page 1283, entry [1838]Open original source
١٢٦٠ - حسين الحلاوي] [٥٤٣ ب] حسين بن علي بن أحمد، أبو عبد الله، الموصليّ، الحلاوي. بعثه الملك عضد الدولة تاج الملّة شاهنشاه أبو شجاع فنّاخسرو، ابن ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه إلى مصر، وذلك أنّ أحد جواسيسه العائدين من مصر ذكر له أنّه تقدّم إلى شيخ حلاويّ في زقاق القناديل بمصر، ودفع إليه درهما تاجيّا (١) ليبتاع به شيئا ممّا بين يديه، فردّه إليه وتنازعا فيه، فشتمه وشتم الآمر بضرب الدرهم، وأنّه سأل عن اسم الحلاويّ حتّى عرفه. فبينا أبو عبد الله الحسين هذا في منزله إذ طرق بابه نقيب، ومعه نفّاط، فجزع وخرج إليه فقال له النقيب: الشيخ الجليل ابن محمان يستدعيك. (قال) فمضيت إليه فوجدت عنده فرّاشا من دار عضد الدولة، فقال لي: «إنّ مولانا سأل عن صانع حاذق يعمل تماثيل الحلواء، فوصفت له ورسم إنفاذك [٤٠٩ ب] إليه». فقلت: السمع والطاعة! وأخذ الفرّاش يدي وأدخلني على عضد الدولة. فلمّا رأيته قبّلت الأرض مرارا، فقال: لعلّك ارتعت وانزعجت، فلا بأس عليك، وما دعوناك إلّا لخير، وقد احتجنا إلى استخدامك في أمر تنفذ فيه إلى الموصل، وتقدّمنا بإطلاق نفقة لك تجعلها لعيالك. فخذها من أبي الثناء شكر. فانصرف وانظر في أمرك، وادفع النفقة لأهلك، ولا تعرض أنت لأخذ شيء منها، فإنّك في طريقك في غير حاجة إليها. (قال) فخرجت وخرج شكر فأعطاني عشرين دينارا، وانصرفت وذكرت لأهلي ما رسم لي ودفعت إليهم الدنانير، ووصّيتهم بما أريد. ثمّ استدعيت إلى حضرة عضد الدولة. فقال: تخرج مع من نسلّمك إليه وتسير معه إلى مصر. فإذا حصلت بها فاقصد باب الجامع واسأل عن منير الخادم الأبيض الذي يبيع الفراخ المسمّنة. فإذا رأيته فقل: «صديقك يقرئك السلام». فسيقوم من موضعه ويمشي، فاتّبعه فإذا دخل إلى منزله فادخل. ولا تسأل فإنّه سيكرمك. وإذا دخلت فانزع ثياب سفرك التي عليك والبس الثياب التي يسلّمها إليك وخذ منه ما تريد لنفقتك ومؤونتك، واقصد بعد ذلك زقاق القناديل، فإنّك سترى فيه شيخا حلاويّا اسمه كذا، ويعرف بكذا. فاجلس عنده، واذكر له صناعتك ومعرفتك بأمر الحلواء وعمل الجيّد منه وتوصّل إلى أن تعمل عنده، وخفّف مؤونتك عليه، ولا تطالبه بشيء. وإن دعاك إلى [٥٤٤ أ] منزله فامض معه. فإذا عملت معه وعرفك الناس واشتهر عنك جودة الصنعة فاستأجر بإزاء دكّانه وابتع ما تريده من آلة ومتاع، واستدع من منير الخادم ثمن ذلك. فقد تقدّمنا إليه بإزاحة علّتك. فإنّ زبون الحلاويّ سيعدل إليك ويقف أمره ويسألك الشركة، فأجبه إليها وأقم معه شهرا. ثمّ أظهر شوقك إلى بغداد وعيالك، وعظّم الكسب في عينه، وابعثه على الخروجإليها ومشاهدتها، وعده المواعيد الكثيرة فيما يتحصّل له منها وأنّك تنزله ببغداد في دارك وتجعله في دكّانك، وأنّك قد ألفته، فإن طابت بغداد له أحسنت إليه، وإن آثر العود إلى [مصر] زوّدته من طرف العراق ما يعود به إلى أهله. واجتهد في حمله معك إلى حضرتنا واخدم في ذلك خدمة تعرف جلادتك بها، وتحظى بحسن العاقبة فيها وتناول من منير ما تحتاجه لنفسك وله، واحترس من حيلة تتمّ عليك، واكتمه ما تقدّمنا به إليك. (قال) فلمّا سمعت ذلك قلت: السمع والطاعة، وأرجو أن يوفّقني الله لما أهّلت له. وأخذ شكر بيدي، وعدل بي إلى موضع فنزعت ثيابي ودفع إليّ مبطّنة ومنديلا وشمشكا (١) وقال لي: امض مصاحبا، ودفع إليّ عشرين دينارا وقال: «هذه نفقة طريقك». ثمّ استدعى أعرابيّا اسمه حسّان وسلّمني إليه وقال: هذا الرجل، فاحفظه وأوصله إلى حيث أمرت. فخرجنا إلى رحبة الجامع، فإذا هناك أربعة أحمال ورجلان من العرب، فركبنا وسرنا. فوصلنا إلى مصر في سبع وعشرين ليلة. فقال لي صاحبي الأعرابيّ: «امض في حفظ الله! » ولا والله ما سألوني من أنا، ولا في أيّ شيء توجّهت. وقصدت باب الجامع، فإذا الخادم الأبيض، وبين يديه قمطرات فيها فراخ مسمّنة. فقلت له: «صديقك يقرئك السلام». فنهض ومشيت خلفه، فدخل حجرة بالقرب من الجامع ودخلت معه فنزعت ما كان عليّ ولبست من عنده ثيابا نظافا. ودفع إليّ دينارا وقال: «امض إلى الحمّام! » فدخلت الحمّام وخرجت، وأكلت شيئا، وقصدت زقاق القناديل، ورأيت الشيخ وعرفته. وجرى أمري وأمره كما أمر عضد الدولة. ولم أزل ألطف به إلى أن أجاب، ودفعت إليه خمسة دنانير لنفقة عياله، وعزمنا على الخروج فعدت [٥٤٤ ب] إلى الخادم وودّعته. ولبست ثيابي التي وردت بها ورددت ما كنت لبست من عنده وأعطاني عشرين دينارا لنفقتنا وقال: الخبيث خارج معك؟ قلت: وما يدريك؟ قال: خبره عندي. وتوجّهت [٤١٠ أ] أنا والشيخ حتى وردنا الموصل بعد أربعة وخمسين يوما، وأهلي وأقاربي بها. فاستأجرنا ركوة (٢)، ومضى الملّاح إلى صاحب الخبر ليأخذ الكتب، وأعلمه أنّ معه الحسين الحلاويّ وشيخا آخر، وردا من مصر. (قال) فاستدعاني صاحب الخبر فسألني عن أمري فعرّفته أنّني كنت بمصر في أمور لي. وانحدرنا ووصلنا إلى بغداد في سحرة اليوم الرابع. فما شعرت إلّا ونقيب من الدار يستدعيني ومن معي، فعجبت من ذلك، وكان صاحب الخبر قد كتب بخبرنا فبادرت، ومعي الشيخ، وعبرنا إلى الدار، وجلسنا إلى أن خلا وجه عضد الدولة. وأدخلت، والشيخ معي، وقد طار لبّه وعظم رعبه، وأنا أسكّن منه، وعدل بي إلى موضع فيه شكر. فنزعت ما كان عليّ من الثياب، وأنا أراها وقد أخذت، وحملت إلى حضرة الملك، وأعطيت ثيابي التي نزعتها عند خروجي، ومثلت بين يدي الملك عضد الدولة، والشيخ معي. فقال: كيف جرى الأمر؟ فقلت: على ما مثّله مولانا. ودعوت له. فقال للشيخ: أنت فلان بن فلان الحلاويّ؟ قال: نعم. قال: لا تخف، وإن كنت قد أسأت إلى نفسك وجشّمتها السفر عن منزلك بالفضول من قولك وفعلك. فبكى الشيخ بكاء شديدا. وتركه قليلا ثمّ قال له: يا هذا، هبك رددت الدرهم الذي ضربناه، ولم تحبّ أخذه من الرجل الغريب الذي وقف بك. فما بالك شتمته وشتمت الذي أمر بضربه؟ ولولا أنّ في تأديبك والتنكيل بك، وأنت شيخ كبير، ولعلّ وراءك من يتوقّعك ومادّته منك، بعض الإثم واللوم، لأمرنا بتقويمك. لكنّنا نهب جنايتك لمن خلّفته من عيالك، وقد تقدّمنا بإطلاق نفقة لك تزوّدك إلى بلدك، فلا تعاود مثل ما كان منك، وتحدّث في بلدك بصفحنا عن جرمك ومننّا عليك بنفسك. فبكى الشيخ حتى كاد يموت، وخرجنا، وأعطاني شكر عشرين دينارا وقال: «اصرفها في نفقتك». وأعطى الشيخ عشرة دنانير. وعاد إلى مصر يحدّث بحديثه وشاع ذاك هناك. فكان الغريب إذا جلس إلى بعض أهل مصر صاحوا: [٥٤٥ أ] حاذوري! فيمسك الناس عن ذكر عضد الدولة. قال الحسين الحلاويّ: وكانت في المبطّنة التي ألبستها ملطّفات وما علمت بها إلّا بعد عودي.