page 1169, entry [1687]Open original source
١٢٠٤ - الحسن بن عمّار الكلبيّ [- ٣٩٠] الحسن بن عمّار بن علي بن أبي الحسين- واسمه محمد بن الفضل بن يعقوب (٣) - أمين الدولة أبو محمد الكلبيّ، أحد شيوخ كتامة (١). كان أبوه في خدمة الإمام القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن عبيد الله المهديّ، فبعثه على رجال كتامة إلى تونس في فتنة أبي يزيد مخلد بن كيداد النكّاريّ، وقد سبقه إليها مسنويه بن بكر الهواريّ من قبل [أبي] يزيد، ودخلها في عاشر صفر سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، فقتل وسبى وهدم الدور. ولقي عمّارا (٢) فقاتله وهزمه عمّار وتبعه إلى تونس وقتل كثيرا من أصحابه [٣٧٢ ب] وأخذ ثلاثة آلاف جمل تحمل طعاما وغيره، وعاد إلى القائم بالمهديّة، فأمره أن يقيم بسوسة. ثمّ مات القائم، وكان مع ابنه المنصور بالله أبي الطاهر إسماعيل حتّى مات، وقام من بعده ولده المعزّ أبو تميم معدّ. فسار من قبل أخيه الحسن بن عليّ (٣) متولّي صقلّيّة على أسطول إلى بلاد الروم وعاد، فخرجت عليه ريح شديدة بالقرب من صقلّيّة، فعطب الأسطول بأسره وغرق القائد عمّار في يوم الجمعة لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وثلاثمائة ودفن من الغد بصقلّيّة. ثم إنّ الحسن بن عليّ افتتح في سنة اثنتين وخمسين قلاعا بجزيرة صقلّيّة ونزل على قلعة رمطة، فحاربها فطال عليه أمرها، فرجع إلى جزيرة صقلّيّة وترك [على] رمطة (٤) ابن أخيه أبا محمد الحسن بن عمّار صاحب الترجمة، فأقام عليها وطال مقامه. واستغاث الروم بصاحب القسطنطينيّة، فوجّه إليهم عسكرا في البرّ وعسكرا في البحر، والتقى ابن عمّار مع مقدّمة الروم في نصف شوّال منها بشرذمة يسيرة فرزقه الله الظفر وقتل قائد الروم صاحب عسكر البرّ وأسر صاحب عسكر البحر، وانهزمت عساكرهم فتبعهم المسلمون، فجزّوا منهم عشرة آلاف رأس، وغرق منهم في البحر خلق كثير. وكان في طريقهم خرق عميق في الأرض فحال بينهم وبين رؤيته الغبار، فتواقعوا فيه وقت الهزيمة وسقط الخيل والرجال وصار بعضهم على بعض فهلك فيه من الروم خلق لا يحصيهم إلّا الله فماتوا كلّهم، وأسر منهم بعد هذا كلّه ألفا أسير فيهم مائة بطريق. وأخذ من أموالهم وسلاحهم وكراعهم ما يقصر عنه الوصف (١). ونزل من قلعة رمطة نحو ألف علج خوفا وجزعا. وأقام الحسن بن عمّار محاصرا لها، ووجّه بالقائد والبطارقة والرءوس وكتاب الفتح إلى مدينة صقليّة، فخرج إليهم الحسن بن عليّ بالعدّة والعساكر فتلقّاهم فرأى ما سرّه وفرح بذلك فرحا شديدا، ثمّ انصرف فاعتلّ من إفراط الفرح بحمّى حادّة ومات بعد ذلك بسبعة أيّام لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة من هذه السنة [سنة ٣٥٢] (٢). وفتح الله قلعة رمطة على يد الحسن بن عمّار لثلاث بقين منه، فقتل جميع من كان بها من الرجال وسبى النساء، واستولى على جميع ما فيها من نعمة ومتاع وغير ذلك. ثمّ قدم من صقليّة على المعزّ في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة بالمهديّة، فخرج معه لحرب أبي خزر يعلى الزناتيّ الثائر (٣). ثمّ عاد، فبعثه في يوم الثلاثاء لتسع خلون من شوّال سنة تسع وخمسين [وثلاثمائة] على الأسطول إلى مصر، فانتهى إلى طرابلس، وأقلع منها يوم الخميس لثمان بقين من شوّال سنة ستّين وثلاثمائة. ثمّ قدم إلى القاهرة يوم الاثنين رابع ربيع الأوّل سنة إحدى وستّين، ثمّ لمّا قدم