page 1578, entry [2206]Open original source
موت المأمون فعادا إلى بغداد. [موت المأمون] وكان من خبر موت المأمون أنّه لمّا خرج يريد الغزو أتاه رسول ملك الروم فقال: إنّ الملك يخيّرك بين أن يردّ عليك نفقتك التي أنفقتها من بلدك إلى هذا الموضع، وبين أن يخرج كلّ أسير من المسلمين في بلد الروم بغير فداء [١٢٤ ب] ولا درهم ولا دينار، وبين أن يعمر كلّ بلد للمسلمين قد أخربته النصرانيّة ويردّه كما كان، وترجع عن غزاتك هذه. فقام المأمون ودخل خيمته وصلّى ركعتي الاستخارة، وخرج فقال للرسول: قل له: أمّا قولك: تردّ عليّ نفقتي، فإنّي سمعت الله ﷿ يقول في كتابه العزيز: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ* فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ* ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ [النمل: ٣٥ - ٣٧]. وأمّا قولك: إنّه يخرج كلّ أسير من المسلمين في بلد الروم، فما في يدك إلّا أحد رجلين: إمّا رجل طلب الله ﷿ والدار الآخرة، فقد صار إلى ما أراد، وإمّا رجل طلب الدنيا، فلا فكّ الله أسره! وأمّا قولك: إنّك تعمر كلّ بلد للمسلمين قد خربه الروم، فلو أنّي قلعت أقصى حجر في بلاد الروم، ما اعتضت بامرأة عثرت في حال أسرها فقالت: وا محمّداه! عد إلى صاحبك فليس بيني وبينه إلا السيف! . وضرب الطبل فرحل، وكان من فتحه ما تقدّم. وانصرف من غزاته فنزل عين البذندون على طريق طرسوس، وهي عين ماء، وتعرف أيضا ب «القشيرة». وأقام هناك حتّى ترجع رسله منالحصون. فوقف على العين ومنبع الماء فأعجبه برد مائها وصفاؤه وحسن بياضه وطيب الموضع وكثرة الخضرة. فأمر بقطع خشب طوال فبسطت على العين كالجسر، وجلس عليه والماء تحته. وطرح في الماء درهما فقرأ كتابته، وهو في قرار الماء، لصفائه. ولم يقدر أحد يدخل الماء من شدّة برده. فبينا هو كذلك إذ لاحت له سمكة نحو الذراع كأنّها سبيكة فضّة فأمر بإخراجها. فلمّا صارت على حرف العين أو على الخشب اضطربت وانماست من يد الفرّاش، فوقعت في الماء كالحجر فنضحت الماء على صدر المأمون ونحره وترقوته، فبلّت ثوبه. فأخذها الفرّاش فوضعها بين يدي المأمون في منديل وهي تضطرب، فقال: تقلى الساعة! ثم أخذته رعدة من ساعته فلم يقدر يتحرّك من مكانه، فغطّي باللحف والدواويج (١*)، وهو يرتعد كالسعفة ويصيح: «البرد! البرد! » ثمّ حوّل إلى المضرب ودثّر وأوقدت النيران حوله، وهو يصيح: «البرد! » فأتي [١٢٥ أ] بالسمكة وقد فرغ من عملها. فلم يقدر على ذوقها، وشغله ما هو فيه عن تناول شيء منها. واشتدّ به الأمر. فسأل المعتصم بختيشوع وابن ماسويه عنه، هل يمكن برؤه؟ فأخذا يديه وجسّاه فوجدا نبضه خارجا عن الاعتدال منذرا بالفناء. والتصقت أيديهما ببشرته لعرقه الذي كأنّه الربّ أو كلعاب الأفاعي، فأنكرا معرفة العرق وذكرا أنّهما لم يجداه في شيء من الكتب، وأنّه دالّ على انحلال البدن. ثم أحضر المأمون أناسا من الروم وسألهم عن اسم الموضع، وهو «القشيرة» فقالوا: «معنى البذندون: مدّ رجليك» فاضطرب عند سماع ذلك وتطيّر منه. فقال: ما اسمه بالعربيّة؟ فقالوا: الرقّة. وكان في مولده أنّه يموت بموضع يعرف بالرقّة، فكان يتحامى الإقامة بالرقّة خوفا من أن تدركه منيّته بها. فلمّا سمع ذلك علم أنّه الموضع الذي يموت فيه. فلمّا ثقل قال: «أخرجوني أشرف على عسكري وانظر إلى رجالي وأتبيّن ملكي! » وذلك بالليل. فأخرج. فلمّا أشرف على الخيم والجيش وكثرته، وما وقّدوا من النيران قال: يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه! ثمّ ردّ إلى مرقده. وأجلس المعتصم رجلا يلقّنه الشهادة لمّا ثقل، فرفع الرجل بها صوته ليقولها المأمون، فقال ابن ماسويه: «لا تصح، فو الله ما يفرّق في هذه الحالة بين ربّه وبين ماني! » ففتح عينيه وبهما من العظم والتورّم والحمرة ما لم ير مثله قطّ، وأقبل يحاول أن يبطش بابن ماسويه، ورام مخاطبته فعجز عن ذلك، فرمى بطرفه نحو السماء وقد امتلأت عيناه دموعا، وانطلق لسانه من ساعته وقال: «يا من لا يموت، ارحم من يموت! » وقضى من ساعته، وذلك يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من شهر رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، فحمل إلى طرسوس فدفن بها. وكانت خلافته عشرين سنة وستّة أشهر تنقص سبعة أيّام، سوى سنتين كان يدعى له فيهما بمكّة، والأمين محصور ببغداد. وعمره ثمان وأربعون سنة وخمسة أشهر وأيّام، وقيل: ويومان. وقيل: كان عمره تسعا وأربعين سنة. والصحيح أنّه عاش من العمر ثماني وأربعين سنة وأربعة أشهر وخمسة أيّام، وما سوى هذا غلط في الحساب. وكان ابتداء مرضه لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة.