page 1502, entry [2159]Open original source
[ظهور أبي العبّاس السفّاح وبيعته] هذا وأبو العبّاس السفّاح وأهل بيته بالكوفة قد أخفاهم أبو سلمة الخلّال في دار في بني أود (١*) مذ قدموا في صفر سنة اثنتين وثلاثين. فكان إذا بعث إليه أبو العبّاس يسأله عن خبرهم عنده قال: «لم يئن لظهوركم». فمكثوا بعد ظهور أبي سلمة كذلك أربعين يوما، وهو يريد أن يصرفها عنهم إلى ولد فاطمة ﵍. وكان أهل خراسان يسألونه عن الإمام فيقول: نحن نتوقّعه ولم يئن لظهوره (٢*). ثم أرسل أبو العبّاس إلى أبي سلمة: إنّي على إتيانك الليلة، فقد عرفت أنّي صاحب هذا الأمر. فقال لسلم مولى قحطبة ولأسد بن المرزبان: إنّ رجلا يأتيني الليلة. فإن قمت وتركته فاقتلوه، فإنّه يحاول فساد ما نحن فيه. فلمّا صار أبو العبّاس إليه ناظره. فغضب أبو سلمة وأراد القيام فتعلّق أبو العبّاس بثوبه وضاحكه، ثم خرج فركب ولم يعرض له. فلمّا لقي أبو العبّاس أهل بيته حدّثهم حديثه وقال: والله ما أفلتّ منه حتّى ساعدته على ما يريد، وإنّه لعلى صرف الأمر عنّا. فقال داود بن عليّ: الرأي أن نرجع إلى المدينة. وقال عبد الله بن عليّ: اخرج فأعلم الناس أنّك ههنا. وخرج صالح بن الهيثم رضيع أبي العبّاس ومعه مولى لهم أسود يقال له سابق (١)، فلقيهما أبو حميد السمرقندي (٢) فعرفهما لأنّه كان يأتي الإمام، فقال لصالح: ألست رضيع ابن الحارثيّة؟ وقال لسابق: ألست مولى الإمام؟ فقالا: بلى. فقال: فما تصنعان ههنا؟ قالا: أبو العبّاس ابن الحارثيّة ورجال من أهل بيته بالكوفة منذ كذا وكذا. فأتى أبو حميد أبا الجهم بن عطيّة بهما، فصار معهما إلى بني أود في جماعة، ثم دخل دار الوليد (٣) فقال: أيّكم أبو العبّاس عبد الله ابن الحارثيّة؟ فقالوا: هو هذا. فسلّم عليه أبو الجهم بالخلافة، ثم بكى. فقالوا له: تركنا أبو سلمة هنا، وأنتم حضور فلم يعلمكم خبرنا. وبعث أبو الجهم إلى وجوه الناس، فأتاه عبد الحميد بن ربعيّ، وإبراهيم بن سلمة، وشبيب بن واج في جماعة، فسلّموا على أبي العبّاس بالخلافة وبايعوه. فبلغ الخبر أبا سلمة فسقط في يده. ثم أتى أبا العبّاس فسلّم عليه بالخلافة، فقال له أبو حميد: على رغم أنفك يا ابن الخلّال. فقال أبو العبّاس: منه! وجعل أبو سلمة يقول: إنّما أردت إظهار أمير المؤمنين [٧٣ أ] بعد أن أحكم له الأمور. ومنع أبو الجهم وأصحابه أبا سلمة من الدخول على أبي العبّاس إلّا وحده. وأتى أبو العبّاس ببرذون أبلق، وأتى أهل بيته بدوابّ، فركب وركبوا، وداود بن عليّ يسايره، وهو عن يساره. فجعل الناس يقولون لداود: «هذا أمير المؤمنين» وهم لا يعرفونه. فقصّر دون أبي العبّاس حتى عرف أنّه الخليفة. وكان أبو الجهم وعبد الله بن بسّام يمشيان بين يديه، وأبو سلمة يسير خلفه على فرس، والوجوم يتبيّن فيه. وصار أبو العبّاس إلى المسجد فصعد المنبر وصعده داود بن علي فصار دونه بمرقاة، فخطب أبو العبّاس فقال: الحمد لله الذي اصطفى الإسلام دينا لنفسه فكرّمه وشرّفه وعظّمه، فاختاره لنا وأيّده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوّام به والذابّين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى، وجعلنا أحقّ بها وأهلها. خصّنا برحم رسول الله ﷺ وقرابته، ونسلنا من آبائه، وأنشأنا من شجرته، واشتقّنا من نبعته، وجعلنا من أنفسه فوضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وذكرنا في كتابه المنزّل فقال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: ٣٣]. ثم جعلنا ورثته وعصبته فزعمت السبائيّة (١) الضّلّال والمروانيّة الجهّال أنّ غيرنا أحقّ بالأمر منّا، فشاهت وجوههم بقولهم (٢). وبنا هدي الناس بعد ضلالتهم وبصّروا بعد جهالتهم وأنقذوا بعد هلكتهم، فظهر الحقّ وأدحض الباطل ورفعت المحنة (٣) وتمّمت النقيصة وجمعت الفرقة، وذلك بالنبيّ محمد ﷺ. فلمّا قبض الله نبيّه قام بالأمر بعده أصحابه فحووا مواريث الأمم فعدلوا فيها ووضعوها مواضعها وأعطوها أهلها وخرجوا من الدنيا خماصا. ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فابتزّوها أهلها فجاروا فيها وأساءوا وظلموا فأملى الله لهم حين آسفوه فانتقم منهم بأيدينا وردّ علينا حقّنا وتدارك أمّتنا وولي نصرنا والقيام بأمرنا كما قال: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ (٤) عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [القصص: ٥]. وإنّي لأرجو أن يتمّ لنا ما افتتح بنا، وسيأتيكم العدل والخير بعد الجور والشرّ، وما توفيقنا إلا بالله. يا أهل الكوفة، [٧٣ ب] إنّكم محلّ دعاتنا وأوليائنا. وأهل محبّتنا، فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا. وقد زدتكم في أعطياتكم مائة مائة، فاستعدّوا فإنّي السفّاح المنيح (٥) والثائر المبير! وكان موعوكا فجلس على المنبر وأشار لداود بن عليّ بالكلام فقام دونه فقال: شكرا شكرا! شكرا شكرا! إنّا والله ما خرجنا فيكم لنحفر نهرا ولا نبني قصرا ولا نسير سير الجبّارين الذين ساموكم السخف ومنعوكم النصف. أظنّ عدوّ الله أن لن نقدر عليه؟ أرخي له في زمامه حتّى عثر في فضل خطامه. ألا وإنّ العرب أطبقت على إنكار حقّنا ومعاونة الظالمين من بني أميّة علينا، حتى أتاح الله لنا بهذا الجند من أهل خراسان فأجابوادعوتنا وتجرّدوا لنصرتنا. (ثم قال) الآن عاد الأمر إلى نصابه! الآن طلعت الشمس من مطلعها! الآن أخذ القوس باريها وعاد السهم إلى منزعه (١) ورجع الأمر إلى مستقرّة في أهل بيت نبيّكم وورثته، أهل الرأفة والرحمة. والله لقد كنّا نتوجّع لكم ونحن على فرشنا. أمن الأبيض والأسود بأمان الله وذمّته وذمّة رسوله وذمة العبّاس بن عبد المطّلب عمّ رسول الله ﷺ أنّه والله ما بينكم وبين رسول الله ﷺ خليفة هاشميّ إلّا [ ... ] علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين، وما بايعتم قطّ بيعة هي أهدى من بيعتكم هذه. ونزلا. وأجلس أبو العبّاس موسى بن كعب (٢) لأخذ البيعة له على الناس، وذلك كلّه يوم الخميس. قال هشام ابن الكلبيّ: ولد أبو العبّاس في أوّل أيّام يزيد بن عبد الملك، وظهر بالكوفة عشيّة يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وبعضهم يقول: ظهر يوم الأربعاء بالعشيّ. وبويع باقي يومه ويوم الخميس، وبات ليلة الجمعة بالكوفة ثمّ صلّى بالناس يوم الجمعة وندب أهل بيته لقتال مروان بن محمد، فلم ينتدب له إلّا عبد الله بن عليّ، فوجّهه لحربه، وكان من أمره ما ذكر في ترجمته (٣). وكان الذين اختفوا بالكوفة مع أبي العبّاس أخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد، وعمّه داود بن عليّ وابنه موسى بن داود، وعيسى وإسماعيل وعبد الصمد وعبد الله وسليمان وصالح أولاد عليّ، والعبّاس بن محمد، ويحيى بن محمد، وعبد الوهّاب بن إبراهيم الإمام، وعيسى بن موسى، ويحيى بن جعفر بن تمّام بن العبّاس، ومحمد بن جعفر بن [٧٦ أ] عبد الله، وبعض ولد معبد بن العبّاس. وخطب بعد قيامه بأيّام بين الكوفة والحيرة فقال: والله لأعملنّ باللين حتى لا تنفع إلّا الشدّة، ولأكرمنّ الخاصّة ما أمنتهم على العامّة، ولأغمدنّ سيفي حتّى يسلّه الحقّ، ولأعطيّن حتى لا أرى للعطيّة موضعا. إنّ أهل بيت اللعنة كانوا عليكم عذابا ساموكم الخسف ومنعوكم النصف، وأخذوا الجار منكم بالجار، وسلّطوا شراركم على خياركم. وقد محا الله جورهم وأزهق باطلهم، وأصلح بأهل بيت نبيّه ما أفسدوا منكم. ونحن متعهّدوكم بالأعطية والصدقة والمعروف غير مجمّرين لكم (١*) بعثا ولا راكبين بكم خطرا.