الأسطول في ذي القعدة من المغرب خرج عليه ابن عمّار في ذي الحجّة وسار إلى تنيس ولقي أسطول القرامطة، فأخذ منه سبع قطع وأسر خمسمائة رجل. ثمّ سار في رجب سنة اثنتين وستّين إلى الحوف (٤) على عشرة آلاف، فواقع القرامطة. وما زال بالقاهرة بقيّة أيّام المعزّ وأيّام العزيز. ولمّا احتضر العزيز بالله بمدينة بلبيس استدعى القاضي محمّد بن النعمان والحسن بن عمّار هذا وأوصاهما بولده أبي عليّ المنصور ومات. فأقيم في الخلافة بعده أبو عليّ ولقّب بالحاكم وسار إلى القاهرة وسنه إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر. فأنفق في المغاربة وكتامة وشرطوا أن لا ينظر في أمورهم إلّا ابن عمّار. وذلك أنّه أعطى لكلّ واحد من شيوخ كتامة لمّا أنفق فيهم من خمسة آلاف دينار إلى ما دونها، وأعطى شبابهم على أقدارهم. وكان العزيز قد غضب عليهم لخذلانهم القائد جوهر في نوبة هفتكين وعرف الوزير يعقوب بن كلّس ذلك فاطّرحهم حتى ضاعوا وساءت حالاتهم وتفرّق كثير منهم في الصناعات. فتنبّه ابن عمّار [إلى] حالهم (٥). فاجتمع شيوخ كتامة عند المصلّى خارج القاهرة، وقد خالفوا على الحاكم. فخرج إليهم ابن [٣٧٣ أ] عمّار وما زال بهم حتّى أحضرهم إلى القصر وقرّر لهم ما أرضاهم به وأنفق فيهم، وحلف للحاكم ثمّ حلّفهم وحلف عليه الحاكم بأمر الله في يوم الثالث من شوّال سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة. وقلّده سيفا من سيوف العزيز بالله وحمله على فرس بسرج من ذهب، وكنّاه، ولقّبه «أمين الدولة»، وقال له: «أنت أميني على دولتي ورجالي»، وقاد بين يديه عدّة خيول، وحمل معه خمسين ثوبا من سائر البزّ الرفيع. ونزل من القصر إلى داره في موكب عظيم. وقرأ سجلّه قاضي القضاة محمد بن النعمان بجامع مصر في خامسه. فاستكتب أبا عبد الله [ ... ] (١) الموصلي واستخلفه على أخذ رقاع الناس وتوقيعاتهم. وألزم سائر الناس بالترجّل له فترجّل كلّ رئيس في طائفته. وقرّر لكتامة سبعة أعطية في السنة وأنفق فيهم وحمل رجالاتهم- وهم نحو الألف- على دوابّ الإصطبل التي خلّفها العزيز، ولم يترك أحدا من الشيوخ حتى حمله على الفرس والفرسين بالمراكب الحسنة من خزائن القصر. وسيّر سلمان بن جعفر بن فلاح إلى الشام على عسكر، وخلع عليه، وقلّده سيفا مذهّبا، وحمله على فرس، وقاد بين يديه أربعة أفراس بمراكبها، وأنعم عليه إنعاما زائدا، وأنفق في المغاربة السائرين معه (٢)، وبعث إليه بخزانة مال على ثمانية وستّين بغلا فيها أربعمائة ألف دينار وسبعمائة ألف درهم، وبعث إليه بستّة وأربعين حملا من السلاح وعشر جمّازات عليها الدروع وستّ قباب بفرشها وأجلّتها (٣) ومناطقها وسائر آلاتها، وستّ جمّازات بجنب آلة الديباج الملوّن وثلاثين جمّازة بأجلّة وعشرة أفراس وثلاث بغلات بمراكبها، ومنديل يحمله خادم فيه ثياب من ثياب العزيز وسيف من سيوفه. وصار ابن عمّار ينزل ويركب من باب الحجرة التي فيها الحاكم، فيشقّ القصر راكبا، وألزم سائر الناس بالتبكير إلى داره، وكانوا يزدحمون على بابه وفي دهاليزه، وبابه مغلق. ثمّ يفتح بعد حين ف [ي] دخل الأعيان إلى قاعة الدار ويجلسون على حصير، وهو جالس في مجلسه لا يدخل إليه أحد مقدار ساعة. ثمّ يأذن للأعيان كالقاضي ووجوه كتامة والقوّاد فيدخل أكابرهم. ثمّ يؤذن لسائر الناس فيزدحمون ولا يقدر أحد على الوصول إليه، فمنهم من يومئ إلى تقبيل الأرض، وهو مع ذلك لا يردّ السلام على