page 1143, entry [1655]Open original source
[حسن تدبيره في أزمة الغلاء] فناوله قرطاسا فيه ثلاثون رباعيّا، فكاد عقل الخبّاز يذهب من شدّة فرحه. وعاد إلى دكّانه فإذا عجنته الثانية قد خبزت فنادى عليها: خمسة أرطال بدرهم! - فمال الناس إليه واشتروا خبزه لرخصه. فخاف من هناك من الخبّازين تلاف أخبازهم، فإنّها بردت، وباعوا مثل بيعه. فنادى: ستّة أرطال بدراهم! - فقادتهم الضرورة إلى بيع أخبازهم كذلك. وصار يريد مكايدة العريف بإرخاص السعر ويزيد رطلا رطلا، والخبّازون يتبعونه في بيعه خوفا على بوار أخبازهم، إلى أن بلغ النداء: عشرة أرطال بدرهم، وانتشر ذلك في سائر البلد، وتسامع به الناس فتسارعوا إليه، حتّى إنّه لم يخرج قاضي القضاة من الجامع إلّا والخبز في جميع البلد عشرة أرطال بدرهم. وكانت العادة أنّه يشتري للديوان السلطانيّ في كلّ سنة غلّة بمائة ألف دينار وتجعل متجرا، فلمّا عاد قاضي القضاة إلى القاهرة مثل بحضرة الخليفة المستنصر، وعرّفه ما منّ الله تعالى به في هذا اليوم من إرخاص السعر، وتوفّر الناس على الدعاء لأمير المؤمنين، وأنّ الله- جلّت قدرته- فعل ذلك، وحلّ إسعاد الناس، بحسن نيّة أمير المؤمنين في رعيّته بغير موجب ولا فاعل له، بل بلطف الله تعالى واتّفاق قريب يسير. وقصّ عليه الخبر ثمّ قال: يا أمير المؤمنين، إنّ المتجر الذي يقام بالغلّة في [هـ] أوفى مضرّة على المسلمين، وربّما انحطّ السعر عن مشتراها فلا يمكن بيعها، حتى تتغيّر في المخازن وتتلف. والمصلحة أن نقيم متجرا لا كلفة على الناس فيه ويفيد أضعاف فائدة الغلّة ولا يخشى عليه من تغيّر في المخازن ولا انحطاط [سعر]: وهو الخشب والصابون والحديد والرصاص والعسل وما أشبه ذلك. فأمضى المستنصر له ما رآه، واستمرّ ذلك ودام الرخاء على الناس مدّة سنين. ثمّ قصر النيل في سنة سبع وأربعين بعد خمس سنين من نظره في الوزارة، ولم يكن بمخازن السلطان من الغلّة إلّا ما ينصرف في جرايات من في القصور ومطبخ الخليفة وحواشيه لا غير. فورد على الوزير من ذلك ما شغل سرّه وكثر له فكره. ونزع السعر إلى ثمانية دنانير التّليس (١) الدوّار، واشتدّ الأمر على الناس. ففتح الله له من التدبير أن نظر في أمر النواحي، وكانت عادة التجّار أن يقرضوا المعاملين حين إسعارهم (٢) وضيق الحال عليهم في المقام للديوان بما يجب عليهم من الخراج، مالا يبتاعون به منهم غلّاتهم عند إدراكها ليصيبوا فيها ربحا. فإذا استقرّت مبايعتهم حضروا مع المعاملين إلى الديوان وقاموا عنهم للجهبذ بما كتب عليهم، ويثبت ذلك في روزنامج الجهبذ (١) مع مبلغ الغلّة. فإذا أدركت غلّاتهم وصارت في الجرون (٢) اكتالها التجّار وحملوها إلى مخازنهم يريدون فيها السعر الغال [ي]، فمنع الوزير من ذلك في هذه السنة، وكتب إلى العمّال بسائر النواحي أن يستعرضوا روزنامجات [٣٦٣ ب] الجهابذة ويحصروا منها ما قام به التجّار عن ال [م] عاملين ومبلغ الغلّة الذي وقع الابتياع عليه وأن يقوّموا للتجّار [ما] وزنوه للديوان ويربحوهم في كلّ دينار ثمن دينار، تطييبا لقلوبهم، وأن يضعوا ختومهم على المخازن ويطالعوا بمبلغ ما يحصل تحت أيديهم فيها. فلمّا تحرّر ذلك جهّز المراكب لحمل الغلّات من النواحي، وأودعها في المخازن السلطانيّة بمدينة مصر، وقرّر ثمن التّليس ثلاثة دنانير بعد ما كان بثمانية دنانير. وسلّم إلى الخبّازين ما يبتاعونه لعمارة الأسواق، ووظّف ما تحتاج إليه مصر والقاهرة، فكان ألف تلّيس دوّار كلّ يوم: مصر، سبعمائة. والقاهرة ثلاثمائة. فاستمرّ هذا التدبير مدّة عشرين شهرا حتّى أدركت غلّة السنة الثانية، فتوسّع الناس بها وزال عنهم الغلاء، وما كادوا يتألّمون لحسن هذا التدبير.