page 1011, entry [1525]Open original source
١١١٦ - حاطب بن أبي بلتعة [- ٣٠] (١) [٤١٧ أ] حاطب بن أبي بلتعة- واسم أبي بلتعة: عمرو- وقيل: حاطب بن راشد بن معاذ، اللخميّ، حليف قريش. وقيل إنّه من مذحج. وقيل: هو حليف للزبير بن العوّام. وقيل: بل كان عبدا لعبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، وكاتبه، فأدّى كتابته يوم الفتح، وهو من أهل اليمن. والأكثر أنّه حليف لبني أسد بن عبد العزّى بن قصيّ- يكنّى أبا عبد الله- وقيل: أبا محمّد- أحد أصحاب رسول الله ﷺ. شهد بدرا والحديبيّة. وقدم مصر مرّتين في الرسالة إلى المقوقس. وشهد فتح مصر. ومات سنة ثلاثين بالمدينة، وهو ابن خمس وستّين سنة. وصلّى عليه أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ﵁. وقد شهد الله تعالى لحاطب بالإيمان في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة: ١]. وذلك أنّ حاطبا كتب إلى أهل مكّة قبل حركة رسول الله ﷺ عام الفتح يخبرهم ببعض ما يريد رسول الله ﷺ من الغزو إليهم، وبعث كتابه مع امرأة، فنزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ، فبعث في طلب المرأة عليّ بن أبي طالب ﵁، فأخذ معه المقداد بن الأسود، والزبير بن العوّام ﵁، فأدركا المرأة بروضة خاخ فأخذا الكتاب. ووقف رسول الله ﷺ حاطبا على الكتاب فاعتذر، وقال: ما فعلته رغبة عن ديني (٢) - فنزلت فيه آيات من صدر سورة الممتحنة. وأراد عمر بن الخطّاب ﵁ قتله، فقال له رسول الله ﷺ: إنّه قد شهد بدرا. وروى الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر ﵁، أنّ عبدا لحاطب جاء إلى النبيّ ﷺ يشتكي حاطبا، فقال: يا رسول الله، ليدخلنّ حاطب النار! فقال ﵇: كذبت! لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبيّة. وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: جاء غلام لحاطب بن أبي بلتعة إلى رسول الله ﷺ، فقال: لا يدخل حاطب الجنّة- وكان شديدا على الرقيق. فقال رسول الله ﷺ: لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبيّة. وفي موطأ مالك ﵀ أنّ عمر بن الخطّاب ﵁، قال لحاطب حين انتحر رقيقه ناقة لرجل من مزينة: أراك تجمعهم- وأضعف عليهالقيمة على جهة الأدب والردع له. وبعث رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة في سنة ستّ من [٤١٧ ب] الهجرة إلى المقوقس صاحب مصر والإسكندريّة (١). فمضى حاطب بكتب رسول الله ﷺ، فلمّا انتهى إلى الإسكندريّة وجد المقوقس في مجلس مشرف على البحر، فركب البحر، فلمّا حاذى مجلسه أشار بكتاب رسول الله ﷺ بين أصبعه. فلمّا رآه أمر بالكتاب فقبض وأمر به، فأوصل إليه، فلمّا رآه أجلسه وتناول منه الكتاب، وأنزله في منزله. (قال): فأقمت عنده ليالي، ثمّ بعث إليّ وقد جمع بطارقته فقال: إنّي [٣١٨ أ] سأكلّمك بكلام أحبّ أن تفهمه منّي. (قال): قلت: هلمّ! قال: أخبرني عن صاحبك: أليس هو نبيّا؟ (قال): قلت: بلى، هو رسول الله. قال: فما له، حيث كان هكذا، لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلدته إلى غيرها؟ فقلت له: فعيسى ابن مريم، أتشهد أنّه رسول الله؟ فما باله حيث أخذه قومه وأرادوا صلبه ألّا يكون دعا (٢) عليهم بأن يهلكهم الله، حتى رفعه الله إليه في سماء الدنيا؟ فقال: أحسنت! أنت حكيم جاء من عند حكيم. هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمّد، وأرسل معك من يبلّغك إلى مأمنك. وفي رواية أنّ المقوقس قال لحاطب: ما منعه، إن كان نبيّا، أن يدعو عليّ فيسلّط عليّ؟ فقال له حاطب: ما منع عيسى ابن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به ويفعل؟ فوجم ساعة ثمّ استعادها فأعادها عليه حاطب، فسكت. فقال له حاطب: إنّه قد كان قبلك رجل زعم أنّه الربّ الأعلى فانتقم الله به ثمّ انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر بك. وإنّ لك دينا لن تدعه إلّا لما هو خير منه، وهو الإسلام الكافي الله به فقد ما سواه، وما بشارة موسى بعيسى إلّا كبشارة عيسى بمحمّد. وما دعاؤنا إيّاك إلى القرآن إلّا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل. ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنّا نأمرك به. [ثمّ] إنّ المقوقس أعاد حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى رسول الله ﷺ، وجهّز معه هديّة ورسولا يقال له ابن جبر، فيقال: إنّ حاطب بن أبي بلتعة لمّا قدم المدينة ودخل على النبيّ ﷺ أنشده أبياتا- ويشبه أن تكون مصنوعة (٣) - وهي [الكامل]: انعم صباحا يا وسيلة أمّة ... ترجو النجاة به غداة الموقف إنّي مضيت إلى الذي أرسلتني ... أطوي المهامه في الطريق الأخوف حتى رأيت بمصر صاحب ملكها ... فبدا إليّ بمثل قول منصف فقرا كتابك حين فكّ ختامه ... فاهتزّ يرعد كاهتزاز المرجف ٥ قال الأساقفة الذين تجمّعوا ... ماذا أراعك من كتاب المسرف؟ قال: اسكتوا يا ويلكم وتأدّبوا ... هذا كتاب نبيّ دين المصحف قالوا: وهمت! فقال: لست بواهم ... بل قد عرفت بيان حقّ الأحرف في كلّ سطر من كتاب محمّد ... خطّ يلوح لناظر متوقّف هذا الكتاب كتابه لك خاضعا ... يا خير مولود بحقّك يكتفي ١٠ وأتى رسولك بالجواب مسلّما ... بإرادة المولى العظيم الأرأف لي أجرتي: غرف الجنان وحورها ... ونعيمها فأفوز يوم الموقف صلّى عليك الله ما غسق الدجى ... أو لاح صبح بالضياء المشرف ومتى بدت شمس النهار منيرة ... في ضوءها الوهّاج حتّى ينطفي ثمّ إنّ أبا بكر ﵁، لمّا استخلف بعد رسول الله ﷺ بعث حاطبا إلى المقوقس بمصر، فمرّ على ناحية قرى الشرقيّة، فهادنهم وأعطوه، فلم يزالوا على ذلك حتى دخلها عمرو بن العاص، فقاتلوه. فانتقض ذلك العهد، وهي أوّل هدنة كانت بمصر. وروى حاطب عن النبيّ ﷺ أنّه قال: من رآني بعد موتي، فكأنّما رآني في حياتي. ومن مات في أحد الحرمين بعث في الآمنين يوم القيامة. وليس له غير هذا الحديث، حدّث عنه من أهل مصر عبيد بن رفيع الهذليّ. وحدّث عنه [٣١٨ ب] أبو غطيف أنّ عمر بن الخطاب قال: يقاتلكم أهل الأندلس بوسيم حتى يبلغ الدم ثنن الخيل (١)، ثمّ ينهزمون. وكان حاطب تاجرا يبيع الطعام، وكان حسن الجسم، خفيف اللحية، أحنى إلى القصر ما هو شثن (٢) الأصابع. ودعا له النبيّ ﷺ يوم أحد، فقال: رضي الله عنك! رضي الله عنك!