أحد. فإذا خرج لا يتمكّن من تقبيل يده إلّا قوم بأعيانهم. وباقي الناس يقبّل بعضهم الركاب، وبعضهم يومئ إلى تقبيل الأرض. وأنفذ ما في الإصطبلات من الخيول، فأنعم على كتامة بألفين وخمسمائة فرس، وأخرج للحملان والقود شيئا كثيرا، وحمل من الخيل والبغال والنوق لسلمان بن فلاح زيادة على ألف رأس، وباع من الخيل والبغال والنجب والحمير ما يتجاوز الوصف حتى بيعت الناقة بستّة دنانير، وبيع الحمار الذي كانت قيمته خمسين دينارا بأربعة دنانير. وقطع أكثر الرسوم التي كانت تطلق للأولياء من الأتراك وغيرهم. وقطع أكثر ما كان من المطابخ واقتصر على البعض. وقطع أرزاق جماعة من أصحاب الراتب، وفرّق كثيرا من جوار في القصر على الناس، وكان فيه من الجواري والخدم عشرة آلاف جارية وخادم، فباع من اختار البيع وأعتق من سأل العتق، كلّ ذلك طلبا للتوفير. وحمل إلى سلمان بن فلاح جلّ رحل العزيز وأمتعته. واصطنع أحداث المغاربة، فكثر عبثهم وامتدّت أيديهم إلى أخذ الحرم من الطرقات، وسلبوا الناس في الشوارع وغيرها. فكثرت شكاية الناس منهم فلم يمسكهم (١). ثمّ إنّه فرّط في الأمر حتى تعرّضوا لغلمان الأتراك يريدون أخذ ثيابهم. فثار بسبب هذا شرّ قتل فيه واحد من المغاربة وغلام من الأتراك. فاجتمع شيوخ الطائفتين وصاروا أحزابا. فقام ابن عمّار في نصرة المغاربة، ووقعت الحرب بين الفريقين، وقتل جماعة منهما. فانطلقت الألسنة من كلّ منهما بالقبيح في حقّ الآخر، وأقاموا على المصافّ يوم الثلاثاء [٣٧٣ ب] ويوم الأربعاء تاسع شعبان. فركب بينهما ابن عمّار يوم الخميس بآلة الحرب وحفّت به المغاربة. وتجمّعت الأتراك، وكانت بينهما وقائع قتل فيها عدّة رجال وجرح كثير، وجمعت الرءوس بين يدي ابن عمّار. فأنكر ذلك وعرف أنّه أخطأ في ركوبه، فعاد إلى داره. ونزل إليه برجوان (٢) ليصلح بينه وبين الأتراك. فعند ما دخل إليه برجوان ركب غلمان الأتراك دار ابن عمّار فعاد برجوان إلى القصر، وامتدّت أيدي النهابة إلى دار ابن عمّار وإصطبلاته، وإلى دار رشأ غلامه، فأخذوا منها ما لا يحصى كثرة. وكان أكثر من نهب المغاربة الذين اصطنع أحداثهم. فسقط في يده ونجا بنفسه إلى داره بمصر ليلة الجمعة لثلاث بقين من شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وعزل (٣) عن النظر، فكانت مدّة أيّام نظره أحد عشر شهرا ينقص خمسة أيّام. ولزم داره بمصر سبعة وعشرين يوما. ثمّ خرج إليه الأمر بعوده إلى القاهرة فعاد وترك داره ليلة الجمعة خامس عشرين شهر رمضان. وأقام بها لا يركب ولا يدخل إليه أحد إلّا أتباعه وخدمه. ورسم بإطلاق رسومه وجرايات حشمه وكلّ ما كان له في أيّام نظره من فاكهة وثلج وغيره، ومبلغ ذلك من ثمن اللحم والحيوان والفواكه والتوابل خمسمائة دينار في كلّ شهر، وسلّة فاكهة في كلّ [يوم] بدينار، وعشرة أرطال شمع كلّ يوم وحمل ثلج عن يومين. فلم يزل ملازما لداره إلى أن أذن له في الركوب يوم السبت الخامس من شوّال سنة تسعين. فركب إلى القصر ونزل موضع نزول الناس بأسرهم. وواصل الركوب إلى يوم الاثنين رابع عشره. فأحضر عشيّة إلى القصر وجلس به إلى عشاء الآخرة، ثم أذن له في الانصراف. فعند ما قام ثار به جماعة من الأتراك قد أعدّوا لقتله فقتلوه واحتزّوا رأسه ودفنوه موضعه (٤). ثمّ سأل أهله في نقله إلى تربته، فحمل إليها بالقرافة. وكانت مدّة إقامته بعد عزله عن النظر إلى أن قتل ثلاث سنين وشهرا واحدا وثمانية عشر يوما (٥).