page 1179, entry [1698]Open original source
١٢١٥ - الحسام الغوري قاضي الحنفيّة [- ٧٧١] (١) [٤٧٠ أ] حسن بن محمد بن محمد، الغوريّ، قاضي القضاة، حسام الدين، البغداديّ، الحنفيّ، محتسب بغداد. قدم صحبة نجم الدين محمود بن عليّ بن شروين وزير بغداد في سابع عشر صفر سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. ثمّ خلع عليه، واستقرّ قاضي القضاة الحنفيّة بالقاهرة ومصر، عوضا عن برهان الدين إبراهيم بن عليّ بن عبد الحقّ، في ثامن عشر جمادى الآخرة منها. فسار في القضاء سيرة غير معهودة، من تسلّطه بلسانه على الناس، وتكلّمه بما لا يحمل، وفعله في قضائه بما يسخر منه. فلمّا مات السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وأقيم ابنه الملك المنصور أبو بكر في السلطنة، كتب الغوري ورقة إلى الموفّق هبة الله بن إبراهيم ناظر الدولة- وقد تأخّر صرف معلومه- يذكر فيها مساويء القبط بما فيه فحش وبشاعة، فبلّغوا ذلك للسلطان. فلم يكتف بما كتبه حتّى ذكر للسلطان في دار العدل بحضرة رفاقه القضاة والأمراء، عن الكتّاب قبائح لم يكفّ (٢) فيها عن سبّ. فغضب [٣٧٥ ب] السلطان على مشافهته بذلك وطلب خروج القضاة [من] الوزير نجم الدين محمود وزير بغداد، وأنكر على الغوريّ ما صدر منه وأنّه لولا أنّه رفيقك لضربته بالمقارع. فطلبه الوزير وبالغ في تعنيفه وتوبيخه، وعرّفه تغيّر السلطان عليه. ثمّ لمّا أقيم الناصر أحمد في السلطنة حضر القضاة بجامع القلعة ليبايع له الخليفة على العادة. فجمع بعض زفوريّة (٣) المطبخ السلطانيّ جمعا من رفاقه وهجم الجامع بهم، فأقاموا الغوريّ من بين القضاة ومزّقوا ثيابه وخرقوا عمامته في عنقه وصاحوا بسبّه (٤) وتناولوه بالنعال يضربو [ن] هـ وهو يستغيث: يا مسلمين، يجري على قاض من قضاة المسلمين مثل هذا؟ ! فأدركه بعض الأمراء في عدّة من المماليك وقبضوا على طائفة من العامّة فضربوا. وحمل الغوريّ إلى بيته بالصالحيّة، فما هو إلّا أن استقرّ به [حتّى] ثارت العامّة واقتحموا عليه البيت ونهبوا جميع ما فيه، وكان يوما شنيعا. وشرع القضاة في كتابة محاضر بما كان يفعله ليثبتوا فسقه وكانت أنفسهم قد امتلأت عليه حنقا، لقبح أفعاله التي لا تليق بالحكّام، وجرأته عليهم. فإنّه كان إذا جلس بدار العدل يأخذ المجلس بحديثه مع السلطان بالتركيّ، وينكّت على القضاة ويضع منهم. وإذا تخاصم إليه رجل وامرأته، قامفي نصرة المرأة. وتصدر منه مع ذلك [٤٧٠ ب] قبائح، منها أنّ امرأة دخل بها أبوها إليه فادّعت على زوجها بمبلغ صداقها وكسوتها، فإذا منجّم (١) صداقها في كلّ سنة دينار. فأمرها بكشف وجهها فكشفت عن صورة جميلة، فقال لأبيها: يا مدمّغ (٢)، مثل هذه تزوّجها بدينار كلّ سنة؟ والله يا مدمّغ يسوي مبيتها كلّ ليلة مائة درهم! - ثمّ قال لزوجها: يا نحس، تستغلي أن تكون هذي بهذا القدر؟ والله أنت أدمغ من أبيها! وكان يكثر من السخف، بحيث إنّه قال للأمير قوصون بحضرة الأمراء إنّه، وهو محتسب ببغداد، وقف على دكّان حلوانيّ قد عمل من دبس القسب سياطة بيضاء وأخبره أنّه قصّرها بالبيض (٣)، فقال له: ويلك! مجنون أنت! أنا عندي جارية سوداء لي عشر سنين أقصّرها بالبيض ما ابيضّت! وادّعت عنده امرأة على زوجها بحقّ وجب فيه حبسه، فأمر بحبسه. فقال الرجل: وتكون امرأتي في سجن البغداديّة حتى أحصّل ما لها عليّ؟ فقال القاضي: أنت مجنون! أنا أحقّ من البغداديّة! - وأشار لنقيبه فأطلعها إلى طبقة في دار القاضي، فأقامت عنده أشهرا. وكانت المحاكمة عنده بين الخصمين تقيم مدّة لكثرة عيّه وتلبيكه (٤) الأمور. ودعي مرّة إلى عقد نكاح بعض أولاد الأمراء، فدخل هو والقضاة الثلاث [ة]، وقد بسط البيت بالحرير المزركش. فتجنّب القضاة الجلوس على ذلك، إلّا هو، فإنّه جلس عليه وقال: يا جماعة الجند! انظروا فعل هؤلاء: يتركو [ن] الجلوس على هذا الحرير! وأقسم بالله العظيم لو قدروا عليه لباعوه وأكلوا ثمنه! فضحك الحاضرون، واشتدّ ذلك على القضاة. وكان يعاقب في مجلس حكمه بالضرب، وله أخبار قبيحة جدّا. فلمّا تهيّأت المحاضر عليه قصدوا إراقة دمه، فقام الأمير طشتمر حمّص أخضر نائب السلطنة في حقّه، حتى حكم الشيخ تقيّ الدين السبكي بسفره من أرض مصر، فأخرج في [ ... ] سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة. واستقرّ عوضه في قضاء القضاة الحنفيّة زين الدين عمر بن عبد الرحمن البسطاميّ.