت ما كان منك من البكاء والقلق على صاحب هذا القبر. فلو أدركته ما كنت تصنع؟ قال: كنت أجاهد بين يديه وأبذل مالي ودمي دونه. فقال: أتظنّ أنّه ما بقي لله حجّة (١) بعد صاحب هذا القبر؟ قال: بلى، ولكن لا أعرفه بعينه. قال: فتريده؟ قال: أي والله. فسكت عنه الداعي. فقال له: ما قلت لي هذا القول إلّا وأنت عارف به. فسكت [٢١٤ ب] الداعي، فقوي ظنّ ابن الفضل بأنّ الرجل يعرف الإمام والحجّة، فألحّ عليه، فقال له: دعني أفكّر، واطلب واصبر ولا تعجل، وأقم، فإنّ هذا الأمر لا يتمّ بالعجلة، ولا بدّ له من صبر. (قال) فمضى الداعي إلى ابن القدّاح وعرّفه حال ابن الفضل فأخذه وجمع بينه وبين أحمد ابن القدّاح. وكان أحمد أبدا يقول للحسن بن حوشب (٢): «هل لك في غربة في الله؟ » فيقول: «الأمر إليك يا سيّدي». فلمّا اجتمع بابن الفضل، قال له: «قد جاء [ما] كنت تريد يا أبا القاسم: هذا رجل من أهل اليمن، وهو عظيم الشأن كثير المال ومن الشيعة، وقد أمكنك ما تريد، وثمّة خلق من الشيعة فاخرج وعرّفهم أنّك رسول المهديّ، وأنّه في هذا الزمان يخرج من اليمن، واجمع المال والرجال، والزم الصوم والصلاة والتقشّف». وجمع بينه وبين ابن الفضل وأخرجه معه وقال: «يا أبا القاسم، الزم الباطن وقل: لكلّ شيء باطن. وإن ورد عليك شيء لا تعلمه فقل: لهذا من يعلمه وليس هذا وقت ذكره». وخرجا إلى أرض اليمن، ونزل ابن حوشب بعدن، وفيها قوم يعرفون ببني موسى، وخبرهم عند ابن القدّاح. فلمّا قدم ابن حوشب اجتمعوا به وقالوا له: أنت رسول المهديّ ونحن إخوانك. ولم يزل ابن حوشب يقوى وأخباره ترد على من بالكوفة من الإماميّة فيبادرون إليه ويقول بعضهم لبعض: دار الهجرة. فكثر عددهم واشتدّ بأسهم. وكانوا قد نفّذوا إلى المغرب رجلين أحدهما يعرف بالحلوانيّ والآخر يعرف بأبي سفيان. وتقدّموا إليهما بالوصول إلى أقاصي المغرب والبعد عن المدن والمنابر، وقالوا لهما: ينزل كلّ واحد منكما بعيدا عن صاحبه وقولا: قد قيل لنا: اذهبا فالمغرب أرض بور فاحرثاها واكرباها (١*) حتى يجيء صاحب البذر. فنزل أحدهما بأرض كتامة بمدينة تسمّى مرمجنّة، والآخر بسوجمار (٢*)، فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما. وماتا على قرب بينهما. فقال ابن حوشب لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن زكريا الشيعيّ- وقد كان هاجر إلى ابن حوشب-: «يا أبا عبد الله، أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلوانيّ وأبو سفيان، وقد ماتا، وليس لها غيرك. فبادر فإنّها موطّأة ممهّدة لك! » فخرج أبو عبد الله. فذكر (١) قدومه إلى أرض المغرب مع كتامة وإقامة دعوة عبيد الله بها. (قال) وكان ولد عبد الله بن ميمون القدّاح لمّا قوي أمره وكثرت أمواله ومات عبد الله [٢١٥ أ] ادّعوا أنّهم من ولد عقيل بن أبي طالب وهم مع هذا يستترون ويخفون أشخاصهم ويغيّرون أماكنهم وأسماءهم وأسماء دعاتهم. وكان لعبد الله القدّاح جماعة من الولد فخلفه منهم أحمد. ومات أحمد فخلفه محمد. وكان لمحمد ولدان: أحمد والحسين. فمات أحمد، وهو الذي نفّذ ابن حوشب وابن الفضل إلى اليمن. وصار الحسين إلى سلميّة من أرض حمص وله بها أموال من ودائع جدّه عبد الله القدّاح ووكلاء وغلمان وأتباع. وبقي ببغداد من أولاد القدّاح أبو الشلعلع وكان مؤدّبا بآداب الملوك. وكان الذي بسلميّة يدّعي أنّه الوصيّ وصاحب الأمر دون بني القدّاح ويكاتب الدعاة. واتّفق أنّه جرى بحضرته حديث النساء بسلميّة. فوصفوا امرأة رجل يهوديّ حدّاد، مات عنها زوجها، وهي في غاية الجمال. فقال لبعض وكلائه: زوّجني بها. فقال: يا سيّدي، هذه فقيرة ولها ولد. فقال: ما علينا من الفقر! زوّجني بها وأرغبها وابذل لها ما شاءت. فتزوّجها وأحبّها وحسن موقعها منه. وكان ابنها يماثلها في الجمال فأحبّه وأدّبه وعلّمه وأقام له الخدم والأصحاب. فمن العلماء من أهل هذه الدعوة من يقول إنّ الإمام الذي كان بسلميّة من ولد القدّاح مات ولم يكن له ولد، فعهد إلى ابن اليهوديّ الحدّاد وهو عبيد الله وعرّفه أسرار الدعوة وأين الدعاة وأعطاه الأموال والعلامات، وتولّى (١*) على الأعمال وتقدّم إلى وكلائه بطاعته وأنّه الإمام وزوّجه ابنة عمّه أبي الشلعلع محمد بن أحمد (٢*). وهذا قول أبي القاسم الأبيض العلويّ (٣*) وغيره من العلماء بهذه الدعوة ورواة أهلها. وبعض الناس- وهو قليل- يقولون: لا، ولكنّ عبيد الله هذا من ولد القدّاح.