page 1542, entry [2179]Open original source
[بعض الخارجين على المنصور] وكان أبو مسلم قد استخلف على خراسان حين سار للحجّ أبا داود خالد بن إبراهيم الذهليّ. فلمّا مات أبو العبّاس السفّاح بايع أبو داود لأبي جعفر المنصور بغير أمر أبي مسلم، ولم يكتب إليه بالبيعة إلّا بعد حين خوفا منه. فلمّا قتل أبو مسلم وأتاه البريد بقتله أنكر قتله وذكر المنصور ذكرا قبيحا ونسبه إلى الغدر. وكتب المنصور إليه يأمره بغزو ما وراء النهر. ثم كتب إليه في القدوم عليه، ووجّه بكتابه إليه رسولا مفردا فقال: «ما يقدمني عليه إلّا لمسألتي عن أمور أبي مسلم وأمواله، ثمّ قتلي بعد ذلك». ثم قام يفرقع أصابعه ويرقص ويقول: «يا أبا جعفر، غرّ غيري! » والرسول يراه. فرجع إلى المنصور فأخبره بما عاين، ولم يجب [أبو داود] المنصور على كتابه. فكتب المنصور إلى أبي عصام عبد الرحمن بن سليم، مولى عبد الله بن عامر بن كريز: إن قتلت أبا داود، فأنت أمير خراسان! فخرج أبو عصام إلى كشماهن [٩٩ ب] وقد دسّ إلى أهلها من هيّجهم ليخرج أبو داود فيفتك به. وسمع أبو داود الضجّة فصعد لينظر فمشى على جناح داره. وكان ضعيف البصر فسقط على وتد، فقالت امرأته: من ذا؟ فقال: أنا أبو داود قد نزل بي ما يريد أبو جعفر. واحتمل فمات ودفن، وذلك في سنة تسع وثلاثين ومائة. وكتب أبو عصام بموته إلى المنصور. واجتمع الناس إلى أبي عصام فبايعوا للمنصور وأخذ البيعة له عليهم. ولم يلبث إلّا قليلا- قيل: أربعين يوما- حتى ورد عبد الجبّار ابن عبد الرحمن الأزديّ على أربع من دوابّ البريد. وكان على شرط السفّاح ثم على شرط المنصور وقال له: قد ولّيتك خراسان، فأطع الله في معصيتى، ولا تطعني في معصية الله، ولن للمحسن وكن خشنا للمسيء! فسار إليها. وولّى المنصور الشرط بعده عمر ابن عبد الرحمن أخاه ثم عزله وولّى موسى بن كعب التميميّ حتّى مات. ثم ولّى بعده المسيّب بن زهير الضبّي. فكان المسيّب يسعى في فساد حال عبد الجبّار عند المنصور ويوحشه منه ويغريه به. وكتب إلى عبد الجبّار أنّ المنصور قال ذات يوم: «من ولي خراسان فأصلح أمر ثغورها وأحسن السيرة في أهلها ورزق جنودها وكان في بيت ماله بعد ذلك عشرة آلاف ألف فهو الكامل». فكتب عبد الجبّار إلى المنصور يعلمه أنّ عنده بعد سدّ الثغور وإعطاء المقاتلة عشرة آلاف ألف درهم. فكتب إليه المنصور في حملها. ولم تكن عنده وإنّما كذبه. وألحّ عليه [١٠٠ أ] فيها. فكتب يسأل الإذن له في إشخاص عياله إليه، فلم يأذن له المنصور في ذلك. وكان يبلغه فساد قلبه عليه بما يكيده به المسيّب عنده ويقول له فيه. فخلع وقال: «إنّ أبا جعفر دعاني إلى عبادته». وأسرف في القول بعد ما سار سيرة حسنة، ونظر في أمر الخراج وقوّى الدعوة. فلمّا خلع في سنة إحدى وأربعين ومائة ودسّ إلى قوم من عمّال أبي داود وغيرهم، ممّن كان مخالصا للعبّاسيّين فقتلهم. وصار إليه علج ينظر في النجوم فقال له: إنّك ستغلب على خراسان وغيرها وتنال ملكا عظيما. فكتب رجل من عيون المنصور إليه: «إنّه قد نغل (١*) الأديم. فقال لأبي أيّوب المورياني كاتبه ووزيره: ما تراه يقول؟ قال: بخير أنّ عبد الجبّار على الخلع. فقال: ما ترى؟ قال: تكتب إليه أنّك تريد الغزو برجال خراسان ووجوه أهلها، وتأمره بتوجيههم إليك. ففعل. فكتب إليه عبد الجبّار: إنّ الترك قد جاشت، وخراسان محتاجة إلى رجالها. فكتب إليه المنصور: إنّي بخراسان أعنى منّي بغيرها. فإن أحببت أن يوجّه أمير المؤمنين إليك رجالا ممّن قبله فعل- وإنّما أراد أن يوجّه إليه من الجند من يلطف لأخذه. فكتب: إنّ خراسان مجدبة، فليتها تقوم بمن فيها من الرجال وتحملهم! وأظهر الخلع، وحضّ على طاعة آل أبي طالب. ووجّه إلى إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن، وهو مستخف، يسأله أن يشخص إليه. فلم يفعل. فنصب رجلا قال إنّه إبراهيم بن عبد الله اسمه يزيد، ولبس البياض وأقام يزيد خطيبا في يوم جمعة فدعا على المنصور. ثمّ خطب ثانيا وذكر من قتل المنصور من آل علي فبكى وأبكى الناس [١٠٠ ب] فولّى المنصور ابنه محمد المهديّ خراسان، ووجّه معه خازم بن خزيمة. فنزل الريّ ووجّه خازما إلى خراسان. وخرج على عبد الجبّار الحسن بن حمران مولى مطر بن وسّاج أخي بكير بن وسّاج، ودعا للمنصور وحضّ على التمسّك بطاعته والوفاء ببيعته. ثم إنّه غيّر وبدّل فبعث إليه خازم من حاربه فقتله وأتاه برأسه. وخرج على عبد الجبّار أيضا أبو جابر أشعث بن الأشعث الطائيّ وقتل عامل بخارى وأخذ الأموال. وخرج أيضا حرب بن زياد الطالقاني، من العجم، على عبد الجبّار وحاربه وقتل يزيد المدّعي أنّه إبراهيم. وانهزم عبد الجبّار حتّى بقي في خمسة نفر، فقبض عليه الجنيد بن خالد بن هريم وحمله عريانا إلى خازم وهو بسرخس، فبعث به خازم مع نضلة بن نعيم بن خازم إلى المهديّ وهو بنيسابور فوجّه به إلى المنصور. فلمّا أوقف بين يديه قال: استبقني يا أمير المؤمنين، ولا تذهبنّ زلّتي بحسن بلائي وحرمتي وما كان منّي في هذه الدعوة. فقال: «يا ابن اللخناء، قتلت نظراء قحطبة وطبخت أولياءنا طبخا! » وكانت له قدر عظيمة وكان أبو مسلم أصابها، فكان يغلي فيها الدهن ثمّ يقيم الرجل من العبّاسيّة فيه حتى ينفسخ. ثم أمر به المنصور أن تقطع يده ورجله، فقال: يا أمير المؤمنين، قتلة كريمة! فقال: يا ابن اللخناء، تركتها بخراسان! فقتل وصلب بالكوفة، ونفيت عياله إلى [١٠١ أ] دهلك فسبتهم الحبشة وباعتهم، فاشتراهم عبد الصمد بن علي أمير المدينة، وبعث بهم إلى العراق. وقبض المنصور على عبد العزيز أخي عبد الجبّار وقتله، وكان على البصرة، وولّى عوضه سوّار بن عبد الله بن قدامة العنبريّ. ثمّ ولّاها هزارمرد، وهو عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة، وجعل سوّارا على الصلاة والقضاء. وقدم حرب بن زياد على المنصور في وجوه أهل خراسان، فردّه إليها واليا عليها فهمّ بالخلع وأطلق لسانه بقول سيّئ. فكتب المنصور إلى وجوه أهل خراسان في أمره، فقتل ببلخ. وأحرم المنصور في سنة أربعين ومائة من الحيرة وحجّ بالناس. ثمّ أتى المدينة ومضى إلى بيت المقدس زائرا. ثمّ انصرف منه في سنة إحدى وأربعين إلى الرقّة فقتل منصور بن جعونة العامريّ، ومضى إلى الكوفة. وتوجّه في سنة اثنتين وأربعين إلى البصرة، فولّى عمر بن حفص السند.